Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
الشيعة في المشهد السياسي العراقي الراهن*
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  دراسات  »  دراسات عراقية  »  الشيعة في المشهد السياسي العراقي الراهن*
الشيعة في المشهد السياسي العراقي الراهن*
 د. عبد الحسين شعبان | نشر  12/7/2007 | دراسات عراقية
د. عبد الحسين شعبان

ولد في مدينة النجف الاشرف (العراق) في / 21 أذار (مارس)1945، درس وتعلّم في النجف و بغداد، وتخرج من جامعة بغداد (من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) و استكمل دراسته العليا في براغ حين نال درجتي الماجستير والدكتوراه (مرشح علوم) في القانون(دكتوراه فلسفة في العلوم القانونية) واختص في القانون الدولي ( من اكاديمية العلوم التشيكوسلوفاكية).
أكمل دراسته العليا في العام1976 -1977 انشغل بقضايا حقوق الانسان منذ وقت - عمل باحثاًعلمياً ونشر العديد من الكتب والمؤلفات في ميادين القانون والفكر والسياسة الدولية وحقوق الإنسان والاسلام والثقافة والأدب منها : النزاع العراقي – الايراني-، الإنسان هو الأصل - مدخل الى القانون الدولي الإنساني ، الصهيونية المعاصرة و القانون الدولي – المدينة المفتوحة - مقاربات حقوقية حول القدس و العنصرية ، - أمريكا و الإسلام ............

 

عرض جميع مقالات د. عبد الحسين شعبان
الشيعة في المشهد السياسي العراقي الراهن*

قراءة أولية

ينسب بعض مؤرخي الشيعة تأسيس مذهبهم إلى الرسول محمد (ص) باعتباره البذرة الأولى في الإسلام، ولعلهم في ذلك لا يختلفون عن المذاهب الأخرى التي هي كذلك تنسب نفسها إلى النبي محمد (ص) مثل المذهب الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي، ويستدلون على ذلك بآيات قرآنية أو أحاديث نبوية أو وصايا. والشيعة هي فرقة إسلامية نشأت على مراحل، وإن الإمامية أو الإثنا عشرية وهو ما يطلق عليهم أحياناً، أو ما يعرف به شيعة العراق اليوم، ظهرت في فترة متأخرة.

والمعروف أن الشيعة كمفهوم عام جماعة إلتفّت حول الإمام علي بن أبي طالب، وتحولت لاحقاً من فريق يدعو إلى "أحقيته" في الخلافة، إلى تنظيم سرّي، وخصوصاً خلال فترة الحكم الأموي يسعى إلى قلب نظام الحكم والثورة عليه، واتخذ العمل السياسي الشيعي خلال فترة الحكم الأموي أشكالاً مختلفة من الحزب السري "تنظيم محمد ابن الحنفية" إلى الثورة المسلحة "حركة التوابين" بقيادة سليمان بن الصرد الخزاعي والمختار ابن ابي عبدالله الثقفي وزيد بن علي بن الحسين إلى "المعارضة الصامتة" التي تمثل قطاعات واسعة. وقد استندت الدعوة الشيعية التي تقول أنها تنتمي لآل البيت إلى فكرة جوهرية ثار الحسين من أجلها ودفع حياته ثمناً لها، وهي رفض الظلم وإقامة العدل.

لكن المذهب الشيعي إكتسب بُعداً اجتهادياً وفقهياً كمذهب متميّز بجهود الإمام جعفر الصادق في وقت لاحق، لذلك يسمى أحياناً بإسم "المذهب الجعفري" وهو ما ورد في الكتب الأربعة المُعتبرة لدى الشيعة وهي:

1- كتاب "الكافي" لمؤلفه محمد بن يعقوب الكليني الذي توفي في عام 292 ﻫ.

2- كتاب "من لا يحضره الفقيه" لمؤلفه محمد بن علي بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق الذي توفي عام 381 ﻫ.

3- و4- كتابا "الاستبصار" و"التهذيب" للفقيه الطوسي الذي توفي في النجف عام 460 ﻫ(1).

***

أثارت الحركة الشيعية منذ تأسيسها الأول اشكالات كثيرة بخصوص موقفها من السلطة، وفيما بعد، ما تعرّضت له من ملاحقة واضطهادات، واضطرت إلى العمل السري في فترتي الحكم الأموي أو في الحكم العباسي، مما دفع البعض للاعتقاد أنها "حركة باطنية"، وأن الشيعة لا يمكنهم الظهور على السطح، خصوصاً وأن "مبدأ التقية" كما يقال يحكمهم.

والتقية حسب التفسير الشيعي هي تجنّب الأذى في حالة التعرّض إلى ضغوط شديدة لا يحتملها الانسان وتقديم تنازلات ممكنة أو اخفاء إظهار الرأي بحبّ الإمام علي وآل البيت أو الانتماء اليهم، وهو ما كان يحصل في الزمن الغابر عندما كان يجبرون على شتم آل البيت والإمام علي تحديداً، فهناك من أجاز من أوساطهم أن يفعلوا ذلك تجنّباً للأذى ودفعاً للمكاره. بهذا المعنى وُظّف مذهب التقية توظيفاً برغماتياً أو ذرائعياً، بحيث يأخذ بنظر الاعتبار الزوغان من الأذى الواقع عليهم من "الغير" أو من "الآخر"، بإتقاء شرّه! واخفاء "الباطن" وعدم اظهاره!

ويذهب المفكر الإسلامي الايراني علي شريعتي الذي اغتيل في ظروف غامضة في لندن في العام 1976، الى وجود نوعين من التشيّع، الأول وهو الذي يطلق عليه إسم "التشيّع العلوي"، أما الثاني فيسميّه "التشيّع الصفوي"، والمقصود بالاول الانتماء الى هوية الإمام علي والى مدرسة آل البيت، أما الثاني فهو التشيّع السلطاني أو السلطوي، خصوصاً جانب الإكراه والإرغام الذي امتاز به.(2)

انعكس الصراع العثماني- الصفوي انعكاسات سلبية على الشيعة خصوصا الشيعة العرب وتحديداً على عرب العراق، وعندما أقول عرب العراق فإنهم يمثلّون أكثر من 80% من المجتمع العراقي، عدى ذلك فإن نسبة حوالي 20% تتألف من الأكراد ومن التركمان ومن الأقليات والقوميات الأخرى، لكن عرب العراق هم الذين طبعوا هويته تاريخياً.

كان الصفويون عندما ينتصرون يتوّجهون بخيولهم وأسلحتهم لتدمير "المراقد السنية" وكان العثمانيون عندما ينتصرون على الصفويين في العراق يذهبون لبسط مذهبهم على الشيعة بوسائل مختلفة، ولذلك كان هناك نوع من الاحتقان الطائفي شهدته فترة الصراع الصفوي العثماني على العراق تحديداً، حيث كان العراق مركز الحرب والصراع الدائر بين العثمانيين والصفويين.

***

أثارت التجربتان الدستوريتان الايرانية 1906 والعثمانية 1908 حراكاً سياسياً وفقهياً في العراق، وكانت النجف مركز الشيعة العالمي، مسرحاً لسجالات فكرية غنية فيما يتعلق بالدستور العثماني 1908 حيث كان العراق ما يزال يخضع للدولة العثمانية، والدستور الايراني 1906 الذي تم فرضه من جانب الحركة الشعبية على شاه ايران.

واذا كان السند الشرعي للفقه السني بشكل عام قد استند الى مبدأ الشورى، بوجه الحركة الدستورية، فإن الفقه الشيعي قد انقسم أيضاً بين مؤيد للدستور ومعارض له.

وكما سميّ في حينها بين "أهل المشروطة" أي دعاة الدستور وبين "أهل المستبدة" أي أنصار الملكية المطلقة.

وكان الشيخ ميرزا حسين النائيني قد وضع كتاباً بعنوان "تنبيه الأمة وتنزيه الملّة" قدم فيه أطروحته دفاعاً عن الدستور الذي يعتبره "مشاركة إزاء الأمة في القرار والولاية" ومساواتهم مع شخص السلطان، وحق الأمة في المحاسبة والمراقبة وتحديد مسؤولية الموظفين، وهذا هو الامتداد الطبيعي لحركة الاصلاح الديني والسياسي لجمال الدين الافغاني ومحمد عبده ورفاعه الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي والتونسي وغيرهم.(3)

ويرى النائيني ان الاستبداد يقوم على شعبتين:

الاولى من السلطان (سياساته التحكيمية) والعبودية هنا تستند الى القهر والغلبة، والثانية خضوع رؤساء المذاهب والملل له والعبودية هنا تستند الى الخدعة والتدليس.

وعندما تأسست الدولة العراقية المعاصرة في 23 آب (اغسطس) 1921 بعد الاحتلال البريطاني للعراق 1914 - 1918، سعت بريطانيا لحكم العراق مباشرة، ثم عبر الانتداب، واضطرت الى قيام "حكم أهلي" وتأسيس الدولة العراقية خصوصاً بعد اندلاع ثورة العشرين 1920، وورثت الدولة الاحتقان الطائفي والنزاعات المذهبية من فترة الحكم العثماني، خصوصاً وقد تكرّس بسياسة بريطانيا المعروفة "فرّق تسد" وبعد عزوف رجال الدين الشيعة من المشاركة في إدارة الدولة واستمرار موقفهم الرافض للتشكيلات التي أقامها البريطانيون، وكان العراق وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو 1916 من حصة بريطانيا، وحتى قبل هذه الاتفاقية كانت هناك محاولات لتقاسم المناطق وإخضاع العراق إلى الإمبراطورية البريطانية.(4)

منذ اليوم الأول للاحتلال البريطاني ورغم "التهميش" أو التمييز الذي كان يشعر به الشيعة ومراجعهم الدينية إلا أنهم "انتفضوا" في وجه المحتل وقد قاد الحملة آنذاك الفقيه والعالم الديني المشهور والشاعر الرقيق والجميل محمد سعيد الحبوبي الذي ذهب من النجف مع مجموعة من رجال الدين وشيوخ القبائل ومسلحين لمقاتلة البريطانيين، وتوفي الحبوبي في منطقة الشعيبة قرب البصرة. وقد بادر بعض زعماء الشيعة حتى قبل أن تستكمل مقوّمات المقاومة بعمليات مسلحة لمقاومة الاحتلال البريطاني، تلك التي كانت بروفة أولية لثورة العشرين، واحتل البريطانيون العراق رغم أن احتلالهم كان بصعوبة كبيرة، حيث بدأت عملية الإنزال الأول عام 1914 واستكملت بريطانيا عملية احتلال العراق عام 1918، أي أن احتلالها استغرق نحو 4 سنوات، وكان العراق ساحة ساخنة للصراع والأخذ والرد والهجوم والحصار لمدن كثيرة الى أن استكمل البريطانيون احتلالهم.

منذ عام 1918 بدأت 3 ثورات مهمة في العراق:

الثورة الأولى بدأت في النجف، مركز الشيعة العالمي، عام 1918.

الثورة الثانية بدأت في السليمانية مركز الأكراد التاريخي عام 1919.

الثورة الثالثة كانت عراقية عامة وشاملة ولكنها انطلقت أيضا من المناطق الشيعية سميت بثورة العشرين وشارك فيها السنّة بدور ملحوظ وشملت الجنوب والفرات الاوسط، وابتدأت في 30 حزيران (يونيو) عام 1920 واستمرت لبضعة أشهر ورفعت مطالب وطنية عامة من هذه المطالب:

* حق الشعب العراقي تقرير مصيره.

* الإتيان بملك عربي.

* إجراء استفتاء والاستقلال التام.

وكانت أهم فتوى صدرت في العشرينات هي فتوى آية الله محمد تقي الشيرازي التي أصدرها من مدينة سامراء، وهي مدينة سنية رغم وجود مرقدين شيعيين للامامين علي الهادي والحسن العسكري، (اللذان فجرّا مرتين بعد الاحتلال في شباط/ فبراير 2006 وحزيران/ يونيو 2007 من جانب جماعات إرهابية ومتطرفة) كما يوجد فيها قبو يعتقد الشيعة انه مكان اختفاء صاحب الزمان "المهدي المنتظر"، وهو الامام الثاني عشر لدى الشيعة. واختار الشيرازي هذا المكان لإطلاق فتواه للتأكيد على أن هناك وحدة وامتداداً بين الشيعة والسنّة في رفض المحتل، وعندما سُئل الشيخ ضاري وبعض رؤساء عشائر العرب السنة من زعماء المناطق الغربية عن مطالبهم وماذا يريدون: أجاب بأن زعماءنا في النجف وكربلاء هم يقررون، وهو دليل على عراقية الثورة وعلى وحدة العراقيين من أبناء الطائفتين ضد المستعمرين.

***

* رجال الدين الشيعة

ولكن من هم رجال الدين الشيعة؟ أو كيف نتعامل مع فكرة رجال الدين؟ وكيف أصبح لهم تأثير على الدولة؟

هذا الموضوع يتعلق بجانب نظري أولاً ثم ببعض الجوانب العملية، التي سنرى لها امتداداً في تفسيرنا من يكون الشيعة ومن يمثلهم وما هي مرجعيتهم؟

هناك ثلاث مراكز لرجال الدين في العراق أو لدى الشيعة:

أولاً- جامعة النجف أو ما يطلق عليه الحوزة العلمية: وهي أقدم جامعة في العالم مضى على وجودها أكثر من ألف عام، وأسست قبل جامعة بولونيا في ايطاليا وحتى قبل جامعة الأزهر بنحو مائة عام تقريبا. عندما جاء الإمام الطوسي وهو فقيه من الفقهاء الكبار إلى النجف، كانت النجف في ذروة تقدمها ومجدها فأضفى عليها بُعداً فكريا ومكانة ثقافية كبيرة. والطوسي توفي في النجف عام 460 ﻫ كما أشرنا أي أن الجامعة كانت موجودة قبل مجيء الطوسي وهناك شارع كبير من الشوارع الرئيسية في النجف يسمى اليوم بإسم شارع الطوسي وباب من أبواب الصحن الحيدري فيها يسمى "باب الطوسي".

ما هي مزايا جامعة النجف؟: هي جامعة غير حكومية وهي أقرب إلى المجتمع المدني لا تقبل تمويلات من الدولة ولا تقبل أن يتدخل أحد في شؤونها وفي مناهجها الدراسية وفي الأبحاث العلمية، وتتلقى الأموال والمساعدات من أصحاب الخير (دون شروط) ومن أموال الزكاة والخمس والحقوق كما يطلق عليها، وهي تدير نفسها بنفسها.

ألقى الدكتور محمد فاضل الجمالي الذي كان رئيساً لوزراء العراق في العهد الملكي (الخمسينات) وكان وزيراً أسبق لوزارة الخارجية أيضاً، ومن القلائل الذين وقعوا على ميثاق الأمم المتحدة ممثلا عن العراق آنذاك في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، محاضرة يمكن الرجوع إليها في جامعة أكسفورد عام 1957، أجرى فيها مقارنة بين جامعة النجف وجامعة أكسفورد، وتوصل الى إستنتاج خطير ومثير مفاده أن حرية البحث العلمي في جامعة النجف أكثر تقدماً من حرية البحث العلمي في جامعة أكسفورد.

كيف يتوصل الجمالي وهو الباحث في علوم التربية إلى مثل هذا الاستنتاج؟ يقول أن في جامعة النجف يتطلب من الباحث لكي يحصل على الدرجة العلمية ويتنقل من مرتبة علمية إلى مرتبة علمية أخرى، أن يقدم أطروحتين: أطروحة (مع) وأطروحة (ضد)، أي أطروحة تؤيد وتدعم وأطروحة تفنّد وتعارض.

بهذا المعنى كان هناك جدل وكان هناك حوار مستمر في هذه الجامعة التي تتمتع بدينامكية خاصة، ولعل الامر المثير الآخر أن الكثيرين من الذين درسوا في جامعة النجف، علوم الدين، اتجهوا اتجاهات معاكسة فيما بعد مثل: العلامة الكبير حسين مروة حيث درس في النجف من عام 1924 إلى عام 1938، وكان والده قد أرسله من لبنان إلى النجف وعمره لم يكن يتجاوز 14 عاما. درس مرّوة 14 عاماً في مدينة النجف ثم كتب عام 1938 مقالا بعنوان "أنا وعمامتي" في مجلة الهاتف التي يصدرها القاص جعفر الخليلي، قال فيه لقد رميت العمامة، وبدأ يتحدث كيف تعرف على ماركس في النجف أي من خلال بحث وجده توصل إلى الرأي الآخر واقتنع بالرأي الآخر.(5)

لم يكن هذا شأن حسين مروة فحسب فهذا هو أيضاً شأن الباحث محمد شرارة وهو لبناني الأصل ووالد حياة شرارة وبلقيس شرارة الذي تحول إلى اتجاه آخر وكذلك آل الخليلي ومدرستهم الشهيرة في "عكَد السلام" أي زقاق السلام في النجف مثل عبد الغني الخليلي وجعفر الخليلي وأيضا الجواهري الكبير وعائلة الجواهري الذين تحولوا إلى اتجاه آخر، فقسم من هؤلاء بعد دراسة العلوم الدينية أصبح "علمانياً" بكل معنى الكلمة وداعياً للحداثة.

أقصد من ذلك أن المدرسة العلمية النجفية بما فيها من ديناميكية وحيوية شجعت على الرأي الآخر، لدرجة أن البعض انتقل إلى الطرف الآخر، ولكن هذا لا يعني كامل الصورة وكامل المشهد فهناك من الذين درسوا في النجف من رجال الدين المتنورين على سبيل المثال آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسن الأمين والسيد آية الله العظمى محمد حسين فضل الله وآخرين. ويقول الشاعر والباحث الدكتور مصطفى جمال الدين ان النجف تمثل "الفكر المنفتح في المجتمع المنغلق" وهي مدينة تحمل التناقض ما بين طياتها: مجتمع محافظ ولكن فكر متقدم، وتلك لعمري واحدة من الخاصيات التي تمتاز بها مدينة النجف.(6)

تعتبر جامعة النجف المنبع الرئيسي للمرجعية الشيعية. فبماذا تمتاز هذه المرجعية؟ المرجعية تمتاز بالتعددية، فلا وجود لمرجع واحد وحيد أعلى، والمرجعية تمتاز بالأممية فليس بالضرورة أن يكون المرجع عربياً، إضافة إلى ذك هناك مواصفات مشتركة الأعلمية والزهدية والكاريزمية وغيرها من المواصفات التي تؤهل الشخص أو رجل الدين أن يكون مرجعاً ومجتهداً.

مرّ على تاريخ المرجعية أكثر من 1000 عام تقريبا، كان مركزها في النجف لمدة 800 سنة وذهبت قليلاً إلى قم وفترة قصيرة إلى الحلة وإلى كربلاء وهذا ما يظهر أيضا الصراع بين قم والنجف والذي انعكس بعد الثورة الايرانية ولو على نحو خفي، عندما ارادت قم استقطاب الحوزة العلمية، بحيث تصبح مركز المرجعية، اما النجف فكانت أن تريد أن تستبقي مركز المرجعية لديها رغم ظروفها القاسية سواءً مرجعيتها الناطقة أو مرجعيتها الصامتة، وتعتقد أنها الأولى والأجدر بها، باعتبار أن الرسول كان عربيا وكذلك الامام علي والحسن والحسين وفاطمة الزهراء وزينب، ولغة القرآن العربية، ومرقد الامام علي في النجف، وانها "الأحق" بها تاريخياً، رغم أن الإسلام يساوي بين المسلمين كأسنان المشط "إن أكرمكم عند الله أتقاكم".

هناك جانب خفي وغير منظور يخصّ المرجعية وله علاقات بعروبتها أو أعجميتها "أمميتها"، خصوصاً وأن هناك من يدفع لأغراض لا علاقة لها بالأعلمية والزهدية والقدرة على استنباط الاحكام والاجتهاد، باتجاه إبعاد المرجعية عن النجف. وحتى اليوم يوجد مرقد واحد للأئمة الاثنا عشرية في إيران هو مرقد الامام علي بن موسى الرضا، في مشهد، وما زال "الشيعة" العرب أو غيرهم حين يزورونه يخاطبونه سلاماً يا غريب لأنه توفي في دار الغربة يوم كان والياً على بلاد فارس.

المرجعية فيها ثلاث مراتب المرتبة الأولى هي حجة الإسلام الذي يكون في مقدمة الاجتهاد، فهو ليس مؤهلاً للافتاء بعد. المنزلة الثانية آية الله الذي أصبح في منزلة الاجتهاد، وهو مجتهد من حقه أن يفتي ولكنه لا يُقلّد في الغالب والمنزلة الثالثة والمهمة هي أن يكون آية الله "عظمى" أي أن يكون في منزلة الاجتهاد ومنزلة التقليد، أي يكون له مقلدون ومؤيدون يأخذون بتفاسيره وبفتواه، وبهذا المعنى يكون في مقام الامام او ممثل الامام الغائب، وهو ما استند اليه البعض في فكرة ولاية الفقيه ومنهم الامام الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية".

وكانت منذ وقت مبكر تنطلق بعض الاصوات الشيعية وبشكل خاص من المدرسة النجفية لتعارض فكرة "نائب الامام" وهو المصطلح الذي شاع لاحقاً ويوازي فكرة ولاية الفقيه المطلقة، خصوصاً بطرح سؤال مهم بتجاوز دور نائب الامام حقل العبادات والمعاملات، ليطال حقل السياسة، أي حقل السلطة والسلطات على حد تعبير المفكر وجيه كوثراني، بما فيها قضايا الحرب والسلام.(7)

كان كثيرون من مجتهدي النجف يعارضون اقحام نائب الامام، أي الفقيه المجتهد في السلطة وجهاز الدولة، وذلك رداً على تصرف نورالدين الكركي 1466-1534 الذي حاول التواؤم مع الشاه اسماعيل الصفوي "مؤسس الدولة الصفوية" بإفتائه بحق الشاه في جمع الخراج وشرعية اقامة صلاة الجمعة بإسمه، وهو ما عارضه الشيخ ابراهيم القطيفي المرجع الشيعي في النجف، في محاولة لرفض اسباغ الشرعية على السلطان.

* ولاية الفقيه

وكان هناك نوعاً من المساومة التي تمت بين السلطان وبعض رجال الدين، فالأول يمنح للفقيه سلطات واسعة لادارة العمل الحكومي ويضعهم بمكانة مقدسة، مقابل منحهم الشاه التأييد الكامل ودعم سياساته من جانب الفقيه المجتهد.

لكن مسألة ولاية الفقيه عادت منذ صدور كتاب الامام الخميني "الحكومة الإسلامية" وهو عبارة عن سلسلة محاضرات ألقاها في النجف واستندت اليها الثورة الإسلامية. وصدرت منذ العام 1979 عدة طبعات من الكتاب الذي اعتبر مرجعاً يكاد يعلو على الدستور أو يشكل منطلقاً نظرياً له.(8)

لقد أصبحت نظرية ولاية الفقيه جزءًا لا يتجزأ من الدستور الايراني. ويشرح الخميني فكرة الحكومة الدستورية بالقول انها حكومة الإسلام، لكنها ليست مطلقة وانما هي دستورية، ثم يفرق ذلك عن النظام البرلماني أو المجالس الشعبية، ويؤكد فكرة حكومة الحق الالهي، بمعنى ان القائمين بالأمر يتقيّدون بمجموعة الشروط والقواعد المبينّة في القرآن والسنّة... وهذه هي الحكومة الإسلامية، اما الذي يقوم بتطبيق "القانون الالهي" فهو الفقيه العادل والعالِم، الذي يتولى صلاحيات النبي وصلاحيات الائمة المعصومين الاثنا عشرية دون أن يتمتع بفضائلهم الشخصية!

ويشرح السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للجمهورية الإسلامية في ايران نظرية ولاية الفقيه والحكومة الإسلامية في كتابه "الحكومة في الإسلام"، فيقول ان صلاحيات ولاية الفقيه "دستورياً" هي الاشراف والتدخل والتأثير في كل سلطات الدولة التنفيذية والقضائية والعسكرية والتشريعية، ولا يصبح الرئيس رئيساً حتى لو انتخبه الشعب ما لم يصادق عليه الامام.. أي الولاية العامة والمطلقة للفقيه العالم.(9)

كم آية الله "عظمى" لدينا الآن في العراق؟ لدينا 5 خمسة: السيد علي السيستاني وهو إيراني جاء إلى النجف عام 1952 ومازال حتى هذه اللحظة لا يتمتع بالجنسية العراقية ولكنه يحظى بمكانة كبيرة ومؤثرة وساهمت فتواه في دعم قائمة الائتلاف الوطني الموحد (الشيعي)، وبشير النجفي من أصول باكستانية، وإسحاق فياض من أصول أفغانية والشيخ كاظم الحائري عراقي يقال انه اكتسب الجنسية الايرانية بحكم اقامته الطويلة في قم، والعربي الوحيد هو السيد محمد سعيد الحكيم الذي كان مقرّباً من الحكم السابق.

وفي لبنان هناك الشيخ مفيد الفقيه ابن شقيق العلامة المرجع الشيخ محمد تقي الفقيه وابن الشيخ علي الفقيه وجدّه الشيخ يوسف الفقيه (قاضي القضاة في المحكمة الشرعية في بيروت) وقد درس في النجف والسيد محمد حسين فضل الله، الذي ولد ودرس في النجف وله اجتهادات متميّزة ويتحلّى بجرأة ورصانة إضافة الى علم غزير.

اما في ايران: هناك آية الله محمد منتظري الذي أبعد في آخر أيام الخميني، وآية الله وحيد الخراساني وآية جنتي وآية الكنّي (المرشدان الروحيان لحزب الله ايران) وآية السيد علي الحسيني الخامنئي (المرشد الاعلى).

خارج إطار هذه المرجعيات التي تعتبر مواقفها متقاربة نسبياً، هناك مرجعيات في العراق والعالم العربي وقد رفضت بعض المرجعيات العراقية الاحتلال رفضاً قاطعاً منذ اللحظة الأولى مثل أية الله السيد أحمد الحسني البغدادي ومدرسة الإمام الخالصي التي هي امتداد للشيخ محمد مهدي الخالصي الذي عرف بوطنيته ونفاه الانجليز والحكم الاهلي إلى إيران في العشرينات، ثم عاد سرّاً وألقي عليه القبض وأعيد مرة أخرى إلى إيران وتوفي فيها، ثم سمح لولده محمد بالعودة إلى العراق وسكن الكاظمية مدينته الأصلية وتبّنى إتجاهاً مختلفاً عن الاتجاه الرسمي الشيعي. ولديه بعض الاجتهادات والمواقف المتميزة منها: ان الشيعة يقولون في الآذان أشهد أن علياً بالحق ولي الله، اما الإمام الخالصي فقد اعتبر ذكر ذلك أمراً مستحبّاً وليس واجباً أو فرضاً شرعياً في الصلاة فثارت عليه الثائرة آنذاك. (ضمن التشظي المذهبي: انشق الآذان في العراق أيضاً، فهناك من ينتظر الآذان الشيعي وهناك من يتمسك بالآذان السني، والغريب أن الدولة سلكت السبيل ذاته على طريقة المحاصصة "العتيدة"، فهناك توقيت وآداء للآذان على الطريقة الشيعية والآخر على الطريقة السنية).

والخالصي معروف باتجاهه الوطني وإن كان قد اصطدم مع اليسار في أواخر الخمسينات بسبب المد الشيوعي آنذاك، وكان من دعاة مكافحة الشيوعية، أما الشخصية الثالثة المثيرة للجدل فهي السيد مقتدى الصدر. ويلاحظ أن الخط الآخر كله خط عربي: السيد أحمد الحسني البغدادي، الشيخ جواد الخالصي، السيد مقتدى الصدر: كلهم من اصول عربية ومواقفهم عروبية، وكلهم ضد الاحتلال. ومقتدى الصدر هو ابن السيد محمد صادق الصدر، وقد إغتال الحكم السابق والده عام 1999 وهو أيضا من أقارب السيد محمد باقر الصدر المفكر الإسلامي البارز ومؤلف كتابي "فلسفتنا" و"اقتصادنا" اللذان يعتبران جهداً تجديدياً في الفكر الشيعي بشكل خاص والإسلامي بشكل عام. وقد اختفى قسرياً محمد باقر الصدر عام 1980 وكذلك أخته بنت الهدى ونسب الى الحكم السابق اغتيالهما. هذه الصورة الاولية او التمهيدية إن جاز التعبير لمعرفة مفردات الحوزة العلمية. (للمزيد من المعلومات عن الفكر السياسي الشيعي يمكن الاطلاع على كتاب: فؤاد ابراهيم، دار الكنوز الادبية، بيروت، 1998).

لقد انحسرت (الحركة الدينية الشيعية) منذ مطلع العشرينات، أي انتكاسة ثورة العشرين وخصوصاً بربط العراق بمعاهدات واتفاقيات دولية مع بريطانيا وبوجود قواعد عسكرية، فحتى عام 1958 نستطيع القول أنه لم يكن هناك نشاط بارز للإسلام السياسي الشيعي بإستثناء مواقف محددة كموقف الشيخ كاشف الغطاء من قضية فلسطين حيث دعا الى الصلاة في القدس والحج اليها بدلاً من مكة استثناءًا لإحباط مشاريع الصهاينة.

لم يكن هناك من نشاط في الحركة الإسلامية الشيعية، ولم يكن لديها مشروع سياسي شيعي أو غير شيعي، وكانت جزء من المسلكية الدينية، مكانها الرئيسي الجوامع والمساجد ودور العبادة تفتي بأشياء حياتية يومية وروتينية عندما ُتسأل فيما يسمى "بفقه العبادات والمعاملات"، ولكن دورها بدأ بعد العام 1958 وبحدوث ثورة 14 تموز 1958، خصوصا منذ أن تولى السيد محسن الحكيم دور المرجع الاعلى بعد وفاة البروجوردي الذي سبقه، ودام هذا الدور أكثر من 10 سنوات، أي من العام 1960 ولغاية العام 1970 وشهد احتكاكاً شديداً بالسياسة وبعلاقة المرجعية بالدولة.

من المفارقة القول ان اليسار كان يستوحذ على الشارع الشيعي في الأربعينات والخمسينات، وحتى ما يسمى بالمواكب الحسينية التظاهرات المليونية كما يطلقون عليها اليوم، كان يقوم بتسييرها وتذهب الناس بمناسبة عاشوراء للإعلان عن رأيها وتعبّر عن وجهات نظرها بالجريمة النكراء باغتيال الحسين وفي الوقت نفسه لتعبر عن مظالمها وحرمانها.

أتذكر مثلا في العام 1954 كان حلف بغداد على الأبواب وكان المرحوم محمد فاضل الجمالي وزيراً للخارجية مكلفاً بمتابعة قضايا حلف بغداد وكان الشعار الذي نزل إلى الشارع وعبر المواكب الحسينية الشيعية هو التنديد بحلف بغداد ومشروع الجمالي كما سميّ. وكذلك في العام 1956 اثناء العدوان الثلاثي الانكلو- فرنسي- الاسرائيلي على مصر هاج الشارع الشيعي والمواكب الحسينية لادانة العدوان، وعام 1957 كان التنديد شديداً ضد فرنسا بسبب احتلالها للجزائر وتضامناً مع الثورة الجزائرية.

الشارع الشيعي آنذاك لم يكن بيد الحركة الإسلامية لأنها لم تكن موجودة ككيان سياسي، بل كان بيد اليسار، وربما كان سبب استقالة اليسار الماركسي أو القومي عن دوره ونكوص التجارب الاشتراكية تحديداً والقومية أيضاً سبباً في عزوفه عنهما، وأدى ذلك لاحقاً إلى أن يكون الإسلام السياسي والحركة الإسلامية الشيعية تحديداً في مركز الصدارة فيما بعد، خصوصا في ظل تطورات دولية وإقليمية كثيرة.

ثانياً- المجموعة الثانية: هي "سدنة الروضة الحيدرية" أو سدنة الروضات الحسينية والعباسية والكاظمية والعسكرية وغيرها، وهناك فرامين سلطانية عثمانية لعدد من العوائل تمنحهم "حق" أو تؤكد "حقهم" لكي يكونوا من سدنة الروضة الحيدرية أو الروضات الاخرى تاريخياً. مثلا حضرة الإمام علي هناك 10 عوائل عربية فقط من حقها الخدمة في سدانة حضرة الإمام علي لاعتبارات تاريخية ولمكانة اجتماعية، خصوصاً وهي تقوم بدور روحاني فيما يتعلق بالمقامات المقدسة والمزارات وغيرها. وفي عام 1973 تدخلت السلطات الحاكمة بالسعي لاخضاع الروضات الحيدرية والحسينية والعباسية والعسكرية والكاظمية وغيرها إلى دائرة الأوقاف، لكي تجعلها تحت نفوذها وهيمنتها السياسية، وكان الهدف هو كسب رجال الدين الى جانب الحزب الحاكم من خلال تقديم بعض الامتيازات الى سدنة الروضة الحيدرية والروضات الاخرى وغيرها في محاولة لتسييس هذا الإطار الديني لخدمة مصالح السلطة السياسية، ولكي يكون بعضهم عيناً على المعارضة السياسية الدينية.

ثالثاً- المرتبة الثالثة هي ما يمكن أن نطلق عليه "قارئوا المنابر" ومنظموا المواكب والشعراء وكاتبوا القصائد والخطباء، وهذه هي الدرجة الدنيا من المؤسسة الإسلامية الشيعية، وهؤلاء لهم دور كبير في التأثير على الشارع وكان بعض اليساريين وخصوصاً من الذين ينتمون الى عوائل دينية ينشطون في هذا الوسط، بل ان هناك تنظيماً حزبياً شيوعياً لبعض هذه المجموعات.

يمكنني أن أقول أن الحوزة العلمية تشكل المجموعة الأولى وهم الإيديولوجيون "Idéologist"، أي المنظرون آيات الله العظمى. أما المجموعة الثانية فهم السدنة للمقامات ولهم صلة بالزوار والمزارات وعلاقة بالجمهور أيضا. وتتشكل المجموعة الثالثة من الفئة التحريضية - الشعبية والاعلامية والتعبوية.

تعليقات
  • تعليق #1 (ارسل بواسطة االنجفي)

    سردغيرموفق من ناحية التاريخ ويحتوي
    الكثير من المغالطات وليس فيه احاطة تامة
     
ارسل تعليق


خيارات المقال