مقدمة:
شهدت مصر أعنف انتخابات في تاريخها من حيث عدد الضحايا والمصابين وأعمال البلطجة والرشوة التي سادت مرحلتيها الثانية والثالثة. تمت الانتخابات في ظل جو من التفاؤل المشوب بالحذر بعد الانتخابات الرئاسية التي تعد الأول من نوعها في تاريخ مصر حيث تنافس عدة مرشحين إمام الرئيس مبارك. ولكن النهاية كانت معروفة قبل إجراء الانتخابات ولكنها كانت تجربة مثيرة وجديدة تستحق الدراسة وإدخال تعديلات عليها حتى تكون أكثر فعالية. أما الانتخابات البرلمانية فقد أسفرت عن انخفاض نسبة الأصوات التي حصل عليها الحزب الحاكم بالمقارنة بانتخابات عام 2000 وزيادة عدد الأصوات التي حصلت عليها جماعة الإخوان المسلمين المحظورة قانونا ومع ذلك لم تؤثر على نسبة الثلثين التي ضمنها الحزب الوطني الديمقراطي من خلال انضمام المستقلين المنشقين عن الحزب في الانتخابات. تميزت المرحلة الأولى بنزاهة نسبية ولكن الخوف من حصول مرشحي الإخوان على مزيد من الأصوات ساهم في تدخل الأمن والحكومة وإعمال البلطجة لإنجاح مرشحي الحزب الوطني. يضاف إلى ذلك تحيز بعض وسائل الإعلام المملوكة من الدولة لمرشحي الوطني وإعطاء إشارات سلبية بالنسبة لمرشحي الإخوان.
إن جو التفاؤل الذي ساد قبل الانتخابات تبخر خلال المرحلتين الثانية والثالثة منها وانتهي إلى حد كبير بعد تمكن الوطني من تأمين نسبة الثلثين اللازمة لتمرير القوانين المختلفة في مجلس الشعب. كما أن نسبة المشاركة وصلت إلى 27.5% ممن لهم حق التصويت وهي نسبة ضعيفة تعكس السلبية وعدم الثقة في العملية الانتخابية رغم الإشراف القضائي الكامل على عملية التصويت وإعلان النتائج.
تناقش الدراسة السياق الذي تمت فيه الانتخابات من خلال الإشارة إلى الانتخابات الرئاسية كخلفية ثم تعرج على القوي المشاركة في الانتخابات والحملات الانتخابية وأساليب الدعاية التي تم استخدامها. يضاف إلى ذلك تحليل نتائج الانتخابات ودور القضاة والإعلام. تحليل الدراسة أيضا عوامل نجاح الإخوان المسلمين والفشل النسبي للحزب الوطني والناصري وانخفاض مقاعد حزب التجمع. تنتهي الدراسة بإبداء بعض الملاحظات الختامية حول مستقبل العملية الانتخابية في مصر ولاسيما في ظل التعديلات الدستورية التي تمت عام 2007 ومستقبل عملية الإصلاح السياسي.
مغزى الانتخابات:
تعد الانتخابات في البلدان الديمقراطية هي الآلية التي يتمكن من خلالها الجماهير بمحاسبة الحكومية من خلال إعطاء الثقة في الحكومة التي نفذت وعودها الانتخابية ولبت حاجات الشعب. أما في الدول شبه الديمقراطية فلا تعدو الانتخابات أن تكون ديكورا يجمل الشكل الديمقراطي لأنظمة سلطوية أو تتمتع بهامش ضئيل للديمقراطية ولا تعمل على تغيير الحكومة القائمة إلى تتغير بإرادة السلطة العليا في البلاد كالرئيس على سبيل المثال. كما أن الانتخابات في تلك البلدان هي امتثالا شكليا للمعايير الدولية فيما يتعلق بحق الشعب في اختيار حكامه ولكنها مفرغة من المضمون. هذا التوصيف ينطبق بصورة كبيرة على مآتم ويتم في مصر من انتخابات على كافة المستويات ولابد من وقف ذلك وتفعيل عملية الانتخابات التي لها دور هام في دفع البلدان نحو التقدم على كافة الأصعدة.
سياق العملية الانتخابية
هناك عوامل داخلية وأخري خارجية جرت في ظلها الانتخابات البرلمانية في مصر. تمثلت العوامل الخارجية في الضغط الذي وضعته الإدارة الأمريكية على مصر لتحقيق الإصلاح السياسي ومراقبة دول الاتحاد الأوروبي مسيرة التطور الديمقراطي في البلاد. تمثلت العوامل الداخلية في تعديل المادة 76 من الدستور والانتخابات الرئاسية التي تمت في سبتمبر 2005 بالإضافة إلى ظهور عدد من الحركات الاحتجاجية التي حركت الشارع المصري بصورة ما مثل حركة كفاية وحركة 8 مارس لاستقلال الجامعات والحركة الشعبية من اجل التغيير وصحفيون من اجل التغيير ومحامون من أجل التغيير. جرت الانتخابات بعد انتخابات الرئاسة وفي ظل إشراف لجنة عليا للانتخابات برئاسة وزير العدل وليس وزير الداخلية كما كان الأمر سابقا. ولكن كانت الإدارة الانتخابية من نصيب وزارة الداخلية وجرت الانتخابات في ظل قانون الطوارئ ولم تخل من الانتهاكات العديدة سواء من قبل قوات الأمن أو من الإعلام المملوك للدولة أو العنف المتبادل بين مناصري المرشحين وبصورة اكبر من مناصري الحزب الحاكم بل وصل الأمر إلى إهانة بعض القضاة. تمت الانتخابات في ظل قانون جديد لمجلس الشعب (قانون 175 لسنة 2005 المعدل لقانون مجلس الشعب رقم 38 لعام 1972) وفي إطار تعديل واضح لقانون مباشرة الحقوق السياسية (قانون 173 لعام 2005 المعدل لقانون رقم 73 لعام 1956) وقانون الأحزاب السياسية (قانون 177 لعام 2005 المعدل للقانون 40 لعام 1977)
ووفقا لتلك التعديلات يمكن الحصول على صورة رسمية من جدول الناخبين في الدائرة الانتخابية مقابل 100 جنيها للتحقق من صحة تلك الجداول ولكن في الممارسة كانت هناك صعوبات في الحصول على تلك الجداول وبصورة متأخرة لم تسمح بتنقية تلك الكشوف الانتخابية. وشملت التعديلات قواعد الدعاية الانتخابية مثل عدم التعرض لحرمة الحياة الخاصة وعدم استخدام الشعارات الدينية والالتزام بالحد الأقصى للدعاية كما حددته اللجنة العليا للانتخابات. ولكن لم تراع تلك القواعد وغيرها من قبل القوي المختلفة وعلى رأسها الحزب الوطني. ولم يمس تعديل قانون الأحزاب السياسية شرط الترخيص وليس الإخطار لإنشاء الحزب السياسي. كما أشار إلى اختصاص لجنة الأحزاب بتقييم مدى مراعاة الأحزاب للديمقراطية الداخلية وهو مدعاة لتجميد أي حزب من خلال ذلك التعديل الفضفاض. وقد تم استحداث اللجنة العليا للانتخابات على غرار ما تم في الانتخابات الرئاسية وتضم 11 عضوا (وزير العدل رئيسا) وثلاثة قضاة حاليين بدرجة نائب رئيس محكمة النقض أو ما يعادلها يختارهم المجلس الأعلى للقضاء وستة شخصيات عامة (4 يختارهم مجلس الشعب و2 مجلس الشورى) وأخيرا ممثلا لوزير لداخلية. ونتيجة وضع وزير العدل على رأسها فهناك شوائب تعتري حيادها. وللجنة سبعة وظائف منها وضع القواعد العامة لتسيير الدعاية الانتخابية وإعلان النتيجة العامة للانتخابات. وبالتالي فليست لها دور كبير مثل نظيرتها الرئاسية واهم ما تتميز به هو تنظيم عملية الدعاية الانتخابية. وبالتالي لازلت اليد الطولي لوزارة الداخلية في عملية الانتخابات. بالإضافة إلى ذلك فقد تم استخدام الحبر الفسفوري غير القابل للإزالة لضمان الشفافية ووضع بطاقات التصويت في صناديق زجاجية وتوقيع الناخب أمام اسمه عوضا عن قيام رئيس اللجنة بوضع إشارة أمام اسم الناخب. ولكن استمرت ظاهرة القيد الجماعي واستبعاد المصريين في الخارج من الانتخابات.
الدعاية الانتخابية:
تنوعت وسائل الدعاية الانتخابية التي استخدمها المرشحون لجذب الناخبين للتصويت لصالحهم. من تلك الوسائل استخدام الفتاوى الدينية واللعب على وتر الدين المتأصل في الثقافة السياسية للمصريين مثل الفتوى الصادرة من جماعة الإخوان المسلمين التي تحلل استخدام أموال الزكاة لتمويل الحملة الانتخابية. والمثير للدهشة في هذا السياق محاولة المرشح القبطي في دائرة المطرية بالقاهرة مرقص اسحق نخلة الحصول على فتوى من دار الإفتاء تنادي بشرعية ترشيح غير مسلم واخذ مشورة منه بالنسبة للمسلمين وذلك لمواجهة المرشح المسلم الذي استغل الدين لصالحه. وكشفت تلك الحادثة عن مدى عمق أزمة المواطنة في المجتمع المصري. بالإضافة إلى ذلك لجوء بعض المرشحين للمطربين في إحياء حفلات في الحملات الانتخابية. على سبيل المثال قام المرشح يوسف بطرس غالي بالاستعانة بالمطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم الذي غني أغنية بعنوان "بنحبك يا بطرس". وقد قام بعض المرشحين بتوزيع شرائط كاسيت تتضمن خطب دينية وتشمل على أغنية تحمل أفكار ومبادئ جماعة الإخوان المسلمين بعنوان "على فين رايحين". وضع بعض المرشحين صورهم الشخصية ورموزهم الانتخابية على فوانيس رمضان وتنظيم موائد الإفطار ووضع شاشات كبيرة لبث مباريات كرة القدم المهمة. ونظم بعض المرشحين مسابقات لحفظ القران الكريم. ومن الملاحظ أن مرشحي المرحلة الأولى استفادوا من طول الفترة الزمنية للدعاية فور بدء التسجيل حتى يوم الانتخاب وهو ما لم يتوفر لمرشحي المرحلتين الثانية والثالثة.
الإعلام:
حدثت تغطية إعلامية واسعة لتلك الانتخابات من القنوات الرسمية والخاصة. فقد تم إطلاق قناة البرلمان من قبل اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري التي أجرت حوارات مع المرشحين والناخبين وتابعت نتائج الانتخابات وكانت هناك عدة برامج خاصة مثل برنامج برلمان 2005 واستضاف رؤساء الأحزاب وممثليهم لعرض البرامج وأذيع على القناة الأولى والفضائية المصرية وقناة النيل للأخبار والقنوات المحلية وقناة البرلمان، وبرنامج حوار الأحزاب وكان يذاع على القناة الأولى يوميا. ولكن تم ملاحظة تزايد الانتقاد لمرشحي الإخوان المسلمين إلى درجة نصح الناخبين بعدم التصويت لهم. وقامت الإذاعات المحلية - التي كانت أكثر حيادية من تلك التي تعمل على المستوي القومي- بعمل لقاءات مع العديد من مرشحي الأحزاب السياسية بعنوان لماذا رشحت نفسي وبثت جماعة الإخوان المسلمين"إذاعة سما" على الموقع الالكتروني للجماعة وكانت تبث لمدة 10 ساعات يوميا وتعرف بالمرشحين وتجري لقاءات مع الناخبين. وأنشئت الجماعة 18 موقعا تم توزيعها على الدوائر الانتخابية.
القوى السياسية المشاركة والمستقلون:
بلغ عدد المرشحين المستقلين 5191 مرشحا وكانوا في المرحلة الأولى 1635 وفي الثانية 1786 وفي الثالثة 1770 وذلك في مقابل 3957 في انتخابات 2000 وهناك عدة عوامل ساهمت في تزايد عدد المستقلين أولها ضعف الأحزاب وتضاؤل شعبيتها وحالة الحراك السياسي التي شهدتها البلاد في الآونة الأخيرة والإشراف القضائي الكامل على الانتخابات مما زاد من ثقة الناخبين بنزاهة العملية الانتخابية. وقدم الحزب الوطني 444 مرشحا من بين 2700 عضوا بالحزب تقدموا بطلب للترشيح ورشح المستبعدون أنفسهم كمستقلين كاحتجاج على سياسة الاختيار التي تمت من قبل الحزب ولاسيما أن هناك من المرشحين الذين لا يتمتعون بأية شعبية وقام هؤلاء المحتجين بترشيح أنفسهم كمنافسين لمرشحي الوطني. ولم يرشح الوطني سوى اثنين من الأقباط مما اثأر الأوساط القبطية خاصة بعد تأييد البابا شنودة وقيادات الكنيسة لمبارك في الانتخابات الرئاسية. ورشح الوطني ستة من النساء وهو ما يتعارض مع وعود الرئيس مبارك بأن يخصص 5% من قائمة مرشحي الحزب للنساء بل مثل ذلك تراجعا عن ترشيح 11 امرأة في انتخابات 2000. أما الإخوان المسلمون فقد رشحوا 150 مرشحا بالمقارنة ب70 فقط في انتخابات 2000 ولم ترشح الجماعة أقباطا وحرصت في نفس الوقت على عدم ترشيح احد في الدوائر التي ترشحت بها رموز قبطية مثل مني مكرم عبيد في شبرا. كما رشحت الجماعة امرأة واحدة وهي مكاري الديري في مدينة نصر. أما الجبهة الوطنية للتغيير التي تشكلت من 11 حزبا وحركة سياسية وتضم الوفد والتجمع والناصري والعمل (المجمد) والكرامة (تحت التأسيس) والوسط (تحت التأسيس) والحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) والتجمع الوطني من أجل التحول الديمقراطي فقد رشحت 200 مرشحا وذلك بعد وقوع الخلاف بين أعضائها. ورشح حزب الغد 75 مرشحا وحاول أيمن نور المشاركة في الجبهة الوطنية للتغيير إلا انه فشل في ذلك لرفض حزب الوفد كما لم تنضم جماعة الإخوان المسلمين للجبهة وهو ما كشف عن ضعف تلك المعارضة التي غطت خلافاتها ومصالحها الخاصة على الهدف الأعلى وهو تشكيل معارضة فعالة مؤثرة إزاء الحزب الحاكم.
عملية الانتخابات:
أعلن الرئيس مبارك عن فتح باب الترشيح للانتخابات البرلمانية في 10 أكتوبر 2005 بعد انقضاء مدة مجلس الشعب التي استمرت خمس سنوات (2000-2005) وهو المجلس الوحيد الذي استكمل مدته الدستورية دون أن يصدر قرار بحله لعدم دستوريته في ظل حكم مبارك. وقد جرت الانتخابات في الفترة من 9 نوفمبر حتى 7 ديسمبر من عام 2005 على ثلاثة مراحل وفقا لنظام الانتخاب الفردي. وهناك شروط عديدة للترشيح في الانتخابات فلابد أن يكون مصريا من أب مصري وان يكون اسمه مقيدا في احد جداول الانتخابات وان يكون بالغا من العمر 30 سنة على الأقل وان يكون حاصلا على شهادة الإعدادية ويكتفي بمجرد القراءة والكتابة لمن هم من مواليد قبل أول يناير 1970 وان يكون أدى الخدمة العسكرية أو اعفي من أدائها وفقا للقانون وألا تكون عضويته قد سقطت بقرار من البرلمان. ويتقدم بطلب الترشيح إلى مديرية الأمن بالمحافظة وذلك خلال المدة التي يحددها وزير الداخلية ويجب عرض كشف يتضمن أسماء المرشحين في كل دائرة خلال الأربعة أيام التالية لإغلاق باب الترشيح وهناك سقف مالي في الدعاية الانتخابية من قبل المرشحين تبلغ 70 ألف جنيه مصري في الجولة الأولى و30 ألف جنيه في جولة إلا عادة. وصل عدد المرشحين وفقا لتصريحات رئيس اللجنة العليا للانتخابات 5177 مرشحا منهم 1641 في دوائر المرحلة الأولى و1779 في محافظات المرحلة الثانية و1770 في المرحلة الثالثة وبالتالي وصل معدل التنافس على المقعد الواحد إلى نحو 11.65 مرشحا بالمقارنة ب8.91 مرشحا في انتخابات 2000. وبلغ عدد المستقلين وفقا لبيانات المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية نحو 4423 مستقلا.
شاركت نحو ثمانية عشرة من الأحزاب والقوي السياسية المختلفة وهي الحزب الوطني وجماعة الإخوان المسلمين وأحزاب التجمع والوفد والناصري والأحرار والغد وشرفاء الغد والأمة والخضر المصري والجيل الديمقراطي والعمل (المجمد) ومصر العربي ومصر 2000 والوفاق القوي والحملة الشعبية من اجل التغيير (الحرية الآن) والكرامة تحت التأسيس والمستقلون.
ترشحت 98 امرأة بالمقارنة ب121 مرشحة في انتخابات 2000 خاضت منهن الانتخابات 114 وقد رشحت قوي المعارضة 13 امرأة على قوائمها وكان أكثرها التجمع الذي رشحه خمسة أما الحزب الوطني فقد رشح 6 سيدات فقط. وقد رشحت الجبهة الوطنية للتغيير 13 قبطيا ورشح الوطني قبطيين فقط. وصلت نسبة المشاركة في الانتخابات 27.5% من إجمالي من لهم حق التصويت.
كانت الاتهامات المتبادلة بين الحزب الوطني من جانب والمعارضة من جانب أخر هي السمة الأساسية في العلاقة بين الطرفين. وقد هون الحزب الوطني من حجم قوة الإخوان المسلمين. ولكن كما ذكر عمر حمزاوي فان تشتت المعارضة وعدم توحيدها جسد مسرح سياسي يتميز بالثنائية بين الإخوان والوطني مما عكس فشل الأحزاب السياسية في الوصول للشارع والتواصل مع الجماهير. وتلك الثنائية يراها الخبراء والمحللون مثل عماد شاهين بأنها غير صحية.
انتهاكات:
رصدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان إنفاق بعض المرشحين مبالغ تزيد عن ال100 ألف جنيه سقف الدعاية كما حددته اللجنة العليا للانتخابات، فقد تجاوز بعضهم المليون ووصل البعض إلى 3-5 مليون ولم يتم عقابهم.لا يتم نقل الصناديق من اللجان الفرعية إلى اللجان العامة تحت إشراف القضاء وثارت الشكوك لذلك حول استبدال بعض الصناديق ولاسيما في المرحلتين الثانية والثالثة للانتخابات. قام عدد من القضاة بمنع مراقبي المنظمة المصرية لحقوق الإنسان من دخول لجان فرز الأصوات في عدد من الدوائر مثل المنيل والساحل ومصر القديمة وعابدين والصف. وأشار التقرير الأول للمنظمة أن المنظمات المراقبة أوضحت بعض الجوانب الايجابية مثل حياد الأجهزة الأمنية والسماح للمراقبين بأداء عملهم. وفي الوقت ذاته أشار إلى عدم تنقية الجداول الانتخابية والتصويت الجماعي وشراء الأصوات ونقل الناخبين للتصويت لمرشحي الوطني وبعض أعمال العنف. تميزت المرحلة الثانية بتصاعد أعمال العنف والبلطجة التي تزايد بشكل ملحوظ في محافظات الإسكندرية وبورسعيد والبحيرة. ولم تختلف تلك الملاحظات التي أوردتها المنظمة المصرية عن ما لاحظته مؤسسة أولاد الأرض لحقوق الإنسان. وقد أورد تقرير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة أن هناك ضغوط تعرض لها القضاة المشرفون على الانتخابات في جولة الإعادة للمرحلة الثانية وقد منع الأمن بعض الناخبين من الإدلاء بأصواتهم. أسهبت المنظمة العربية لحقوق الإنسان عن الانتهاكات العديدة التي تمت في المرحلة الثالثة للانتخابات.
وقد ذكر عمرو الشوبكي أن 95% من الانتهاكات التي تمت خلال الانتخابات كانت من قبل الحزب الوطني الحاكم. كما أن مشكلة تنقية الجداول الانتخابية كانت محل انتقادات عديدة وشكلت انتهاكا لحقوق المواطنين في التصويت فمثلا رصدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان تكرار أسماء ناخبين في دائرة فاقوس بمحافظة الشرقية وبقاء الناخبين المتوفين في الكشوف وفي الدائرة الثامنة بمركز شربين بمحافظة الدقهلية تكررت بعض الأسماء في الكشوف ولم يجد عدد من الناخبين أسماءهم. وقد أكدت غادة الشهبندر المتحدث الرسمي لحركة شايفنكم التي شاركت في الرقابة على الانتخابات أن المراقبين اكتشفوا تكرارا في الأسماء بنسبة 30% ومع وجود الكثير من الأسماء الثنائية وهو أمر غير قانوني ووجود أسماء مسجلة على عناوين لم يستدل عليها ففي احدي اللجان بمدينة نصر تم اكتشاف عنوان واحد لمائتي ناخب وتبين أنها قطعة ارض لم يتم البناء عليها وأشار مرشح الإخوان المسلمين بالجيزة عزب مصطفي بأن عمليات قيد جماعي تمت في دائرته. وأشار البعض إلى إدخال أسماء على الجداول الانتخابية بطرق غير قانونية كإضافة أسماء بخط اليد في اللحظات الأخيرة والقيد الجماعي للناخبين. وتعدد الكشوف الانتخابية في نفس الدائرة الانتخابية ليصل إلى 3 كشوف فهناك كشف معلق أمام المقر الانتخابي وأخر أمام القاضي داخل مقر التصويت وكشف ثالث أمام القاضي في الدور الثاني مخالف للكشفين السابقين. وقد انتقد المجلس القومي لحقوق الإنسان عدم دقة الجداول الانتخابية وهناك اقتراح بربط الجداول بالرقم القومي.
تم إغلاق بعض اللجان من قبل الشرطة. على سبيل المثال ذكرت المنظمة المصرية انه تم إغلاق 499 لجنة خلال المرحلتين الثانية والثالثة للانتخابات ووصلت نسبة المشاركة إلى 18% في المرحلة الثالثة لصعوبة التصويت.
قام مشرحو الوطني باستغلال المؤسسات الحكومية لعمل دعاية انتخابية لهم وإجبار الموظفين للتصويت الجماعي لصالح مرشحي الحزب واستخدام أتوبيسات الشركات لنقل الناخبين إلى مقار الاقتراع. كما أن جهات الإدارة المحلية انحازت لصالح مرشح الوطني.
كان هناك انتهاك من وسائل الإعلام الرسمية لصالح مرشحي الوطني فقد انحاز مضمون البرامج في قناة البرلمان للتركيز على حكم الرئيس مبارك وعرض تقارير تؤيد مرشحي الوطني فقط وانحياز عدد من البرامج على القناة الأولى المصرية لصالح الوطني وتوجيه دعاية مضادة للإخوان المسلمين لدرجة توجيه المستمعين لعدم التصويت لمرشحي الإخوان
انفراد مرشحي الوطني بالترتيب الأول والثاني فيما يتعلق بوضع المرشحين في القائمة الانتخابية التي تقدم للناخب وهو تحيز واضح.
فيما يتعلق بالعنف فهناك العديد من المظاهر له وقد رصدها بشكل جيد حسن أبو طالب. فقد تفجرت عمليات العنف في 15 محافظة من إجمالي 26 محافظة خلال فترة الحملة الانتخابية من 16 أكتوبر 2005 إلى 8 نوفمبر 2005. وكان الغالب على عمليات العنف أن كانت بين المرشحين وأنصارهم دون تدخل أجهزة الأمن. شهدت تلك المرحلة حالتي قتل وجرت محاولات قتل بعض المرشحين مثل شفيق شاهين وبلغ إجمالي عمليات العنف إلى 67 حالة منها أربع حالات تهديد بالقتل بنسبة 5% وحالتا قتل بنسبة 3%. ولم يحدث قتل خلال المرحلة الأولى للانتخابات وجري العنف في 55 دائرة بنسبة 67% من دوائر المرحلة البالغة 82. وتم استخدام عناصر خارجة على القانون والبلطجة في الصراع بين المرشحين. فهناك 90 حالة بلطجة ووصل الأمر إلى حد اختطاف مندوبي وأنصار مرشح حزب الوفد في الباجور وإطلاق سراحهم بعد انتهاء الانتخابات.. وبلغت إحداث العنف في جولة الإعادة للمرحلة الأولى إلى 49% من إجمالي عدد الدوائر البالغ عددها 74 دائرة. ووصلت أعمال البلطجة إلى 69 حالة بنسبة 55% من 138 حالة عنف. وشهدت تلك الجولة تدخلات أمنية لصالح مرشحين بذاتهم حيث قام بعض العمد وضباط الأقسام بإجبار الأهالي للتصويت لمرشحين بعينهم. أسفرت المرحلة الثانية عن مصرع سبعة أفراد لتفاقم استخدام البلطجة والتزم الأمن بالحياد السلبي وكان يجب على الشرطة التدخل لمنع تلك الأعمال الرخيصة. واعتقلت قوات الشرطة عدد من أنصار المرشحين المعارضين أو احتجازهم أو وضع قيود على دورهم أمام مقار الاقتراع. وتم استخدام التشهير وخدش السمعة الشخصية لبعض المرشحين مثل مني شوقي في دائرة الأربعين بالسويس مما أدى إلى انسحابها من الانتخابات. اختبرت دوائر الإسكندرية أعمال بلطجة على نطاق واسع وألقت قوات الشرطة قنابل مسيلة للدموع في دائرة دمنهور ومشاجرات بين أنصار مرشح الوطني مصطفي ألفقي ومرشح الإخوان المسلمين جمال حشمت. وأكدت المستشارة نهي الزيني رئيسة احدي اللجان الفرعية بالدائرة انه تم تزوير الانتخابات لصالح مرشح الوطني الذي لم يحصل إلا على سبعة ألاف صوت في حين حصل مرشح الإخوان على حوالي 25 ألف صوت. تم حرق صناديق الاقتراع أرقام 13-15 في دائرة العرب والضواحي ببورسعيد. وفي جولة الإعادة للمرحلة الثانية حري العنف في 47 دائرة بنسبة 69% من ال68 دائرة وشهدت الجولة قيام قوات الشرطة بحصار بعض اللجان ومنع الناخبين من التصويت وتم اعتقال 665 من جماعة الإخوان المسلمين. وتبرأ القضاة من نتائج الانتخابات في دائرتي كفر الدوار بمحافظة البحيرة بحيث انسحب 44 قاض احتجاجا على منع الناخبين من التصويت وانسحب لنفس السبب 62 قاض في دائرة السنورس بالفيوم. ولقد أكد المجلس القومي لحقوق الإنسان على أن حصار مقار الاقتراع ساهم في حرمان الناخبين من حقهم الانتخابي. وقع العنف في المرحلة الثالثة للانتخابات في 54 دائرة من الدوائر اﻟ68 بنسبة 79.4% وسقط قتيلين واستخدمت قوات الشرطة القنابل المسيلة للدموع ووضع كردون حول بعض اللجان ورفضت قوات الأمن طلب القضاة بفتح اللجان أمام الناخبين وتعد بعض أفراد الشرطة على القضاة واعتدت الشرطة على المواطنين بالضرب بالعصي وإطلاق الرصاص لتفريقهم وتخويفهم وإبعادهم عن مقار الاقتراع وأشارت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أن الشرطة أغلقت 125 لجنة بالمقارنة ب26 في جولة الإعادة للمرحلة الثانية. وفي جولة الإعادة لتلك المرحلة تم العنف في 28 دائرة من أصل 52 دائرة بنسبة 53.8 وشهدت 6 حالات قتل ووفقا للمنظمة المصرية تم إغلاق 355 لجنة. بالإضافة إلى ذلك أشارت المنظمة في تقريرها الخاص بالانتخابات البرلمانية أن 12 شخصا لقوا حتفهم وأصيب 500 آخرين مقارنة بمقتل 8 أشخاص وإصابة 64 آخرين في انتخابات 2000.
وكانت هناك قيود على الصحافة في تغطيتها للانتخابات. على سبيل المثال قام بلطجية بسرقة كاميرة مراسلة جريدة الشرق الأوسط هبة القدسي عندما كانت تغطي الانتخابات في دائرة بولاق أبو العلا. وتم ضرب الإعلامي احمد منصور بعنف من قبل رجلين أمام مكتبه بالقاهرة في الوقت الذي كان يجهز فيه لإجراء مقابلة مع نعمان جمعة. بالإضافة إلى ذلك تم منع منار خاطر من تغطية الانتهاكات التي تمت في دائرة الدقي وواجه مراسلو ألبي بي سي والجزيرة صعوبة في القيام بمهمتهم.
توضح كل تلك الأمثلة إلى المدى الكبير للعنف الذي ميز تلك الانتخابات وهو ما أثر سلبيا على عمليات التصويت إلى الحد الذي حرم البعض من حقهم في التصويت. كما كشفت تلك الانتهاكات المتعددة أن عملية الانتخابات في مصر لم تصل إلى مرحلة النضج بعد والحاجة إلى تحييد دور وزارة الداخلية في تلك العملية.
دور القضاء في العملية الانتخابية:
أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكما عام 1999 يؤكد على الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات في لجانها الرئيسية والفرعية. أن الهدف من الإشراف هو تجنب شبهة التزوير والتأكد من سلامة عملية التصويت والفرز وإعلان النتائج السليمة.ولكن لا يشرف القضاء على المراحل المختلفة للانتخابات فمن الضروري أن يشرف على عملية القيد الانتخابي والجداول الانتخابية حتى يقل عدد الطعون ويقوم بتقسيم الدوائر الانتخابية ولا يترك ذلك للسلطة التنفيذية. بالرغم من وجود اللجنة العليا للانتخابات فلا تزال السلطات الأساسية فيما يتعلق بالقيد يقع في سلطان مديريات الأمن في المحافظات. وذكر البعض مثل إيهاب سلام بان ما يتم هو إشراف إداري قضائي وليس إشرافا قضائيا. أن سلامة الكشوف الانتخابية هو الأساس لعملية الانتخاب وهي لا تزال تحت سيطرة وزارة الداخلية. ولم تتمكن اللجنة العليا من تصحيح الجداول ولا إلغاء القيد الجماعي. لا توجد أسس لتقسيم الدوائر الانتخابية. أن إشراف القضاء على تقسيم الدوائر يضمن أسس عادلة تضمن التساوي في عدد الناخبين بكل دائرة. ولا يشرف القضاء على مرحلة الدعاية الانتخابية مما يؤدي إلى تدخل أجهزة الدولة بالتضييق على ندوات ولقاءات المعارضة وترك مرشحي الوطني للدعاية بحرية أكبر.
انتقد نادي القضاة عجز الشرطة عن مواجهة البلطجية والتواطؤ معهم في بعض الأحيان بل وصل الأمر إلى طلب النادي استدعاء الجيش لحماية القضاة. بل طالب النادي بإلغاء الانتخابات في عدد من الدوائر التي شهدت انتهاكات. نشرت الصحف المصرية في 25 نوفمبر 2005 ان نادي القضاة بالإسكندرية كشف التلاعب بنتائج الانتخابات لصالح الحزب الوطني.