
في الحديث الماضي كان موضوع المناقشة هو القرار رقم 1559 الذي أصدره مجلس الأمن الدولي بضغط أمريكي وفرنسي والذي دعا إلى احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه واستقلاله، وطالب بانتخابات لبنانية نزيهة، في إشارات واضحة إلى الوجود السوري وقرار التمديد لرئاسة العماد إميل لحود. وقد قدمت قراءة وصفية وتحليلية سريعة لأهم محطات التاريخ السياسي اللبناني الحديث،
في الحديث الماضي كان موضوع المناقشة هو القرار رقم 1559 الذي أصدره مجلس الأمن الدولي بضغط أمريكي وفرنسي والذي دعا إلى احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه واستقلاله، وطالب بانتخابات لبنانية نزيهة، في إشارات واضحة إلى الوجود السوري وقرار التمديد لرئاسة العماد إميل لحود. وقد قدمت قراءة وصفية وتحليلية سريعة لأهم محطات التاريخ السياسي اللبناني الحديث، بعد استقلاله، إثر نهاية الحرب العالمية الثانية المتعلقة بموضوع حديثنا هذا. وأشرنا إلى أن التوليفة السياسية اللبنانية قد أدت إلى مشكلات كارثية كبيرة ليس على لبنان وحده بل على دول الجوار، ومن ضمن تلك الكوارث نشوب حربين أهليتين في نهاية الخمسينيات وفي منتصف السبعينيات من القرن المنصرم. وانتهينا إلى أن ثمة أشياء وتحليلات أخرى تنتظر تسليط الضوء عليها كجزء من مواصلة رحلة الكشف.
والواقع أن مفاهيم الاستقلال والسيادة استخدمت من قبل الدوائر الأمريكية المختلفة بشكل انتقائي وفضفاض. فهم حين يكون من مصلحتهم التدخل المباشر في الشؤون الداخلية لبلد ما، يشيرون إلى التحولات الرئيسة في المجتمع والعلاقات الدولية، وإلى الثورات التكنولوجية، وثورة الاتصالات ليدعموا وجهة النظر القائلة إن فكرتي السيادة والاستقلال هما من مخلفات الماضي، وإنه لم يعد يوجد لهما مكان في عصر العولمة. أما حين يكون مثل هذا الطرح في غير مصلحة سياستهم، فإنهم يلجأون ببساطة إلى ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وحق الأمم في تقرير المصير.
وفيما يتعلق بلبنان، توصلنا إلى أن الإدارات الأمريكية تبنت تاريخيا مواقف متعارضة ومتناقضة. فهي مع التدخل وضده في آن واحد. إنها معه إذا كانت هي المعنية به، ومن هذا المنطلق تجيز لنفسها تقرير ما يجب أن يكون في هذا البلد. وتقف غاضبة عندما يصوت مجلس النواب على التمديد. إنها لا تعدُّ نفسها قوة أجنبية غريبة على لبنان قدمت من آلاف الأميال إلى هذا البلد، ونزلت بقواتها على سواحله في أكثر من مرة، بل قامت بقصف وقتل المدنيين من أبنائه، وأُجبرت أساطيلها على الرحيل أمام ضراوة شعب رفض أن يستسلم لسياساتها. ولعل القارئ ما يزال يذكر رحيل الباخرة نيوجيرسي عن شواطئ لبنان، في مطلع الثمانينيات بعد أن عاثت فتكا وتنكيلا بشعبه. أما سوريا التي تشاطر لبنان وتشاركه كثيراً من القضايا والتي تمثل بعدا استراتيجيا له، تشاركه في اللغة والثقافة والتاريخ والدين، ويحتضن البلدين جغرافيا واحدة وإقليماً واحداً هو الهلال الخصيب وبلاد الشام، فإن وجودها بالمفهوم الأمريكي هو غريب وأجنبي، يجب أن يرحل على الرغم من أنف كل العالم، بما في ذلك اللبنانيون أنفسهم، إلا إذا كان هذا الوجود يخدم استراتيجية أمريكا والصهيونية في المنطقة.
لسنا هنا بصدد تعبيرات إنشائية مطاطة. ومادام الأمر كذلك فلا مندوحة من العودة لسياق الأحداث لتلهمنا مزيداً من الوعي والرؤية. فالوجود السوري في لبنان كما يعلم الجميع قارب على الثلاثين عاما، وخلال الثلاثة عقود سالت مياه كثيرة وتغيرت التحالفات والمواقف، وانتقل الأمريكيون أنفسهم بمواقفهم مرات ومرات من تأييد الوجود السوري في لبنان إلى رفضه. والصحيح أنهم في أحيان كثيرة أعطوا ضوءا أخضر لاستمرار هذا الوجود. وقد حدث تمديد رئاسي من قبل للرئيس اللبناني، الياس الهراوي ولم يتباك الأمريكيون آنذاك، أو يعدُّوه خرقا للديمقراطية، فلماذا يحدث ذلك الآن؟ أم إن وراء الأكمة ما وراءها.
ولعل سياق الحديث يقتضي منا التذكير بأن الجيش السوري، في واحدة من الظواهر الاستثنائية في الوطن العربي، منذ الحرب العالمية الثانية، قام بطرد الجنرال عون من رئاسة الجمهورية، أثناء التحضير لحرب الخليج الثانية، مباشرة بعد زيارة قصيرة قام بها الرئيس الراحل، حافظ الأسد إلى جنيف والتقى فيها الرئيس الأمريكي آنذاك، جورج بوش الأب. وشحن الرئيس اللبناني المعين إلى باريس، حيث بقي لاجئا هناك حتى يومنا هذا. ولم تعترض الإدارة الأمريكية أبدا على ذلك.
صحيح أن العماد عون لم يكن رئيسا منتخبا، وأنه حل في الرئاسة إثر فراغ دستوري نتج عن انتهاء فترة الرئيس أمين الجميل ومغادرته قصر بعبدا في ظروف بالغة التعقيد. لكن أحدا في حينه، باستثناء سوريا لم يعترض على ذلك. وقد أوحى التدخل العسكري السوري، عام 1990م، الذي انتهى بالاستيلاء على بعبدا وطرد العماد العون منه، واستقبال فرنسا، الحليف التاريخي للمارونيين دون احتجاج أو اعتراض جدي على ذلك، لكثير من المحللين والمراقبين السياسيين بأن هناك ثمة صفقة ما بين الأمريكيين والسوريين، وأن تلك الصفقة شملت مقايضة يتم فيها إرسال قوات سورية للمشاركة في حرب الخليج الثانية، مقابل غض الإدارة الأمريكية الطرف عن سيطرة سوريا على عموم لبنان، على أن لا تجري الحكومة السورية أي تغيير في البنية الاجتماعية والسياسية والتوليفة القائمة في هذه البلاد. وكان ذلك هو ما حصل بالفعل.
ما هي إذن أسباب التحول الأخير في السياسة الأمريكية؟
لعلي أذكر هنا، في معرض الإجابة عن هذا السؤال، بجملة من القضايا التي أصبحت معروفة للجميع. أولى هذه القضايا هو قيام الطائرات الصهيونية قبل حوالي عام من هذا التاريخ بقصف منطقة عين الصاحب السورية القريبة من الحدود اللبنانية، تحت ذريعة ضرب قواعد تخص حركة الجهاد الإسلامي، ردا على العملية الاستشهادية التي نفذتها هنادي تيسير جرادات. وقد تقدمت سوريا بشكوى إلى مجلس الأمن، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية واقفة كعادتها بالمرصاد، ملوحة باستخدام الفيتو تجاه أي قرار يمكن أن يدين إسرائيل.
ليس ذلك فقط، بل إن الكونجرس الأمريكي أصدر بعد أسبوعين من هذه الحادثة قرارا عرف بقانون محاسبة سوريا، وعُدَّ في حينه تشجيعا للكيان الصهيوني على مواصلة عدوانه على الأمة العربية. وقد قضى القانون بمعاقبة سوريا باتخاذ مجموعة من الإجراءات في مقدمتها الحرمان من استيراد السلع وفرض نوع من الحصار الاقتصادي عليها. وأشير إلى أن هناك أسباباً ثلاثة أدت إلى صدور هذا القانون. الأول دعم القيادة السورية للمقاومة الفلسطينية، وأن سوريا بذلك تدعم الإرهاب، وأن معاقبتها، والحال هذه، تأتي في نطاق الحرب العالمية الأمريكية على الإرهاب. والثاني، دعم سوريا للمقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي لمزارع شبعا. والثالث، التدخل في الشؤون العراقية، والسماح للمقاومين العرب بالتوجه إلى العراق عبر الحدود السورية لمقاتلة الأمريكيين. وبعد هذه القائمة الرئيسة وردت قائمة ثانوية، من ضمنها مسألة حقوق الإنسان، وامتلاك أسلحة دمار شامل، وتخزين أسلحة وأموال قدرت بمليارات الدولارات للقيادة العراقية السابقة، ووجود الجيش السوري في لبنان والتدخل في شؤونه الداخلية، ورفض الدخول في مفاوضات سلمية مباشرة مع الكيان الصهيوني.
هكذا تركزت معظم القضايا التي شملها قانون المحاسبة على محورين علاقة سوريا بلبنان وموقفها من الصراع مع الصهاينة، أما المحور الثالث المتعلق بالعراق، فهو ضعيف جدا، ويبدو أن دمجه في القانون جاء تعسفيا وبهدف إضفاء مشروعية على القانون، حيث لم يثبت تعاون القيادة السورية لا مع القيادة العراقية التي كانت قائمة في العراق حتى عشية سقوط بغداد، ولا مع المقاومة العراقية.
وتشير التطورات على الساحة الفلسطينية الحالية، ومشروع الانسحاب الإسرائيلي "الأحادي الجانب" من قطاع غزة، وتراجع بعض القيادات الفلسطينية والأنظمة العربية عن حق العودة، والمضي قدما نحو مشروعات التوطين، وما عرف عن الرئيس اللبناني، العميد إميل لحود من رفضه لفكرة توطين الفلسطينيين في لبنان، ورفض القيادة السورية من جانبها فكرة التوطين، إلى أن الهدف الحقيقي من قرار مجلس الأمن هو الضغط على القيادتين السورية واللبنانية، للانخراط فيما يدعى بخارطة الطريق، والتخلي عن حق العودة والتسليم بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في المناطق التي يوجدون فيها. وليس سرا القول بوجود نسبة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين في البلدين، بمخيمات اليرموك وتل الزعتر وجسر الباشا وصبرا وشاتيلا ونهر البارد والبداوي، وعدد آخر من الفلسطينيين الذين يعيشون في البلدين خارج تلك المخيمات. وعلى هذا الأساس فإن قبولهما بالتوطين يُعدُّ أساسيا، بل عمودا فقريا لنجاح هذا المشروع. وما دامت المقاومة الفلسطينية واللبنانية تشكلان عثرات أخرى في تطبيق هذا المشروع فليبق السيف مسلطا على الجميع من قوى الممانعة والرفض.
ليست إذن قضية الديمقراطية والحرية هما المحرض على قرار مجلس الأمن، والولايات المتحدة والدول الغربية، تدرك أكثر من غيرها أن قضية الديمقراطية لا تعني أبدا الدفاع عن الإقطاعيات السياسية والتوليفة القائمة في لبنان. إنها إذن مطالب صهيونية، يخشى أن تتطور إلى محاولة أمريكية وإسرائيلية للعبث في الحياة الداخلية في سوريا ولبنان... وربما يجري العمل على تفجير حرب أهلية أخرى في لبنان، وربما في حال تمكن الرئيس بوش من الفوز بدورة رئاسية ثانية، وهو ما يبدو، على الأقل حتى الآن أن ملامحه تلوح في الأفق، يتم التعامل مع المستنقع العراقي الذي وجدت القوات الأمريكية نفسها غارقة فيه بالهروب إلى الأمام، كما حدث في الهند الصينية. إننا نأمل ألا يعيد التاريخ نفسه. وأن يتنبه القادة والشعوب العربية إلى ما يحيق بالجميع من مخاطر... فهل ثمة وقت متبق لسماع النداء، قبل أن يحين موعد العاصفة؟.