مقاربة أسس الحكم وتجاذبات المسار الانتخابي
ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى بسط ملامح المسار الانتخابي في المغرب انطلاقا من مقاربة مقومات الفعل السياسي وأسس الحكم في علاقتها بالممارسة الانتخابية. فالترابط بين المسارين يعد جدليا ويساعد على استشفاف ما ظل يعتبر في المغرب السياسي منذ أولى تجاربه الانتخابية سنة 1960 بمثابة " أزمة بنيوية" تتصل بجوهر السلطة السياسية.
ولعل محاولة الفهم انطلاقا من المستويين تجد سندها في ما قد تتيحه من عناصر تحليلية على صعيد استجلاء جوانب محورية في "حقيقة السلطة" وطبيعة العلاقة بين الفاعلين.
فالمسألة الانتخابية لم تخرج في المغرب عن المسار الطبيعي لمختلف الاحتكاكات الاحتجاجية والمطلبية في سياق ما يوصف ﺒ"المسلسل الديمقراطي".
ومن هذا المنطلق تتحدد الانتخابات ضمن أفق إشكالي واضح المعالم ترتيبا على تجاذبات الحركات المطلبية السياسية في المغرب وخاصة الأحزاب السياسية التي ظلت تتفاعل مع الانتخابات وفق تصور دائري هيمنت عليه ولا تزال حيثيات العلاقة مع المؤسسة المركزية المتمثلة في الملكية.
مقدمة
يطرح الفعل الانتخابي داخل الفضاء السياسي العربي منذ موجة الاستقالات والتخلص رسميا من المد الاستعماري المباشر كترجمة لأزمة الحكم وما استتبعها من إشكالات على صعيد التعامل مع مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع.
فالديمقراطية كما تتحدد مرجعيا لا تخرج مطلقا عن تأسيس الفعل الانتخابي بجعله أداة حسم وبناء وتجسير للحياة السياسية والمؤسسية برمتها(1) وترجمة لمفهوم المواطنة(2) وتعبيرا عن " سيادة الشعب" عبر تفعيل الإحساس بالانتماء وجعل القوى السياسية أمام حقيقة تمثيليتها(3).
غير أن الواقع السياسي العربي حمل بين ثناياه تجارب مختلفة اتسمت بتفعيل أساليب لم تستحضر استراتيجيا القيمة الانتخابية للتعامل مع الشأن السياسي والمجتمعي العربي.(4) فبين القومية والليبرالية المعلنة أو الاشتراكية وغيرها تناسلت توصيفات لم تخرج عن إطارها السياقي العربي أي إطار استعصاء تجاوز " عطب السلطة" بكل تلا وينه.(5)
وإذا كان التفاعل مع القيمة الانتخابية يختلف حسب طبيعة الأنظمة السياسية العربية وترتيبا على مضامين بنيات السلطة داخلها، فذلك لا يحجب واقع الالتقاء الموضوعي بين مختلف مكونات الجسم السياسي العربي حول حقيقة وجود أزمة في تأسيس الفعل الانتخابي الذي يقتضي في ما يقتضيه إعادة النظر في البناء المؤسسي بجعله خاضعا للمنافسة السياسية والانتقال استراتيجيا إلى بنيات تداولية تتجاوز جذريا احتكار السلطة وتعطي معنى حقيقيا للممارسة السياسية.
ومن هذا المنطلق يبدو الحديث عن الانتخابات في العالم العربي مقترنا بداهة بتشخيص القضايا الأساسية اللصيقة بالسلطة، بل يمكن الاتجاه بالرأي إلى أن العلاقة بين تمثلات الفعل الانتخابي وتصورات ممارسة السلطة تكتسي بعدا تسانديا إن لم يكن انصهاريا. فالحديث عن الانتخابات هو قبل كل شيء حديث عن أسس السلطة. والوقوف على أزمة الانتخابات أو أزمة التعبير التمثيلي هو وقوف على " عجز بنيوي" في المراهنة على الإرادة الشعبية في تشكيل القرار السياسي وبناء مؤسسات الدولة والمجتمع.(6)
على هذا الأساس تبدو التجربة الانتخابية المغربية مترعة بالدلالات في قراءة " الأزمة" ومحاولات تجاوزها واستشفاف إمكانيات التحول وحدوده وملامسة بنيات الحكم وانعكاساتها على مستوى تدبير الشأن السياسي على وجه العموم.
فمنذ مستهل الستينيات دخل المغرب السياسي رسميا منعطف التعبير التمثيلي محليا ووطنيا(7) ضمن تصور هيمنت عليه منذ البداية ملامح الصراع بين مختلف مكونات الحقل السياسي من خلال الملكية من جهة وما يصطلح عليه بأحزاب الحركة الوطنية(8) من جهة أخرى.وظلت الانتخابات مدخلا أساسيا في ملامسة طبيعة ومدى وحدود وتمظهرات التوتر أو الانفراج في الفضاء السياسي المغربي واختزالا لوضعية السلطة في المغرب من خلال تجاذبات مضامين "البناء الديمقراطي" في ظل غياب أو صعوبة بلورة أرضية مشتركة لمقاربة آليات الممارسة السياسية ومحدداتها الإستراتيجية ومضامينها المؤسسية.(9)
وتعد لحظة التعبير التمثيلي مرحلة شاخصة في قياس مدى التحول داخل النظام السياسي المغربي وخاصة على صعيد تحديد جوهر العلاقة بين مختلف الفاعلين أو بالأحرى بين المؤسسة الملكية ومكونات الحقل الحزبي،(10) غير أنها تقترن بدءا بالإشكالية المركزية المتمثلة في المنافسة السياسية داخل النظام المغربي.(11)
فالاختلاف حول مضمون وجوهر السلطة السياسية وصيغ بلوغ ممارسة تكتسي بعدا ديمقراطيا والتباين حول الاختيارات الإستراتيجية في المغرب المستقل (منذ 1956) ظلت بمثابة عوامل معرقلة في تحقيق الحد الأدنى من التوافق السياسي حول المنطلقات والأهداف ومن خلالها الوسائل والآليات.(12) وهو ما أفرز، بنسب متفاوتة، توترا مستمرا بين مكونات الطبقة السياسية تبعا لمراحل تطورها وترتيبا على طبيعة تفاعلاتها. كما أن تحولات المشهد السياسي الوطني ومن خلالها رموز السلطة في المغرب استحثت المهتمين بالشأن السياسي الوطني على التساؤل حول مواطن التمايز بين ما يوصف بالعهد السابق –أي عهد الحسن الثاني- والعهد الجديد أو عهد محمد السادس(13). وبين خيوط التساؤل تعن محددات أساسية لفهم آليات الحكم في المغرب وضوابطه المركزية ونطاق الاستمرارية وحدود التحول.
ومن هنا يبدو أن هذه الدراسة قد لا تجد مسوغا منهجيا لمقاربة الإشكالية الانتخابية خارج المنظومة التحليلية الأم المتمثلة في جوهر النسق السياسي المغربي وانعكاساته على تدبير المسار الانتخابي.
فالسلطة السياسية في المغرب تعتبر – حسب عدد من الدراسات الأكاديمية(14) - مغلقة البناء مع ما يقتضيه ذلك من تجاوز بنيوي لإمكانية المنافسة السياسية المفتوحة أو تشاور واسع في مسلسل تشكيل القرار السياسي في مساراته الإستراتيجية.
ولعل محاولة النفاذ إلى الدلالات السياسية والإيديولوجية للانتخابات في المغرب تجر الباحث إلى مقدمة أساسية لا محيد عنها تتمثل في بلورة تقابل موضوعي بين طبيعة الفعل الانتخابي وجوهر الفعل السياسي أو طبيعة السلطة السياسية. فهذا التقابل يبقى عامل إثراء لكل نقاش يسعى إلى ملامسة آفاق الممارسة الانتخابية ودلالاتها المباشرة.
أولا: المحددات البنيوية للفعل الانتخابي في المغرب
لا يمكن فهم الواقع الانتخابي في المغرب، على الأقل كما ترجم على مستوى الممارسة السياسية، دون استقراء الأرضية الموضوعية المفرزة له إن على صعيد التصور أو على مستوى آليات التفعيل. واقع تتداخل في سياقه معطيات شتى يمتزج فيها البنيوي بالظرفي والمرحلي بالاستراتيجي. فالنفاذ إلى السياق يفرض نفسه منهجيا لأنه يتيح، إلى حدود معينة، إمكانية قراءة من الداخل تتسم باللمسة الجوهرية وتتجاوز القراءات الاسقاطية التي تغض الطرف – على العموم- عن واقع الحال لتفرض تصورا غالبا ما يجافي الصواب أو يجعل القراءة مترعة بذاتية قد لاتسائل الواقع مطلقا ومن ثمة قد لا تجد سبيلا إلى فهمه والنبش في مدلولاته.
1: الملكية الفاعلة
تحتل الملكية في المغرب مكانة إستراتيجية سواء من حيث تعبيرها عن ذاتها أو بالنظر إلى تموقعها في البناء المؤسسي والسياسي. ولعل مكانتها المحورية على الأقل في المغرب السياسي المعاصر – الذي يمكن تأريخه منذ الحصول على الاستقلال سنة 1956- تقابلها موضوعيا وضعية باقي أطراف العملية السياسية كما تجلت على صعيدي الخطاب والممارسة. وهو ما يمكن مقاربته من خلال مساءلة معطيين متداخلين: معطى خطاب الملكية حول ذاتها ومعطى واقع التحكم في حقيقة السلطة.
أ: خطاب الملكية حول نفسها أو الرؤية التمجيدية
في أول خطاب للعرش بعد وصوله إلى سدة الحكم في 30 يوليو 1999 كان الملك محمد السادس منطقيا إلى أبعد الحدود مع الهندسة الفكرية والإيديولوجية العامة التي رسمت ملامح الحكم في المغرب وخاصة في عهد والده الحسن الثاني (1961-1999) الذي كرس هيمنة الملكية على الهرم المؤسسي والدستوري طيلة فترة حكمه.
فبتأكيده أن الملك سيظل " الموجه المرشد الناصح الأمين الذي يعلو فوق كل انتماء" (15) يكون العاهل المغربي قد حدد الفلسفة العامة للسلطة في المغرب ومن خلالها تصور الملكية حول ذاتها وجوهر تفاعلها أو ردود فعلها إزاء باقي شركاء الفعل السياسي.
وتحرص الملكية في خطابها حول ذاتها – وهو ما يقابله موضوعيا تحديدا تلقائيا لمكانة باقي الفاعلين- على استحضار بعدين متداخلين على مستوى انعكاساتهما الوظيفية: بعد ديني- سياسي وبعد براغماتي.
يمكن ملامسة البعد الأول عبر دأب الملكية في مخاطبة باقي مكونات الحقل السياسي على جعل مسألة السلطة السياسية في المغرب مسألة دينية في المقام الأول مع ما يترتب عن ذلك من انعكاسات مؤسسية وفي طليعتها تغييب العنصر التشاركي ناهيك عن التنازعي في جوهر السلطة السياسية.
السلطة السياسية – يقول الحسن الثاني في تبرير هذا المسار التوقيفي – "أمانة لا يمكن تفويتها ولا تفويضها"(16). فهي – حسب محمد السادس – " بيعة الإمامة الشرعية التي تطوق عنقنا وعنقك موصولة بما سبقها على امتداد أزيد من اثني عشر قرنا موثقة السند بكتاب الله وسنة رسوله الكريم ومشدودة العرى إلى الدستور المغربي."(17)
ويمكن النحو إلى أن تصورا من هذا القبيل يحيل مبدئيا على ما يمكن الاصطلاح عليه ب"الشرعية الأصيلة" التي تتجاوز منطلقات الشرعية الديمقراطية التي تظل في مبناها مكتسبة بفعل الصراع " المهذب" حول السلطة انطلاقا من الانتخابات بصفة حصرية وفق النظام المعياري الديمقراطي.
وفي هذا السياق مثلا نجد الملك الحسن الثاني لا يتردد في مستهل تقلده الحكم في رفض كل شرعيات منافسة قد يدفع بها حزب من الأحزاب(18) لتبرير مواقفه على الساحة السياسية أو المطالبة بمسار مخالف لما ترتئيه الملكية. فإذا كان حزب الاستقلال يرى انه " هو الذي حرر المغرب"(19) فالملكية لا ترى ضيرا في الدفع، ضمن تصورها الخاص بالسلطة السياسية، بأنها غير مدينة لحزب معين أو فئة محددة. " فحينما – يقول الحسن الثاني - رجع الملك المظفر (محمد الخامس – 1955-1961-) من منفاه لم يأت في عربة حزب ولا حركة معينة حتى يصير أسيرا لها وحتى يعطيها كهدية مقاليد الحكم ورقاب المغاربة."(20)
وانسجاما مع النسق التصوري نفسه تتجه الملكية إلى تكثيف ما يمكن وصفه ب" شرعية الوجود" التي تجد سندها في طرح جدوى المؤسسة الملكية على صعيد وحدة الشعب المغربي وتماسكه وانتظامه. " إذ لولا الملكية- يقول الحسن الثاني- التي ارتضاها المغاربة في هذه البلاد عن طواعية واختيار لرأينا ملوك الطوائف".(21)
ويبلغ هذا النسق التمجيدي مداه بجعل المؤسسة الملكية مرتبطة عضويا بهوية المغرب السياسية. فهي " التي صنعت المغرب" يقول الحسن الثاني(22) الذي لا يتردد في الجزم بأنه " لولا ملكية شعبية لما كان المغرب أبدا"(23) قبل أن يخلص إلى فكرة الحتمية السياسية للملكية التي يعتبرها " ضرورة ولزوما"(24) وتبقى "أكبر عامل في صنع تاريخنا المديد، فهي التي كفلت استمرار المغرب طيلة قرون تحت سلطة أسلافنا المقدسين كدولة لها كيان محفوظ وحوزة منيعة ومقومات محترمة."(25)
ويستشف من هذا التصور التركيبي أننا أمام مقاربة تجعل الملكية " مؤسسة المؤسسات" أي المؤسسة القادرة من حيث شرعيتها وطبيعة وجودها على إعطاء معنى سياسي ومؤسساتي بل ووجودي للمغرب بشكل يجعل باقي آليات ممارسة الفعل السياسي في مكانة هامشية إن لم تكن مغيبة فعليا وخاصة الأحزاب السياسية التي وجدت نفسها في المغرب المستقل محكومة بالتعامل الواقعي مع وضعية هيكلية أساسها اتجاه موازين القوى إلى تجاوز بحكم الواقع للأهمية الوظيفية للفعل الحزبي.
ومن هذا المنطلق يمكن التساؤل عن الفعالية المؤسساتية للملكية والتي من خلالها يتحول الخطاب التمجيدي إلى ممارسة فعلية للسلطة السياسية استنادا إلى دعائم تاريخية ودينية وسياسية فضلا عن مؤشر موازين القوى الذي يجعل الملكية - في المغرب السياسي المعاصر- القوة الأكثر تنظيما والأكثر فعالية على مستوى خلق شروط اللعبة السياسية.
ب: الملكية الحاكمة
لا يمكن فهم طبيعة النظام السياسي المغربي بالاقتصار على فحوى الوثيقة الدستورية على اعتبار أن جوهر الفعل السياسي يتصل بممارسات تتجاوز في عمقها المدلولات المباشرة التي يتيحها استقراء النص الدستوري. وبالمزج بين المسارين قد تبدو الرؤية أكثر وضوحا وأكثر اقترابا من مكنون الواقع خاصة في ظل أرضية سياسية وإيديولوجية تتسم بتداخلات بين المعلن والمضمر والمكتوب والعرفي.
وأول ما يسترعي الانتباه في هذا السياق هو أن المؤسسة الملكية تعتبر سلطة تأسيسية أصلية أي هي التي كانت ولا تزال وراء المبادرة الدستورية – على الأقل من الناحية الرمزية وتجاوزا لما قد يعتبر تأثيرا مطلبيا لبعض الأحزاب الفاعلة - وهو ما أهلها لأن تحتكر ضبط قواعد اللعبة السياسية والتحكم في مسارها العام حسب طبيعة وتطور الأزمنة السياسية(27) التي يمر منها المغرب.
فالملكية ظلت حريصة، ترتيبا على هذا الواقع، على بلورة سموها المؤسساتي من خلال التحكم موضوعيا في الجهازين التشريعي والتنفيذي على اعتبار أن مبدأ فصل السلط، الذي يعتبر منطلقا استراتيجيا في المنظومة الديمقراطية، لا يجد له مسوغا نظريا أو فعليا حسب التصور الملكي. " فإذا كان هناك فصل للسلط- يقول الحسن الثاني- لا يمكن في مستواي، بل فصل السلط هو في مستوى أدنى. فالملك يحكم بلاده ويسير سياستها مستعينا بسلطتين: السلطة التنفيذية...والسلطة التشريعية. " (28)
وعلى هذا الأساس، ظلت الملكية منذ دستور 1962 والى غاية دستور 1996 متمسكة بوضعيتها الإستراتيجية في الهرم الدستوري. فتشريعيا يخول الدستور للملك التدخل المباشر في الحياة البرلمانية من خلال مخاطبة البرلمان مع ما يعنيه ذلك من توجيه للحياة السياسية وتأطيرها بل ورسم الملامح الكبرى للسياسة العامة دون أن يكون مضمون الخطاب موضع نقاش.
ويمكن للملك أن يضع حدا للحياة البرلمانية وفق سلطة تقديرية واسعة سطرها الفصل الخامس والثلاثون من الدستور في حالة وجود تهديد لحوزة التراب الوطني أو وقوع أحداث من شأنها أن تمس بسير المؤسسات الدستورية.
وعلى الصعيد التنفيذي يلاحظ أن الملك ظل يحافظ على مفهوم "الملكية التنفيذية" أو الرئاسية في مختلف الدساتير بما فيها دستور 1996 - الذي اعتبرته المعارضة المشاركة في المؤسسة البرلمانية تطورا رئيسيا في المسار الدستوري الوطني -(29) إذ أن الملك هو الذي يعين الوزير الأول(30) دون تحديد للوضعية السياسية التي يتم على أساسها هذا التعيين، كما أن أمر الإعفاء لا يخرج عن المبادرة الملكية. وهو ما يستحث على القول بأن الملك الذي يرأس المجلس الوزاري يستطيع من موقعه التأثير هيكليا في تدبير لشأن العام وتوجيه السياسة الحكومية ناهيك عن سلطة الملكية في مجال التعيين في المناصب العليا المدنية والعسكرية، ما يؤهلها إلى التحكم في الهندسة العامة لتشكيل النخب في المغرب بمختلف مستوياتها.(31)
ويمكن الاتجاه بالرأي إلى أن البناء الدستوري في المغرب يحيل مبدئيا على هندسة ثنائية يمتزج في سياقها البناء التقليدي الذي يجد أساسه في " البنية المخزنية- التراثية للنظام" (32) والشكل التحديثي الذي يجد بعض تعبيراته في تفعيل –شكلي على الأقل – لبعض الأسس المتعارف عليها في المنظومة الديمقراطية من قبيل اختصاصات الجهازين التنفيذي والتشريعي والعلاقات بينهما وبعض مبادئ دولة الحق والقانون والتنصيص على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الآمة وإلزامية امتثال الجميع له ومبدأ التساوي أمامه.
غير أن محاولة فهم أسس الحكم في المغرب لا تستقيم دون الوقوف على ما يمكن وصفه ب" المفتاح التأسيسي لحقيقة السلطة" وهو الفصل التاسع عشر من الدستور الذي ينص على أن الملك هو " أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور. وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات. وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة."
والواضح أن هذا الفصل الذي لا يتجاوز نظريا وأكاديميا مقارنة وتحليلا وتمحيصا(33) على مستوى استجلاء محددات النسق السياسي المغربي يسعف بجلاء في فهم طبيعة السلطة السياسية ومن خلالها الدينامية الممكنة أو المتاحة في تدبير كل مسار "تنافسي"، وهو ما يمكن فهمه عبر الملاحظات الآتية:
أولا: يركز هذا الفصل، الذي ما انفك يهيكل مختلف الخطابات حول الإصلاح السياسي والدستوري في المغرب (34) على " الحضور الاكتساحي" للملك في كل مواطن القرار السياسي بدءا من التمثيلية - التي أضحت إستراتيجية ومختلفة من حيث الجوهر والدرجة عن باقي التمثيليات السياسية المحتملة- ومرورا بتأمين المسار الحقوقي والمؤسساتي داخل الدولة ووصولا إلى ضمان كيان الدولة في حد ذاته.
ثانيا: يتيح هذا الفصل تأمين هيمنة فعلية للمؤسسة الملكية على الشأن السياسي وخاصة على مستوى تدبير قواعد الممارسة السياسية(35) بل وأيضا على صعيد تأسيس الوضعية التنفيذية للملكية بجعلها سائدة وحاكمة، آذ كما يقول الحسن الثاني:" الشعب نفسه لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن أن يكون ملكا ولا يحكم، فلكي يستطيع الشعب أن يعيش... وتكون الدولة محكومة، يجب أن يعمل الملك وان يأخذ بين يديه سلطاته ويتحمل مسؤولياته."(36)
ثالثا: يحيل هذا الفصل على قدرة تأويلية واسعة، يمكن وصفها ب" سلطة التأويل الاستراتيجي "(37) التي تجعل الملكية قادرة على تكييف وضعية سياسية معينة أو اتخاذ قرار محدد مع إضفاء الشرعية عليه دون الوقوع في مأزق ملاءمة القرار للنص القانوني أو الدستوري بل ودن الاضطرار إلى إظهار وجود تسويات سياسية ضمنية معينة تقتضي تنازلات ما في سياق معين. وغالبا ما توظف الملكية حمولتها الرمزية في عملية التبرير قبل الوصول إلى القرار السياسي حتى يكون مواءما مع طبيعة الظرفية ومستلزمات الموقف.
وفي هذا الصدد يمكن إدراج التبريرات التي ساقتها الملكية في كل مراجعة دستورية كتعبير شاخص عن التحكم في "التأويل الاستراتيجي" وفق منظورها الخاص للسلطة السياسية وحسب مواقع موازين القوى في البلاد.
فقد اعتبرت الملكية الدستور الذي صاغته سنة 1962 " تجديدا لعهد صادق وميثاق مقدس ربط دائما الشعب بملكه"(38) غير أنها سرعان ما خلصت إلى إعلان حالة الاستثناء في يونيو / حزيران/ 1965 واضعة حدا لمرحلة سياسية بكاملها اتسمت حسب وصف أحد الباحثين ﺒ "الفشل الانتخابي للنظام"(39)، وبررت ذلك، في تسويغ يحيل إلى هذا التصور التأويلي، بأنه " في الدستور من الفصول ما لايساعد على ضمان سير المؤسسات البرلمانية سيرا مستقرا سليما، كما أن فيه من الثغرات والإبهام ما يعرقل ذلك السير. لذلك لا مناص من مراجعة تلك الفصول وتدارك هذا الخلل قصد تكميل الدستور وتحيينه." (40)
وفي يوليوز/ تموز/ 1970، أصدرت الملكية في سياق سياسي مشحون دستورا جديدا اعتبرته المعارضة الحزبية المعترف بها - مشخصة في حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية - تراجعا عن الدستور السابق(41) كما وصف بكونه " تكريسا لملكية شبه مطلقة"(42). غير أن الملكية التي أرادت بهذه المراجعة الدستورية إنهاء حالة الاستثناء والدخول في توازنات جديدة ذهبت إلى أن هذا الدستور " سيفتح صفحة جديدة "(43) في الحياة النيابية المغربية. وبررت جعل السلطة التنظيمية حكرا على الملكية - في تراجع واضح عن دستور 1962 حيث كانت متقاسمة مع الوزير الأول- بضرورة أن تكون " الصلات أقرب وأوثق بين البرلمان والملك حتى لا يكون أي عامل من العوامل بمثابة الحاجز بين السلطة التشريعية وبين أعلى سلطة في الدولة". (44) واعتبرت الملكية العدول عن نظام الثنائية البرلمانية الذي كان معمولا به في دستور 1962 بمثابة تأكيد لرغبة في "جمع شمل ما كان مشتتا في المجلسين الأولين."(45)
وبعد محاولة انقلابية استهدفت الملكية على يد فئة من الجيش سنة 1971 وجدت "مؤسسة المؤسسات" نفسها في شبه عزلة خاصة وأن التجربة البرلمانية الثانية بات محكوما عليها بالفشل لغياب المعارضة عنها من جهة ولعدم تزكيتها من جهة ثانية حتى من طرف الأحزاب الموالية مبدئيا للنظام باستثناء الحركة الشعبية ذات المنحى الأمازيغي.
وكان على الملكية أن تجد مخرجا جديدا على المستوى الدستوري توخيا لإخراج الحياة السياسية من حالة الضمور ووضعية الاضطراب عبر إدماج المعارضة في مرحلة ما بعد حالة الاستثناء، فكان أن راهنت مجددا على المراجعة الدستورية من خلال دستور 1972 الذي تحول في منظور التأويل الاستراتيجي للملكية إلى رغبة في توزيع المسؤولية. "هناك السلطة – يقول الحسن الثاني- التي توازي المسؤولية والتي بدونها لا يمكن لأية مسؤولية أن يكون لها مدلول. تلك السلطة... نريد أن ننظر فيها فنفرق بين ما هو تنظيمي وتشريعي.. ثم نوزعها.. توزيعا يضمن التوازن." (46)
وحسب هذا المنطق التسويغي المتواصل - الذي يمكن القول انه يشكل عماد الدينامية السياسية"(47) لدى المؤسسة الملكية منذ الحصول على الاستقلال-
أصبح دستور 1972 يعطي في منطوقه" الحكومة جميع الوسائل لتنفيذ وتطبيق الأوامر والتوجيهات... ويوسع نطاق اختصاصات القانون لمراقبة أعمال الحكومة في ميادين أوسع وأشمل." (48)
والواضح أن هاجس المسايرة هو ما جعل الملكية تعي – في حدود نظرتها للسلطة السياسية وثوابت النظام- التحولات التي شهدها المجتمع السياسي المغربي في العقدين اللذين كان دستور 1972 مرجعيتهما الشكلية (49) فقررت – في سياق شبه تفاوضي -(50) مراجعة دستورية جديدة في شتنبر / أيلول/1992.
وبقطع النظر عن مواقف الطبقة السياسية مجسدة أساسا في أحزاب المعارضة البرلمانية، اعتبرت الملكية أن هذه المراجعة الأساسية الثالثة من نوعها - والتي أصبحت بموجبها الحكومة خاضعة لتنصيب البرلمان- ستجعل الشعب المغربي " عزيزا مرموقا بين الدول والشعوب."(51)
وتمثلت التبريرات الرسمية في كون الدستور الجديد – الذي كان ينتظر أن يشكل غطاء لمرحلة التناوب على العمل الحكومي في المغرب- يعطي الحكومة " مسؤوليات أكثر حتى يمكنها عند الامتحان أن تعز أو تهان" ويمنح المنتخبين " الوسيلة القانونية والموضوعية لمراقبة الحكومة وتشجيعها على السير أو الطلب منها أن تتوقف عن العمل". أما الملكية فتبقى ساهرة على سير " هذا كله لتسير الدواليب متوازنة ومرضية لاتطاحن فيها ولا اعوجاج." (52)
وذهب الحسن الثاني في تصوره للنص الجديد إلى انه " قابل من حيث هو لكل تطوير وتطور... لكن دون الرجوع إلى استفتاء جديد"(53) لكن سرعان ما تداعى هذا الطرح بفشل انخراط حزبي المعارضة الرئيسيين – الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية- بعد فشل مشروع " التناوب" ليظهر بعد ذلك، على مستوى التسويغ السياسي، أن دستور 1992 بات قابلا للتعديل.
وبررت الملكية المراهنة على دستور جديد في شتنبر / أيلول/ 1996 برغبتها في " المساهمة والمثابرة على إصلاح الأمور إصلاحا تدريجيا نمطيا يتلاءم مع روح العصر... ومع الجغرافيا البشرية والفكرية والسياسية لهذا البلد العزيز."(54)
فالتأويل الاستراتيجي الذي يحكم وضعية الملكية في المغرب يقوم في مؤداه على إمكانية التفاعل التبريري الذي يضفي "الشرعية الرسمية" على تصور طبيعة المرحلة السياسية أو بسط منظور الملكية للشأن العام.
رابعا: إذا كان الفصل التاسع عشر من الدستور يضفي الشرعية على النظام السياسي ضمن تصور تراثي (55) فان ما يتيحه من هامش تأويلي يجعل الملك بصفته أميرا للمؤمنين وممثلا أسمى للأمة في حل من كل التبريرات القانونية الصرفة المختزلة في مسألة المشروعية كما تكون الملكية في ضوئه قادرة على وضع التكييفات الملائمة لتصورها للشأن العام في لحظة ما من تطور المغرب السياسي. (56)
وفي هذا السياق يبرز الدور المهيمن للملكية في محاولة التحكم في الفعل السياسي من خلال تصور اكتساحي لا يمكن في خضمه وجود فراغ مؤسساتي محتمل على اعتبار أن الملكية قادرة،ارتكازا إلى موقعها والى الشرعيات المحركة لنسقها، على القيام بمختلف الأدوار وفي مقدمتها دور تدبير الأزمات السياسية. ذّلك أن التواجد الملكي يعد لازمة في قواعد الممارسة السياسية المغربية. فمن الحياة المؤسساتية إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية إلى كل المبادرات التي تكتسي بعدا اجتماعيا وشعبيا أو إعلاميا، يتمثل الحضور الملكي رمزيا وفعليا لتكريس ممارسة شاملة للسلطة السياسية من منظور تفاعلي أفقيا وعموديا.
"فليعلم أولئك - يقول الحسن الثاني في تلخيص جامع لهذا التصور- الذين سيأتون ليعملوا بجانبي أنهم سيجدون مواطنا مسلما مغربيا. ملكا أمامهم ووراءهم وعن يمينهم وعن شمائلهم." (57)
وانطلاقا من هذه القراءة لمكانة الملكية يصبح التساؤل عن معنى التعددية السياسية في المغربية ومدلولات الفعل الانتخابي وحدوده البنيوية داخل النظام السياسي المغربي إشكاليا بكل المقاييس. وهو ما يمكن الوقوف على بعض ملامحه من خلال النبش في معنى التعددية السياسية في المغرب من جهة وتناول مسألة المنافسة السياسية من جهة أخرى.