Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
الانتخابات التشريعية الجزائرية انتخابات استقرار... أم ركود؟
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  دراسات  »  الديمقراطية والإنتخابات في الدول العربية 2007  »  الانتخابات التشريعية الجزائرية انتخابات استقرار... أم ركود؟
الانتخابات التشريعية الجزائرية انتخابات استقرار... أم ركود؟
 د. عبد الناصر جابي | نشر  08/8/2007 | الديمقراطية والإنتخابات في الدول العربية 2007
الانتخابات التشريعية الجزائرية انتخابات استقرار... أم ركود؟

مقدمة

من مفارقات الانتخابات التشريعية الجزائرية الثالثة، التي جرت منذ العودة للمسار الانتخابي (ماي/ مايو 2007)، أنها تمت بعد التعديلات القانونية التي أدخلت على قانون الانتخابات(1) باقتراح من المجموعة البرلمانية لحركة الإصلاح الوطني التي دخلت هذه المنافسة الانتخابية وهي مقسمة بين مؤيدي قيادتها التاريخية بقيادة الشيخ عبد الله جباللة، الداعي إلى مقاطعة الانتخابات والتيار المنشق عليه بقيادة أغلبية نواب الحركة وقيادييها. صراعات أثرت على نتائج الحركة الانتخابية كثيرا، فلم تحصل القوائم التي تقدم بها المنشقون، إلا على ثلاث مقاعد، في حين كانت القوة السياسية الثالثة في العهدة الماضية ﺒ 47 نائب. مما يؤكد هشاشة الظاهرة الحزبية، ضمن الخارطة السياسية الجزائرية.

القانون الانتخابي الجديد الذي حسن جزئيا من شروط إجراء الانتخابات بفرضه لبعض القيود على الإدارة احتراما لشفافية أكبر للعملية الانتخابية، من ذلك السماح لأعضاء قوات الجيش، الشرطة والدرك، لحرس البلدي والحماية المدنية.... الخ بالتصويت في أماكن سكناهم وهو ما يعني إلغاء "المكاتب الخاصة" التي اشتكت منها الكثير من الأحزاب وطالبت بإلغائها، كما منح نفس القانون الحق في الاطلاع على القائمة الانتخابية لممثلي الأحزاب المرشحة للانتخابات وممثلي القوائم الحرة والحصول على نسخة منها، كما فرض التعديل القانوني في المادة 40، نشر قائمة أعضاء مكاتب ومراكز التصويت من المؤطرين وتسليم نسخ منها، إلى ممثلي الأحزاب السياسية والقوائم الحرة، خمس أيام قبل من قفل قائمة الترشيحات. في نفس الإطار دائما لم تكتف المشرع بما فرضته المادة 56 من القانون، بتصريح رئيس المكتب بنتيجة الاقتراع وتعليقها بمجرد تحرير محضر الفرز، بل فرضت عليه تسليم نسخة من محضر فرز الأصوات، مصادق على مطابقتها للأصل، من قبل رئيس مكتب التصويت إلى الممثل المؤهل قانونا، لكل مترشح حر أو مترشحين حزبيين، مقابل توقيع باستلام، فور المحضر محضر،قبل مغادرة مكتب التصويت.

هذا الغطاء القانوني الذي جرت فيه الانتخابات، لم يمنع البعض من الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام ومن ورائها المواطن من التشكيك في نزاهة العملية اعتمادا على ترسبات التجربة التاريخية للعملية الانتخابية في الجزائر وخصائص النظام السياسي الجزائري نفسه. رغم أن الأصوات المشككة في نزاهة الانتخابات، قد خفت هذه المرة بالمقارنة مع الاستحقاقات السابقة التي عرفت تشكيك كبير في نتائجها،(2) فما الذي جد من جديد حتى تخف الأصوات الحزبية المتعودة على التشكيك في الانتخابات؟ بمعنى أخر ما هي ميزات الظرف الذي تمت فيه هذه الانتخابات التي قد تكون وراء هذه الموقف؟ أم أن الأمر يتعلق باتجاهات عامة مرتبطة بخصائص النظام السياسي الجزائري وما يكون قد طرأ عليه من تغييرات مع الوقت في اتجاه احترام أكبر لأراء المواطنين وقناعاتهم السياسية بمناسبة الانتخابات؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بنوعية الانتخابات التشريعية بالذات، بالمقارنة مع أنواع الانتخابات الأخرى كالرئاسية وحتى المحلية؟

الإجابة عن هذا الأسئلة تفرض علينا ونحن نتحدث عن تجربة الانتخابات التشريعية في الجزائر، وضع الفروق الواضحة بين الاتجاهات العامة التي تميز النظام السياسي الجزائري، وتحدد سولوكاته في تعامله مع القوى السياسية المختلفة بمناسبة هذه الاستحقاقات الانتخابية التي لجأ إليها منذ الاستقلال، في عهدي الأحادية والتعددية، وبين ما قد يميز لحظة الانتخابات بالذات من أحداث أو متغيرات ظرفية، ذات طابع سياسي أو اقتصادي اجتماعي، يمكن أن يكون لها تأثير هي الأخرى على نتائج الانتخابات ومصداقيتها في أعين الفاعلين السياسيين.

الانتخابات على "الطريقة الجزائرية"

تعود النظام السياسي في الجزائر على تنظيم انتخابات، لأسباب عديدة، نجد على رأسها:

1. محاولة إقناع المواطن بنوع من المشاركة السياسية المؤطرة والمناسباتية.

2. محاولة إضفاء مسحة من الشرعية الداخلية والدولية على المؤسسات السياسية الرسمية.

3. إفراز نخب سياسية، يمكن أن تشارك جزئيا، في عملية تسيير المؤسسات، تستعمل كوسيط بين المؤسسات المركزية والمواطن خاصة عندما يتعلق الأمر بالانتخابات المحلية.

4. محاولة إشراك - الهاء،لبعض أفراد النخبة المركزية الموجودة على هامش المؤسسات أو في مواقع التحفظ كالوزراء القدماء وضباط الجيش المسرحين وبعض الوجوه التقليدية والشخصيات السياسية المبعدة عن مراكز القرار الفعلي، عن طريق الانتخابات البرلمانية على وجه الخصوص، حتى لا يتطور تهميشها إلى نوع من المعارضة وولوج الاستفادة من الريع المالي الناتج عن مواقعها في الهيئات المنتخبة.

نفس الشيء يمكن قوله حول أنواع الاستفتاءات الكثيرة التي نظمت (3) منذ الاستقلال، فقد جرت انتخابات في أول سنة للاستقلال، لتكوين المجلس التأسيسي، كما جرت انتخابات رئاسية غير مباشرة (بن بللة) ورئاسية مباشرة (بومدين والشاذلي)(4) تمت كلها في ظل النظام الأحادي الذي اختارته النخب السياسية والعسكرية المسيطرة، بعد الاستقلال. انتخابات واستفتاءات كانت من تنظيم الإدارة والحزب الواحد حصريا، أعلن عن نسب مشاركة عالية جدا فيها، كما جرت العادة في الكثير من دول العالم الثالث، خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، بالطبع دون أدنى إمكانية للتحقق من صدق الأرقام المعلنة أو مراقبة لسير عمليات الاقتراع والتنظيم، من قبل المواطنين أو الفاعلين السياسيين المستقلين.(5)

عملية الانتخاب التي سيطر على تنظيمها، ثلاثي مكون من حزب جبهة التحرير كغطاء سياسي والإدارة (الولاة) تحت المراقبة الصارمة للأجهزة الأمنية ومخابرات الجيش التي كانت لها اليد الطولى في مراقبة الترشيحات وتأطير العملية الانتخابية ككل واتخاذ القرار بشأنها، رغم دور الواجهة الممنوح للحزب الذي "تخصص" مناضلوه وإطاراته وهياكله المحلية والمركزية في التسيير المباشر للعملية واحتكار الترشيحات لها، في ضل القطاعية التي ميزت النظام السياسي الجزائري ولازالت جزئيا، فقد كان من نتائج الاستعمار الاستيطاني الطويل الذي عرفته الجزائر، ظهور نخبة ضعيفة السمك الاجتماعي، منقسمة على أساس لغوي وقيمي، تخصصت في القيام بمهام مختلفة واحتلال مواقع اجتماعية مختلفة هي الأخرى كذلك، في علاقاتها بالمجتمع وداخل الهياكل والمؤسسات التي احتلتها قبل وبعد الاستقلال.

انقسامية النخبة (6) هذه هي التي كونت الأرضية السوسيولوجية للقطاعية التي ميزت مؤسسات الدولة، بموجب تقسيم المهام الذي عرفت به النخب الجزائرية المختلفة المتمترسة داخل مختلف الهياكل والمؤسسات، تقسيم مهام كان من نتائجه، أن "منحت" المؤسسات الإيديولوجية، كهياكل حزب جبهة التحرير والمنظمات الجماهيرية،(7) بالإضافة إلى وزارات إيديولوجية أخرى كوزارة التربية والعدل والشؤون الدينية إلى النخب المعربة، مقابل "منح" المؤسسات الاقتصادية والإدارية إلى النخب المفرنسة التي أعادت إنتاج سيطرتها داخلها. تقسيم مهام ومؤسسات تم أساسا على النظرة السائدة اجتماعيا إلى اللغات، فمقابل اللغة العربية التي اعتبرت لغة دين وآخرة وتواصل شفهي مع المواطنين ومن ثمة تأطير سياسي وإيديولوجي لهم، تم النظر إلى الفرنسية كلغة دنيا، عمل وملفات، "لغة الخبز" كما يقول الكثير من الجزائريين عنها.

تقسيم المهام هذا، الذي جعل الانتخابات من اختصاص النخب - المعلمون بمختلف فئاتهم على رأسها- المعربة المسيطرة على المؤسسات الأيدلوجية، كحزب جبهة التحرير المكلف رسميا بتأطير المواطنين, انتخابات تحولت مع الوقت إلى وسيلة لإعادة إنتاج هذه الانقسامية والقطاعية التي تميز النظام السياسي الجزائري بما تحتويه من نزاعات وصراعات، كتلك التي تميز العلاقة بين المؤسسات المنتخبة كالبلديات التي يسيطر عليها المنتخب المعرب في مواجهة الإدارة المفرنسة بمختلف مراتبها. هذه الانتخابات التي كان التنافس فيها محصورا داخل نفس النخب التي تملك نفس المواصفات والخصائص والبرامج، مما جعل الاقتراعات بالنسبة للمواطن من دون رهانات سياسية فعلية، المواطنين الجزائري الذي قل اهتمامهم بهذه الانتخابات مع الوقت، باستثناء تلك "المناوشات" ذات الطابع الشخصي والعائلي،(8) وبما يمكن أن تجنده هذه الانتخابات من قوى وروابط تقليدية وعائلية في الغالب، خاصة في المناطق الريفية التي استمرت فيها قوة، مثل هذه الروابط، عكس المدن المتوسطة والكبرى خاصة التي برز عدم اهتمامها بمثل هذه الاستحقاقات مبكرا، ليتحول مع الوقت إلى اتجاه غالب حتى بعد الانتقال إلى التعددية. المدن التي تحول إلى العيش فيها أغلبية المواطنين الجزائريين.

التعددية ولعنة الانتخابات.

لم يكن غريبا، أن تظهر الحركات الاجتماعية المطالبة بالتغيير في المدن الكبرى(9) بالذات التي كانت إحدى وسائل تعبيرها السياسي، مقاطعة الانتخابات الأحادية، ليتحول هذا السلوك بعد الإعلان التعددية إلى الاقتراع، لصالح قوى المعارضة والدينية منها على وجه الخصوص، على حساب القوى الحزبية السياسية الرسمية التي أخرجت من هذه الفضاءات الحضرية التي تحول أغلبية الجزائريين للعيش فيها.بالطبع لم تكتف هذه الحركات الاجتماعية الاحتجاجية التي كانت ورائها القوى الشابة الشعبية، كقاعدة اجتماعية، بهذا الشكل السلمي للمطالبة عن طريق الانتخابات، بالمشاركة فيها أو مقاطعتها، بل لجأت في الغالب إلى أشكال تجنيد ومطالبة أكثر جذرية، خاصة بعد أن تم ركوبها من قبل التيار الديني الجذري ذو التوجه السلفي ابتداء من نهاية الثمانينات من القرن الماضي.

تحولت الانتخابات رسميا، إلى احد مفاتيح الحل، لإنجاز المرحلة الانتقالية التي انطلقت بعد الموافقة على دستور 23 فيفري 1989 الذي أقر التعددية السياسية، الإعلامية والنقابية واعترف بحق الإضراب والمظاهرات في جو اتسم بالكثير من نقاط التصادم بين النخب البارزة، مع الظاهرة التعددية الجديدة والقديم منها، في ضل أزمة متعددة الأوجه، زادها تعقيدا تدهور الوضع الاقتصادي والمالي كحدث ظرفي وبروز الكثير من علامات التشنج وسيطرة الأطروحات الأيدلوجية الاقصائية بين النخب المتصارعة، لما عرف عنها من انقسامية، زادت حدتها وعبرت عن نفسها أكثر، في جو من الانفتاح الإعلامي والسياسي.

علما بأن هذه المكانة الممنوحة للانتخابات، كمفتاح لتسيير وإنجاح المرحلة الانتقالية، لم تكن نتيجة لاتفاق بين الأطراف السياسية الفاعلة الرسمية والشعبية، بل تمت كل العملية على العكس، تحت ضغط الحركات الاجتماعية الاحتجاجية التي لم تكن تملك في الغالب أي تنشئة اجتماعية ديمقراطية أو تعددية، باعتبارها بنت النظام السياسي الأحادي كأجيال، تربت في ضل قيمه الإقصائية وداخل مؤسسات تنشئته الأحادية، بما فيها المنظومة التعليمية التي كانت وراء الكثير من أوجه التغيير في المجتمع الجزائري، نتيجة لما عرفه انتشار التعليم من سرعة وعمق شعبي، بعد الاستقلال. استفحلت الأمور أكثر، عندما تمكنت التيارات الدينية السياسية الجذرية، من ركوب هذه الحركات الاجتماعية الخام ومنحها أهداف قيمية ودينية، لم تكن هي السائدة لديها في الأصل. هذه الحركات التي فشلت كل القوى السياسية والفكرية الأخرى من ركوبها، بما فيها القوى الدينية المعتدلة واليسارية والوطنية.

عكس ما كان يُنتظر من النظام السياسي الجزائري، المتعود على تسيير طبخات انتخابات غير شفافة، فإن الانتخابات المحلية 10 جوان/ يونيو 1990 التي دشن بها المرحلة التعددية، لم يتم التشكيك في نتائجها الكلية، رغم ما شابها من تجاوزات طفيفة، لم تكن دائما من قبل الإدارة المتعودة على التدخل في تحديد نتائج الانتخابات وتسير مراحلها الأخرى، بل من قبل جماهير الحركة الاجتماعية المأطرة من قبل التيار الديني، في جو من تخبط كبير، ميز الأداء الإداري المركزي والمحلي، زاده تعقيدا، اضطراب واضح في الرؤية السياسية لدى النخب الحاكمة ومؤسسات القرار الرئيسية (الحكومة، الرئاسة، المؤسسة الأمنية....الخ) التي حاول أكثر من طرف فيها، استغلال هذه الانتخابات ومن ورائها القوى الاجتماعية الشعبية التي جندتها، لتصفية حساباته، مع النخب المنافسة الأخرى وتحضير مشاريع سيطرته على مؤسسات الدولة، في غياب حد أدنى من الإجماع والتوافق بين هذه النخب الحاكمة، ميز كل المرحلة الانتقالية.

تغيرت الكثير من المعطيات، بعد هذه التجربة الانتخابية التعددية الأولى، نتيجة سيطرة الجبهة الإسلامية للإنقاذ على السلطة المحلية في أغلبية المدن الكبرى والمتوسطة على حساب الأحزاب السياسية، بما فيها جبهة التحرير التي تقوقعت داخل الفضاءات الريفية بالهضاب العليا والجنوب. فقد فتحت نتائج هذه الانتخابات، في حالة التخبط التي تعيشها الكثير من مراكز القرار الرسمية، شهية التيارات السياسية المسيطرة داخل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بما فيها تلك التي لا تؤمن أصلا بالانتخابات كوسيلة للتداول السلمي على السلطة، لتطالب بانتخابات تشريعية وحتى رئاسية مسبقة في هذا الجو السياسي المتشنج المميز بحالة صعود للحركات الاجتماعية الاحتجاجية، الذي كان يقابله حالة تخبط سياسي قصوى، لدى مؤسسات اتخاذ القرار المختلفة.

مرحلة التحضير للانتخابات التشريعية وصدور القوانين المنظمة لها،(10) كانت الشرارة التي استغلتها، بعض قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ للقيام بإضراب وطني عام، كان من المقرر له أن يستمر لمدة ثلاثة أيام، تحول فيما بعد إلى إضراب وطني مفتوح قريب من العصيان المدني،(11) كان من تداعياته إلقاء القبض على قيادة الجبهة نفسها، إعلان حالة الطوارئ، بعد تدخل الجيش وتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في بداية صيف 1991 لغاية نهاية السنة، بعد ذهاب الحكومة التي نظمت الانتخابات المحلية التعددية الأولى.

لعنة الانتخابات،كانت أكبر أثرا هذه المرة، بمناسبة تنظيم الانتخابات التشريعية المؤجلة لشتاء 1991، فقد فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بنتائج دورها الأول رغم سجن قيادتها وبروز العديد من مؤشرات العنف المنظم تحت تسميات إسلامية مختلفة، بحيث لم تتوقف تداعيات الانتخابات عند هذا الحد، فقد تدخل الجيش لإلغاء نتائج الدور الأول منها، بعد إقالة/ استقالة رئيس الجمهورية الذي عوض برئاسة جماعية،كانت بداية تنصيبها، مرحلة لدخول الجزائر عشرية كاملة من الاضطراب السياسي والعنف.

التفسير الذي يمكن تقديمه لتفسير لعنة الانتخابات هذه وما ميزها من عنف واضطراب سياسي، هو أن الانتخابات لم تعد تقوم بنفس الوظائف التي تكلمنا عنها، كوسيلة لتجديد جزئي في النخبة أو خلق وسائط بين الدولة والمجتمع أو محاولة لإضفاء شرعية اكبر على المؤسسات لمؤسسات... الخ، كما كان الحال في ضل الأحادية واستقرار المؤسسات السياسية، في الوقت الذي لم يحصل فيه أي تفاهم بين الفاعلين السياسيين للاتفاق حول أهداف محددة للانتخابات التعددية الجديدة، بما ميزها من تجنيد شعبي واسع سمح بتدخل قوي للشباب والكثير من القوى الاجتماعية التي همشتها اللعبة السياسية الأحادية وتعدد في الفاعلين السياسيين المتمتعين بمستوى كبير من الاستقلالية والمبادرة، فقد ارتبطت هذه الإلية لدى التيار الإسلامي الجذري المستفيد الأول منها، بتغيير عميق، هو أقرب للانقلاب والتغيير الكلي لنظام الحكم، نخبه ومؤسساته، في المقابل سادت ضبابية كبيرة لدى النخب الحاكمة ومؤسسات اتخاذ القرار الرسمية، مما جعلها عاجزة عن التدخل لتوجيه نتائج الانتخابات لصالحها، كما تعودت على ذلك في ضل الأحادية السياسية. ضبابية زادتها عتمة، الصراعات المتعددة الأوجه (شخصية، جهوية... الخ) بين النخب الرسمية الحاكمة والمؤسسات المختلفة التي تمترست فيها، النتيجة الأساسية كانت أزمة سياسية ومؤسساتية حادة، في ضل وضع اقتصادي واجتماعي في غاية التشنج، تزامن مع بداية تغيير في نمط التسيير الاقتصادي الكلي المتجه نحو تدخل أقل للدولة.

شروط العودة إلى المسار الانتخابي

دشنت الجزائر عشرية التسعينيات من الفرن الماضي بمواجهات مسلحة وحالة عنف كبيرة واضطراب مؤسساتي، بعد فشل انتخابات 92 التشريعية التعددية الأولى، كان احد فاعليها الرئيسيين الجماعات الإسلامية المسلحة بمختلف تسمياتها،(12) لتدشن الألفية الجديدة، عشر سنوات بعد ذلك، بحالة عنف واضطراب بدرجة محدودة جغرافيا هذه المرة، في منطقة القبائل، كان من نتائجها مقاطعة انتخابات 2002 التشريعية والمحلية من قبل القوى السياسية الفاعلة في المنطقة (جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من اجل الثقافة والديمقراطية).

عشرية كاملة (1992/2002)، كانت كافية لكي تصل فيها الحركة الاجتماعية الشعبية التي كانت وراء الحراك الاجتماعي والسياسي الذي عرفته الجزائر بعد أحداث أكتوبر 1988 إلى مأزق فعلي، عبر عن نفسه من خلال حالة العنف والانسداد السياسي، بعد أن كانت قد أوصلت هذه الحركات الاجتماعية الاحتجاجية،(13) حالة التجنيد الشعبي إلى مستوياتها القصوى.

مستوى تجنيد أبان عن نفسه من خلال النتائج الانتخابية التي حققتها الأحزاب والقوى السياسية التي عبرت بدرجات متفاوتة عن هذه الحركات الاجتماعية الشعبية وطنيا وجهويا، كحال الجبهة الإسلامية للإنقاذ وطنيا وجبهة القوى الاشتراكية محليا بمنطقة القبائل، خلال انتخابات بداية التسعينيات الملغاة التي كانت ذات رهانات سياسية أكيدة. هذه الأحزاب السياسية التي دفعت الثمن غاليا، بعد ذلك عندما وصلت هذه الحركات الاجتماعية إلى المأزق الذي عرفته، جراء ما ميز هذه الحركات نفسها من عفوية وجذرية وقوة تجنيد، مع ضعف في التأطير وتخبط في تحديد للأهداف، نتيجة الخصوصيات المميزة للوضع الثقافي الجزائري ونخبه المنقسمة على نفسها على أكثر من صعيد، لغوي، قيمي.

لم يكن من الممكن العودة إلى المسار الانتخابي، بعد هذه التجربة بالنسبة لصاحب القرار، إلا بعد التغييرات الجوهرية التي أدخلت على الخارطة السياسية وإعادة تأطيرها من جديد، دون المس بالمبدأ ألتعددي شكليا، الذي تم الحفاظ عليه في أحلك الظروف الأمنية، فقد أبعدت قيادة جبهة التحرير التي ظهرت عليها الكثير من علامات الاستقلالية، إزاء السياسات الرسمية، في الوقت الذي أعلن فيه عن تشكيل حزب جديد للسلطة (التجمع الوطني الديمقراطي)، كبديل مضمون للقيام بالأدوار المناطة تقليديا بجبهة التحرير في علاقاتها بالنظام السياسي الجزائري، بعد أن حلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ وانطلقت محاولات تفعيل ساحة سياسية تعددية هشة، مؤلفة من العديد من التنظيمات السياسية الصغيرة والآلاف من الجمعيات.(14)

كما ارتبطت الانتخابات بانطلاق موجة العنف في الجزائر في بداية التسعينيات، عرفت الانتخابات الرئاسية 1995 والتشريعية 1997 بداية انحسار لأعمال العنف والإرهاب، بعد سنوات من المواجهات الدامية بين الجماعات الإسلامية المسلحة وقوات الأمن المختلفة، لتخسر هذه الجماعات رهانها السياسي بمقاطعة شعبية لمؤسسات الدولة ومشاريعها، بعد خروج المواطنين بقوة إلى المشاركة في الانتخابات الرئاسية التعددية الأولى في تاريخ الجزائر السياسي، مما جعل هذه الجماعات تلجأ إلى عمليات إرهابية واسعة انتقاما من المجتمع الذي صدرت فتاوى عديدة بتكفيره وردته، فتاوى زادت في عزلة هذه الجماعات وفقدانها للغطاء والدعم الشعبي الذي حققته جزئيا في عديد المناطق بأشكال ووسائل مختلفة.

تمت الانتخابات التي نظمتها الجزائر بعد هذه التجربة، في نفس الإطار السياسي والقانوني الذي ميزه، قانون حالة الطوارئ المعلنة منذ 1992 الذي قلص من فرص نشاط الأحزاب السياسية وأثر سلبا على ممارسة الحريات الجماعية والفردية. تمت الانتخابات التي عرفتها نهاية التسعينيات إذن، بعد العودة التدريجية للاستقرار للكثير من مؤسسات الدولة وعلى رأسها رئاسة الجمهورية بعد الانتخابات الرئاسية لسنة 1999 على وجه الخصوص التي تزامنت مع تحسن في أسعار النفط وبداية تقليص ضغوط المديونية الخارجية وانطلاق العديد من مشاريع الإصلاحات الاقتصادية، التي زادت من حدة الفروق الاجتماعية بين الجزائريين المتعودين على ثقافة سياسية مساواتية، عبرت بصدق عن مسارهم التاريخي كشعب.

فروق اجتماعية كان من نتائجها ظهور الكثير من علامات التهميش التي مست، زيادة على الفئات الشعبية التي تأثرت وضعيتها سلبا بالتحولات الاقتصادية الجارية وتقليص الأدوار التقليدية للدولة في المجال الاجتماعي، جزء كبير من الفئات الوسطى الأجيرة التي التحقت بصفوف الفقراء الجدد وهي الفئات التي كانت ذات علاقة خاصة بالعملية الانتخابية، لا من حيث الترشح لها فقط، بل تأطيرها والترويج لها. في المقابل طفت على السطح فئة الأغنياء الجدد الذين استفادوا من التحولات الاقتصادية الجارية للحصول على تراكمات مالية سريعة، ظهرت نتائجها في سلوكات وأنماط استهلاكية جديدة، لم يتعود عليها المواطن الجزائري ابن الثقافة المساواتية واقتصاد الندرة. الأغنياء الجدد الذين سيظهر اهتمامهم بالعملية الانتخابية بشكل واضح، بمناسبة هذه الانتخابات التشريعية، مستعملين فيها نقاط قوتهم الجديدة التي تحصلوا عليها في سنوات العنف: المال الذي ظهر بقوة كعامل حاسم خلال هذه الانتخابات.

زيادة في ضمانات التأطير السياسي للخارطة الحزبية وعدم تكرار سيناريوهات بداية التسعينيات، تم استحداث التحالف الرئاسي المكون من أحزاب جبهة التحرير، التجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم (الإخوان المسلمون) 2003 الذي كان من أولوياته ضمان نجاح رئيس الجمهورية في انتخابات العهدة الثانية التي نافسه فيها الأمين العام لحزب جبهة التحرير، خالقا بهذا الترشح حالة اضطراب، لم يتعود عليها النظام السياسي الجزائري، بعد أكثر من عشرة سنوات من الإعلان عن التعددية السياسية التي تقر بمبدأ التنافس السياسي وتنظمه شكليا.(15)

التحالف الرئاسي الذي كان عامل "استقرار سياسي" كبير للمؤسسات وصل إلى حد الركود وغلق المجال السياسي التنافسي، خاصة في علاقات السلطة التنفيذية بالبرلمان الذي ظهر بشكل باهت، متنازل حتى عن الصلاحيات الممنوحة له قانونيا. مقابل الضمور الذي مس المؤسسات السياسية المختلفة ومستوى أدائها، بما فيها الأحزاب السياسية، ظهرت شخصية الرئيس بوتفليقة كأول مؤسسة سياسية تتحكم في الكثير من مصادر القوة واتخاذ القرار حتى في علاقاته بالمؤسسة العسكرية، قوية الحضور تقليديا، داخل دواليب السلطة واتخاذ القرار في النظام السياسي الجزائري منذ فترة ما قبل الاستقلال.

تعليقات
  • تعليق #1 (ارسل بواسطة بوهالي بلخير)

    لايمكن ابدا اعتبار ما جاء في هاتهه الصفحة انعكاسا حقيقيا لما هو في واقع الحياة في الجزائر بل تهجم مقصود مدروس يعبر عن غيرة اونية مبية اتجاه الجزائر قلعة الوطنيين
     
  • تعليق #2 (ارسل بواسطة نورة)

    ان النظام النتخابي الجزائي من اهم الأنظم من حيث الدقة و الشفافية والحرص على وصول الأحزاب الصغيرة رغم وجود بعض التهجمات حوله الا اننا نجده الأفضل للديمقراطية وشكرا
     
  • تعليق #3 (ارسل بواسطة طالبة العلوم السياسية)

    ما هي المبادئ التي يتم بها توزيع المقاعد المتنافس عليها في الجماعلت المحلية من خلال انتخابات 2002 للبلديات و ما هي الاعتبارات السياسية و الاجتماعية التي جعلت القائمة بعينها تفوز
     
ارسل تعليق


خيارات المقال