المنتدى القومي العربي في لبنان
عام على حرب تموز العدوانية انتصار لبنان المقاوم: ابعاد وتفاعلات عربية
بيروت - لبنان - 16- 17 تموز/يوليو 2007م.
مقدمة:
بتاريخ 13/7/2006، شنت إسرائيل حرباً غير إنسانية على لبنان، دمرت خلالها البشر والحجر، وارتكبت من المجازر ما يندى له جبين البشرية، وجبين الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ومعها القانون الدولي الذي كان يعرفه القانونيون في العالم أجمع قبل الحرب. ولقد تبين أن الحرب التي استمرت (33) يوماً، تمت بتواطؤ بين أمريكا وإسرائيل، وكانت الغاية منها الدخول إلى الشرق الأوسط من خلال تدمير لبنان والمقاومة اللبنانية وإراقة الدم اللبناني، لإقامة شرق أوسط جديد. لكن الهزيمة التي ألحقتها مقاومة حزب الله بإسرائيل، وصمود الشعب اللبناني، كشفت أن الهزيمة لم تكن لإسرائيل وحدها، وإنما كانت لأمريكا التي نصبت جسراً جوياً بينها وبين إسرائيل لتزويدها بكل أسلحة القتل والتدمير، أمام سمع العالم وبصره، انطلاقاً من أن ما تقوم به إسرائيل هو دفاع عن النفس، في مواجهة ما قام به حزب الله ضدها من اختطاف جنديين إسرائيليين. فهل ما قام به حزب الله من اختطاف للجنديين يشكل حرباً ضد إسرائيل يفتح لها باب القانون الدولي لشن حرب مدمرة على لبنان تحت ذريعة الدفاع عن النفس؟
ومن ناحية أخرى، فإذا كان صمود المقاومة وصمود الشعب اللبناني قد أفشل مخطط أمريكا وإسرائيل في إقامة شرق أوسط جديد، ودفع أمريكا إلى استصدار القرار (1701) من مجلس الأمن بهدف حماية إسرائيل، فما هي الأبعاد القانونية والواقعية لهذا القرار؟ وهل توقف المشروع الأمريكي بعد صدمة فشل تحقيقه عن طريق الحرب، أم أن أمريكا لجأت إلى وسائل جديدة لتشن حرباً من نوع جديد على لبنان والمنطقة، مستخدمة القانون الدولي ومجلس الأمن أداة لتحقيق ذلك، من خلال لبنان أيضاً؟
هذا ما ستحاول هذه الدراسة الإجابة عليه.
أولاً: أمريكا هي الخصم الحقيقي ومع ذلك أصبحت الحكم:
منذ قيام إسرائيل على الأرض العربية في فلسطين عام 1948، وهي تقوم بشن الحرب تلو الأخرى على الدول العربية، وتمارس عمليات القتل وارتكاب المجازر ضد أبناء فلسطين ولبنان وغيرهم من أبناء الدول العربية. وفي جميع ما كانت تقوم به إسرائيل ولا زالت، فإن ذريعتها المدعاة دائماً هي الدفاع المشروع عن النفس. والغريب في الأمر، أن أمريكا مستعدة دائماً لتأييد إسرائيل، وتأكيد أن ما تقوم به هو دفاع عن النفس. ومهما كان موقف باقي دول العالم وشعوبها من عدم القبول بتصرفات إسرائيل، وأياً كانت انتهاكات إسرائيل لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، فإن هذا لا يعني عند إسرائيل شيئاً ما دامت أمريكا تسخر مجلس الأمن لخدمة إسرائيل وكأنه دائرة من دوائر وزارة الخارجية الأمريكية. ويكفي أن نعلم هنا، أنه منذ عام 1982 حتى الآن، قامت أمريكا بإستخدام حق الفيتو (32) مرة ضد قرارات مجلس الأمن التي كان يمكن أن تدين إسرائيل أو تنتقد سياساتها، وهذا الرقم يفوق في مجموعه عدد مرات حق الفيتو الذي تم استخدامه من قبل جميع أعضاء مجلس الأمن الآخرين، كما أجهضت أمريكا جميع الجهود العربية التي تسعى لإخضاع برنامج التسليح النووي الإسرائيلي لأجندة وكالة الطاقة الذرية الدولية، في الوقت الذي دمرت فيه العراق وذبحت شعبه تحت ذريعة كاذبة هي تطويره لسلاح نووي، وأخذت تدق طبول الحرب ضد إيران تحت هذه الذريعة أيضاً.
وفوق ذلك، فقد أكد الأستاذان Professor John J. Mersheimer) أستاذ العلوم السياسية والإستراتيجية في جامعة شيكاغو و Professor Stephen M. Walt أستاذ وعميد كلية كينيدي لعلوم الحكومات في جامعة هارفارد) في دراستهما: "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأمريكية الخارجية" في شهر آذار/ مارس 2006 (The Israel lobby and U.S Foreign Policy, March 2006) المنشورة في "London Review of Books Vol.28, No.6" وأصبحت تُعرف بتقرير هارفرد، نقول، أكد هذان الأستاذان أنه منذ حرب أكتوبر عام 1973، فإن واشنطن قد زودت إسرائيل بمستوى من الدعم يصغر أمامه أي دعم زودت به أمريكا أية دولة أخرى، وكانت إسرائيل المتلقي السنوي الأكبر للمساعدات الأمريكية الإقتصادية منذ عام 1976، كما كانت المتلقي الأكبر على الإطلاق للدعم الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية. ومنذ عام 1976 وحتى عام 2003 بلغ مجموع الدعم الأمريكي المباشر لإسرائيل ما يزيد على (140) مليار دولار، وتتلقى إسرائيل ما يقارب (3) مليار دولار سنوياً على شكل مساعدات خارجية مباشرة، كما قامت أمريكا بتزويد إسرائيل بما يقارب (3) مليار دولار لتطوير أنظمة تسليحية مثل (طائرات ليفي)، وفتحت لإسرائيل باباً للدخول على أعلى مستوى من نظام التسليح الأمريكي مثل طائرات "البلاك هوك" وطائرات "إف-16"، ومنحت أمريكا لإسرائيل إذن الدخول إلى المعلومات الإستخبارية التي لا تقبل أمريكا أن يدخل إليها حتى شركاؤها في حلف الناتو، (لمزيد من التفصيلات، أنظر في ترجمة الدكتور محمد الحموري لدراسة اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأمريكية الخارجية، مكتبة مدبولي، القاهرة 2007، ص14-16).
وفوق ما سبق جميعه، فإن أمريكا وحدها هي التي أصبحت تقرر من هو المعتدي ومن هو الذي في حالة دفاع عن النفس، وأصبح الخصم هو الحكم في عالم اليوم.
إن مبدأ "حق الدفاع المشروع عن النفس" هو في الأصل مبدأ أخلاقي إنساني، وأقرت به الشرائع السماوية والأرضية، وأصبح جزءاً من منظومة القوانين الداخلية في دول العالم أجمع، وأكدته الشعوب كافة ليستقر كنصٍ في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة. وتنص هذه المادة على ما يلي:
"ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي".
وحتى نعلم من هو المعتدي، لبنان أم إسرائيل ومعها أمريكا، ومن هو الذي استخدم حق الدفاع الشرعي عن النفس من الناحية القانونية، فإنه ينبغي أن نبدأ بمعرفة خلفيات ما جرى في حرب تموز عام 2006. وأنوّه هنا إلى أنني سبق أن عرضت خلفية الأحداث ومن هو صاحب حق الدفاع الشرعي عن النفس، لبنان أم إسرائيل، في كتابي "قراءات في المشهد اللبناني بين الحقوق القانونية والمصالح السياسية والدولية" الصادر عن دار الأمير في بيروت، 2007، على الصفحات من (153-162)، ونقتبس ببعض التصرف والإضافة، تحت البندين التاليين ثانياً وثالثاً، جوانب مما ورد في الكتاب المذكور، لتتضح الصورة كاملة أمام قارىء هذه الدراسة بدلاً من إحالته إلى الصفحات سابقة الذكر.
ثانياً: الخلفية الواقعية والدولية للأحداث:
منذ توقيع الهدنة بين لبنان وإسرائيل عام 1949 حتى الآن، لم يشهد الواقع إعتداءً قامت به الدولة اللبنانية أو المقاومة اللبنانية على الكيان الصهيوني لمجرد الإعتداء، وإنما كانت لبنان والمقاومة اللبنانية في حالة دفاع عن النفس، وكان ما تقوم به ردّات فعل على الممارسات العدوانية لإسرائيل. لن نتحدث عن تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي في هذا المقام، لأنه أصبح في العلم العام للجميع، ولكن يكفي هنا أن نبدي ما يلي بخصوص حالة لبنان تمهيداً لموضوعنا:
أ- قامت إسرائيل باجتياح لبنان في عملية الليطاني عام 1978، كما قامت باجتياحه واحتلال أراضيه عام 1982، والإعتداء على كل ما هو إنساني في لبنان. ورغم إنسحاب إسرائيل الجزئي من لبنان، إلا أنها ظلت تحتل جزءاً من أرضه وتواصل إعتداءاتها عليه بشكل مستمر.
ب-وفي عام 2000 تمكنت المقاومة اللبنانية (حزب الله) من طرد إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعلى نحو دفع إسرائيل الى التخلي عن المنطقة التي كان يحتلها جيش أنطون لحد الذي أنشأته إسرائيل في الجنوب اللبناني في المنطقة المحاذية للكيان الصهيوني. ومع أن إسرائيل طُردت طرداً من لبنان بقوة مقاومة شعبية مشروعة وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، إلا أنها، أي إسرائيل، ادعت حين خروجها أنها انسحبت تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم (425) الصادر سنة 1978. وفي حقيقة الأمر، فإن إسرائيل لم تستجب يوماً على نحو طوعي، لقرار دولي ملزم بالإنسحاب من أراض عربية احتلتها، وكانت القوة وحدها هي التي تجبرها على التخلي عن الأرض العربية التي تحتلها، إلا أن إسرائيل خرجت على العالم وعلى شعبها بادعاء الإنسحاب من لبنان تنفيذاً للقرار (425)، للحفاظ على ماء الوجه ليس إلا.
ﺠ- ورغم الإنسحاب غير الطوعي، فقد استمرت إسرائيل في احتلال مزارع شبعا وكفار شوبا حتى الآن، والاحتفاظ بالأسرى اللبنانيين الذين اختطفتهم في سجونها، وتركت حقول الألغام التي زرعتها في الجنوب اللبناني تهدد حياة المواطنين الأبرياء في لبنان.
د- وفي ضوء ما سبق، تركزت المطالب اللبنانية والمقاومة اللبنانية في ضرورة:
- انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
- الإفراج عن الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية.
- تسليم لبنان خرائط حقول الألغام التي زرعتها إسرائيل.
ﻫ- رغم قرارات الأمم المتحدة التي تنص على انسحاب إسرائيل من أراضي لبنان، ورغم المطالب اللبنانية بتنفيذ تلك القرارات، إلا أن إسرائيل لم تستجب لمطالب لبنان.
و- ومن الناحية الواقعية، فإن إسرائيل والأمم المتحدة ودول العالم أجمع، تعلم جيداً أنه لا يوجد أي تناسب من أي نوع بين قدرات الجيش اللبناني وقدرات جيش الكيان الصهيوني. وأمام عدم قيام الأمم المتحدة بدورها في إجبار إسرائيل على الإستجابة للمطالب اللبنانية، واعتماد إسرائيل على قوتها العسكرية التي لا يستطيع الجيش اللبناني مواجهتها، فإنه يصبح من الطبيعي أن يمارس الشعب اللبناني حقه في الدفاع عن أرضه ومطالبه العادلة، التي تقرها له المواثيق الدولية في مواجهة إسرائيل. وهذا ما أكدته المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، على ما أسلفنا.
ز- وإنطلاقاً من عدم قدرة الجيش اللبناني على مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية في حرب نظامية، فقد أصبح حزب الله يمثل المقاومة الشعبية المسلحة للدفاع عن أرض لبنان وحقوق شعبه. وقد أكدت هذا الحق الدولة اللبنانية بشكل واضح وصريح، إذ جاء في البيان الوزاري الذي قدمته حكومة لبنان الحالية الى مجلس النواب اللبناني للحصول على ثقة المجلس ما يلي:
"إن المقاومة اللبنانية هي تعبير صادق وطبيعي عن الحق الوطني للشعب اللبناني في تحرير أرضه والدفاع عن كرامته في مواجهة الإعتداءات والتهديدات والأطماع الإسرائيلية والعمل على استكمال تحرير الأرض اللبنانية."
وقد قام مجلس النواب اللبناني بمنح ثقته للحكومة على أساس البيان المذكور، وبالتالي فإن الدولة اللبنانية تقر وتؤكد حق حزب الله كمقاومة شعبية في الدفاع عن الوطن اللبناني وتحرير أرضه واسترداد حقوقه وإجبار إسرائيل على الإستجابة لمطالبه المشروعة سابقة الذكر.
ﺤ- أكد حزب الله كمقاومة شعبية لبنانية على ضرورة استجابة إسرائيل للمطالب اللبنانية الحقّة، وأعلن أنه لم يعد هناك من وسيلة للضغط على إسرائيل لتسليم الأسرى اللبنانيين سوى القيام بأسر جنود إسرائيليين لمبادلتهم بالأسرى اللبنانيين، خاصة وأن إسرائيل قد استجابت في الماضي الى عملية مبادلة الأسرى. وأكد حزب الله إعلانه هذا مرات عديدة في وسائل الإعلام المختلفة، وأمام الحكومة اللبنانية ومجلس النواب اللبناني، وفي لجنة الحوار الوطني اللبنانية التي تمثل كافة القوى والأطياف السياسية والطائفية في لبنان، وأصبح هذا الأمر معروفاً لإسرائيل ولكل دول العالم، هذا مع الأخذ بعين الإعتبار أن حزب الله يتمتع بمصداقية عالية حتى في أوساط الكيان الصهيوني، بالنسبة لجديته فيما أعلن عنه، وأن لديه الإمكانية لتنفيذ عملية الأسر.
ط- ومع عدم إستجابة إسرائيل لأي مطلب لبناني، قام حزب الله بدخول الأراضي التي يحتلها الكيان الصهيوني من فلسطين يوم 12/7/2006، وأسر جنديين إسرائيليين، بعد معركة مع القوات الإسرائيلية قتل فيها ثمانية من جنود إسرائيل. وكانت عملية حزب الله موجهة ضد العسكريين الإسرائيليين تحديداً ودون أي مساس بالمدنيين، الى الحد الذي أطلق عليها بأنها عملية عسكرية نظيفة.
ي- وفي أعقاب أسر الجنديين، شنت إسرائيل على مدى (33) يوماً، كما أسلفنا، هجوماً جوياً وبحرياً وبرياً على لبنان ودمرت البنايات والمنازل على ساكنيها، وارتكبت المجازر دون أية مراعاة لإنسانية البشر أطفالاً وشيوخاً ونساءً وآمنين، وهدمت البنية التحتية للبنان واستخدمت الأسلحة المحرمة بنصوص واضحة في الإتفاقيات والمواثيق الدولية، حتى تلك التي وقعت عليها إسرائيل.
ثالثاً: المقاومة اللبنانية هي صاحبة الحق في الدفاع الشرعي عن وطنها، وإسرائيل هي المعتدية بالتواطؤ مع أمريكا:
1- أعلنت إسرائيل أن قيامها بشن حرب على لبنان على النحو الذي حدث، هو مجرد دفاع عن النفس، لأن أسر الجنديين يشكل إعتداءً مسلحاً على إسرائيل وشن حرب عليها. وبالرغم من هذا الذي قامت به إسرائيل ضد المدنيين في لبنان، فقد وقف المجتمع الدولي موقفاً مخزياً عندما أيدت بعض الدول الغربية، وعلى رأسها أمريكا، الذريعة الإسرائيلية، وصمتت دول غربية أخرى صمتاً أصبح يُحمل على أنه موافقة ضمنية على ما تقوم به إسرائيل، في حين أن بعضاً ثالثاً من الدول أصبح يتحدث عن الإفراط في الاستخدام الإسرائيلي للقوة على النحو الذي حدث، دون أن يرتب أي موقف على هذا الذي اعتبره إفراطاً في استخدام القوة.
2- بل إن المجتمع الدولي الذي أصبحت تجسده أمريكا، قد تجاهل تفاهم نيسان الموقع في 26/4/1996 الذي ترعاه أمريكا وفرنسا والإتحاد الأوروبي وروسيا. إن هذا التفاهم الذي يستند الى ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، ووقعته الأطراف الدولية المذكورة، يلقي إلتزاماً دولياً محدداً على الجانبين الإسرائيلي واللبناني بعدم التعرض للمدنيين أو المساس بهم، في أي مواجهة بين الفريقين. لكن إسرائيل في حرب الـ (33) يوماً استهدفت المدنيين والأهداف المدنية وارتكبت المجازر في لبنان، دون أن يحرك ذلك ضمير الأطراف الدولية التي وقعت على التفاهم المذكور. وفي حقيقة الأمر، فإن ما قام به حزب الله يشكل عملية عسكرية محدودة لم يمسس فيها أي مدني إسرائيلي، الأمر الذي لا يبرر لإسرائيل ما قامت به من تدمير في لبنان بأي معيار من المعايير التي أصبحت مقبولة في المجتمع الدولي، وبشكل خاص الولايات المتحدة والأمم المتحدة. ومما يؤكد ذلك أن إسرائيل مارست عمليات القتل والأسر والاختطاف في لبنان وفلسطين على حد سواء، دون أن يفكر أحد في الأمم المتحدة وفي دول العالم الغربي، بأن ما قامت به إسرائيل يشكل إعتداءً مسلحاً يستوجب العقاب. فوفقاً لما أكده البيان المشترك لمؤتمر الرابطة الدولية للمحامين الديمقراطيين واتحاد المحامين العرب المنعقد في باريس يومي 26 و 27 آب/أغسطس 2006، فإنه منذ عام 2000 حتى قيام حرب تموز، سجلت الأمم المتحدة أكثر من (11000) خرق إسرائيلي للخط الأزرق الذي يفصل لبنان عن إسرائيل.
وفي هذا المجال، فإنه يكفي أن نسجل ما يلي:
- في عام 1989، قامت إسرائيل بخطف الشيخ عبد الكريم عبيد من غرفة نومه في بيته في قرية جبشيت في لبنان وذلك لمبادلته بطيار الفاتنوم الإسرائيلي رون أراد الذي سقطت طائرته في لبنان عام 1986 وتم أسره من قبل حركة أمل وتسلمه منها حزب الله عام 1988.
- وفي عام 1992، قامت إسرائيل باغتيال السيد عباس الموسوي داخل لبنان، عندما كان وقتها أميناً عاماً لحزب الله، وذلك إنتقاماً لأسر الطيار الإسرائيلي.
- وفي عام 1994، اختطفت إسرائيل السيد مصطفى الديراني (أبو علي) من بيته في قرية قسرنبه في لبنان من أجل مبادلته بالطيار رون أراد.
وجميع هؤلاء من قيادات حزب الله، وتم قتلهم أو اختطافهم من قبل إسرائيل داخل لبنان.
- قامت إسرائيل باستخدام السيارات المفخخة لاغتيال كل من:
- جهاد جبريل، عام 2002
- علي صالح، عام 2003
- غالب عوالي، عام 2004
(أنظر الدراسة المتميزة للدكتور خير الدين حسيب المنشورة في مجلة المستقبل العربي، عدد أيلول/سبتمبر، 2006، ص6 وما بعدها، وخاصة ص12، هامش 12)
- بل حتى بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم (1701) ووقف القتال بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل، قامت إسرائيل بعمليات إنزال وخطف وأسر داخل الأراضي اللبنانية، كان آخرها الأشخاص الستة الذين اختطفتهم إسرائيل يوم الجمعة 8/9/2006، وفرضت على لبنان والشعب اللبناني حصاراً برياً وبحرياً وجوياً ينتهك قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1701)، ومارست ولا تزال تمارس إنتهاك حرمة أجواء لبنان ومياهه الإقليمية وذلك بالمخالفة للقرار (1701) أيضاً.
3- ورغم جميع أعمال القتل والخطف والأسر التي تبينها الأمثلة السابقة، فقد صمت مجلس الأمن وسكتت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن إبداء أي احتجاج أو استنكار أو اتخاذ أي موقف ضد ما حدث. ويبدو أن هذا أمر طبيعي عند المجتمع الدولي، ما دامت أمريكا ترغب في ذلك، لأنها، أي أمريكا، تعتقد أنها هي المجتمع الدولي في الوقت الحاضر، وهي التي تقرر المسموح والممنوع في هذا العالم. فإذا كان ما قام به حزب الله يعتبر إعتداءً مسلحاً على إسرائيل يبيح للمجتمع الدولي وللأمم المتحدة الوقوف هذا الموقف الذي تم إتخاذه بشأن لبنان، فقد كان على المجتمع الدولي والأمم المتحدة الوقوف ذات الموقف من عمليات القتل والخطف والأسر التي قامت بها إسرائيل على النحو الذي سبق ذكره. أما الكيْل بمكياليْن، فهو أمر لا تقرّه الطبيعة البشرية ولا شرعة حقوق الإنسان ولا المواثيق والإتفاقيات الدولية.
4- ولعل أدق وصف لوضع إسرائيل وما تقوم به على المستويين الواقعي والقانوني في مواجهة العرب، هو ما ورد ذات مرة على لسان بن غوريون عندما خاطب ناحوم جولدمان(Nahum Gorldman) رئيس المؤتمر اليهودي العالمي (President of the World Jewish Congress) قائلاً:
"لو كنت قائداً عربياً فإنني لن أقيم أبداً علاقات متبادلة مع إسرائيل، وهذا أمر طبيعي: فنحن قد أخذنا بلدهم وأرضهم، صحيح أننا انحدرنا من إسرائيل، ولكن ذلك كان منذ ألفي عام، أيعني هذا لهم شيئاً؟ وصحيح أنه كان هناك معاداة للسامية، النازي، هتلر الألماني، لكن هل هذه غلطتهم؟ إنهم لا يرون إلا شيئاً واحداً وهو: أننا جئنا إلى هنا وسرقنا وطنهم، فلماذا عليهم القبول بذلك."
وبكلمات بن غوريون حسبما أوردها ناحوم جولدمان:
"If I were an Arab leader I would never make terms with Israel. That is natural: we have taken their country … We come from Israel, but two thousand years ago, and what is that to them? There has been anti Semitism, the Nazis, Hitler, Auschwitz, but was that their fault? They only see one thing: we have come here and stolen their country. Why should they accept that?" (Nahum Goldman, The Jewish Paradox, trans. Steve Cox-NY: Grosset and Dunlap, 1978,-p.99-quoted in the Israeli Lobby, op.cit, p.17).
5- والغريب في الأمر غرابةً تبلغ حد الشذوذ، أنه خلال فترة العدوان الإسرائيلي على لبنان في حرب تموز وارتكاب عمليات التدمير والمجازر والقتل، فقد عطلت أمريكا اجتماع مجلس الأمن الذي تقضي به المواد (35 و 36 و 39) من ميثاق الأمم المتحدة، وذلك من أجل مزيد من القتل والتدمير في لبنان. فبعد أسبوع من الإعتداء الإسرائيلي على لبنان، أي في 18/7/2006، صرّحت كوندليزا رايس وزيرة خارجية أمريكا بالقول أنه لم يحن الوقت بعد لوقف إطلاق النار وصدور قرار من الأمم المتحدة بهذا الشأن، وكررت ما قالته عدة مرات بعد ذلك، عندما أكدت أن هذه الحرب سوف تؤدي الى ولادة شرق أوسط جديد يتم فيه إعادة ترتيب المنطقة، بما يعني ذلك أن القتل والمجازر والتدمير في لبنان أمور مباحة ما دام أن إسرائيل هي التي تقارفها، وما دام أن ذلك سوف يحقق الهدف الأمريكي في ولادة الشرق الأوسط الجديد.
6.ولعل أي حجة أو ذريعة تبديها إسرائيل أو أمريكا ومن يسبح في فلكها، في اعتبار أن ما قام به حزب الله من خطف للجنديين يشكل مبرراً لجرائم إسرائيل في لبنان، يدحضه ما تم كشفه أخيراً من أن إسرائيل وأمريكا كانتا قد رتبتا أمر هذه الحرب منذ أكثر من عام عندما تم وضع خطة تقوم بموجبها إسرائيل باجتياح الجنوب اللبناني بشكل مباغت للإجهاز على حزب الله، سواء تمت عملية حزب الله وأسر الجنديين أو لم تتم، لكن مصادفة قيام حزب الله بالعملية هو الذي عجّل الهجوم الإسرائيلي قبل موعده. وفي هذا المجال، يؤكد ماثيو كالمان (Matthew Kalman) في مقاله تحت عنوان "إسرائيل وضعت خطة حربها منذ أكثر من سنة Israel set war plan more than a year ago" في "كرونيكال فورين سيرفس" (Chronicle Foreign Service) عدد 21/7/2006: "بأن الحرب الذي تقوم بها إسرائيل الآن (أي وقت نشر المقالة) قد تم وضع خطتها النهائية منذ أكثر من سنة... وتم شرحها للأمريكيين". ونقلاً عن أستاذ العلوم السياسية بروفيسور جيرالد ستينبرج (Gerald Steinberg, Professor of Political Science at Bar-Ilan University)، فإن الكاتب ماثيو كالمان يضيف في ذات المقالة:
"في جميع حروب إسرائيل منذ عام 1948، فإن هذه الحرب كانت أكثر الحروب التي استعدت لها إسرائيل".
وبكلمات الكاتب:
"Of all Israeli's wars since 1948, this was the one which Israel was most prepared."
7- أما الأكثر تفصيلاً عن التواطؤ الأمريكي الإسرائيلي، فقد جاء في دراسة تحقيقية للكاتب الأمريكي الشهير سيمور هيرش (Seymour M. Hersh) تحت عنوان"مراقبة لبنان "Watching Lebanon التي تتكون من (8) صفحات، في مجلة نيويوركر New Yorker، عدد 21/8/2006، حيث يبين الكاتب بوضوح أن الإدارة الأمريكية كانت شريكاً لإسرائيل في التخطيط للحرب ضد حزب الله، وكان الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني قانعين بذلك، ثم لحقت بهما كونداليزا رايس، وتم توزيع الأدوار على الفريقين الإسرائيلي والأمريكي وفقاً لهذه الخطة منذ أكثر من عام، وأنه سواء قام حزب الله بعملية 12/7/2006 أم لم يقم بذلك، فإن خطة الهجوم عليه وتدميره كانت جاهزة للتنفيذ وتنتظر إشارة البدء.
8- وفي ضوء ما سبق، فإن ما قامت به إسرائيل في لبنان كان عملاً مبيتاً ومخططاً له سلفاً ومرتباً له مع أمريكا، مما يجعل ما قارفته إسرائيل من جرائم قد تم عن سابق عمد وتصميم وإصرار، ويجعل من أمريكا التي تواطأت وقدمت السلاح لإسرائيل، حتى المحرم منه دولياً، على نحو عاجل، شريكاً كاملاً لإسرائيل في مقارفة تلك الجرائم.
9- ويلاحظ هنا أن القرار (1701) الذي أصدره مجلس الأمن، قد تم اتخاذه تحت الفصل السادس من الميثاق، الذي لا يمكن الإستناد إليه في استخدام القوة لفض النزاعات الدولية، لأن هذا الفصل يتطلب استخدام الوسائل السلمية في هذا المجال، لكن أمريكا استطاعت أن تضع في القرار المذكور بنداً خطيراً جداً لكي تتولى بعد ذلك إدخال الأمر تحت الفصل السابع الذي يؤكد أنه إذا وقع تهديد للسلام والأمن الدوليين، فإن مجلس الأمن هو الذي يقرر ما يجب اتخاذه من تدابير، بما فيه استخدام القوات الجوية والبحرية والبرية لحفظ السلم والأمن الدوليين. ومن هذا المنطلق، فقد أصرت أمريكا على أن تضع في الفقرة الأخيرة من مقدمة القرار ما يلي:
يقرر مجلس الأمن: "أن الحالة في لبنان تشكل تهديداً للسلام والأمن الدوليين."
وبمقتضى هذا الذي أرادت أمريكا أن يقرره مجلس الأمن، فقد فتحت الباب على مصراعيه للدخول الى الفصل السابع من الميثاق واستخدام القوة العسكرية الدولية ضد لبنان وحزب الله في المرحلة القادمة مع جميع ما يترتب على ذلك من نتائج.
رابعاًً: استخدام القانون والمحكمة الدولية كان قبل تموز وسيلة ضغط فشل جدواها:
1. تهديد سوريا وحزب الله لم يُجْدِ عند أمريكا نفعاً:
يشكل احتلال أمريكا للعراق في نيسان /أبريل عام 2003 واحدة من أكثر الأعمال والحروب قذارة في التاريخ الإنساني، وتشكل الأعذار التي استخدمتها أمريكا أكثر الأعذار قباحة في تاريخ الحروب. إن تدمير أمريكا لدولة العراق وإعادة واقعها إلى القرون الوسط، كان يستند إلى ذريعة وجود أسلحة الدمار الشامل فيه. وعندما ظهر زيف هذه الذريعة، أصبحت الذريعة التي تليها رغبة أمريكا في إقامة الديمقراطية في العراق. ولم تخجل أمريكا ولا من يقف معها في استمرار الحديث عن ذريعة الديمقراطية، في الوقت الذي يشهد فيه العراق تمزيقاً إلى شيع وطوائف، وذبحاً وقتلاً لأبنائه على مدى أكثر من أربع سنوات حتى الآن، تم خلالها الإجهاز على مليون عراقي، وإشعال حرب أهلية بين سكانه، وأصبحت شركات القتل الأمريكية التي تستأجر المرتزقة من كل الألوان والأجناس ومعها الموساد الإسرائيلي والجيش الأمريكي، تتقاسم أجزاء العراق لتتنافس وتتسابق على الفوز بجائزة من يقتل أكثر. وكان اللوبي الإسرائيلي في أمريكا المتعاضد مع المحافظين الجدد وراء إحتلال العراق وعلى رأس أهدافهم تحقيق مصلحة إسرائيل. ويكفي في هذا المجال أن نشير إلى ما أكده رجل الكونغرس الأمريكي جيمس موران (Congressman James P. Moran) في جريدة الواشنطن بوست على أعقاب التحضيرات النهائية لإحتلال العراق وقبيل الحرب مباشرة، أي في 11/3/2003، حيث قال:
"لو لم تكن هذه الحرب من أجل التأييد القوي للجالية اليهودية، فما كنا لنقوم بها"
وبلغة موران:
If we were not for the strong support of the Jewish community for this war with Iraq, we would not be doing this."
على أنه ما إن تم إحتلال العراق، حتى أخذ اللوبي الإسرائيلي في أمريكا، ومعه المحافظون الجدد، بتوجيه أمريكا لإعلان حربها على سوريا وعلى حزب الله الذي يشكل المقاومة على الأرض اللبنانية ضد إسرائيل. وإذا كان هذا الأمر أصبح من العلم العام للجميع ولا يحتاج حديث أو شرح، فإننا نكتفي هنا بالإشارة إلى بعض ما أعلنه فرسان الحروب على أمتنا، حيث كتب (David R. Sands) في الواشنطن بوست بتاريخ 16/4/2003 يقول: "علينا توجيه حرب إلى سوريا مماثلة لحرب العراق". وفي 15/4/2003، كتب يوسين كلين هليفي في جريدة لوس أنجلوس تايمز مقالة بعنوان: "الخطوة الثانية هي توجيه القوة ضد سوريا". وفي 16/4/2003، كتب زيف شافيتز مقالاً لجريدة نيويورك تايمز بعنوان: "سوريا صديقة الإرهاب تحتاج إلى تغيير أيضا". أما بالنسبة لحزب الله، فقد كتب أوري نير (Ori Nir) في الـ (Forward) بتاريخ 11/4/2003 مقالة بعنوان: "القدس تستعجل بوش: الهدف التالي حزب الله". "Jerusalem Urges Bush: Next Target Hezbbollah". وبتاريخ 12/12/2003، وقّع الرئيس بوش "قانون محاسبة سوريا" "The Syria Accountability Act"، بعد أن تم إقرار هذا القانون في مجلس النواب بأغلبية (398) صوتاً ضد (4) أصوات، وفي مجلس الشيوخ بأغلبية (89) صوتاً ضد (4) أصوات، وذلك بضغط من اللوبي الإسرائيلي والمحافظين الجدد. وهكذا، أخذت أمريكا بفتح النار بإتجاه سوريا (Gunning for Syria).
وخلال الفترة منذ منتصف عام 2004 حتى 12 تموز/يوليو عام 2006، أطلقت أمريكا على سوريا بالإضافة الى إيران وكوريا الشمالية اسم دول محور الشر. وأخذت أمريكا توجه التهديد تلو التهديد إلى سوريا، حتى وصل الأمر بأمريكا أن جعلت شبح الحرب يخيم على العالم، وبأنها توشك أن تعاقب سوريا بشن الحرب عليها.
أما مطالب أمريكا من سوريا من أجل التهدئة معها، فهي وقف مساعدتها للمقاومة في العراق، ومساعدة أمريكا للقضاء على المقاومة العراقية لإخراج أمريكا من ورطتها في العراق، ووقف تعاونها مع إيران، ثم وقف مساعدة سوريا ومساندتها لحزب الله في لبنان وحماس في فلسطين، وطرد قيادات المقاومة الفلسطينية من دمشق.
أما حزب الله، فرغم أنه في عيون العالم العربي والعالم الإسلامي يشكل المقاومة الشريفة التي تدافع عن أرضها ووطنها، وقامت بتحرير أرض لبنان عام 2000 من الإحتلال الإسرائيلي، وفرضت على إسرائيل حقوق لبنان عام 2006 في حرب تموز، ويعتبره الشارع العربي والإسلامي ظاهرة تحتذى في الجهاد والتضحية، ويدعو المخلصون من أبناء الشعوب العربية والإسلامية للإقتداء بها، نقول رغم ذلك، فلا مانع عند أمريكا أن تتحدى مشاعر مليار ونصف عربي ومسلم وتعلن أن حزب الله منظمة إرهابية. وصمدت سوريا أمام الضغوط الأمريكية، وصمد حزب الله في القيام بواجبه المقدس في الدفاع عن أرضه ووطنه.
وخلال هذه الفترة تم اغتيال المرحوم الرئيس رفيق الحريري في 14/2/2005. وكان لهذا الحادث الآثم آثاره الكبيرة وصداه المدوي في لبنان والعالمين العربي والإسلامي وجميع أنحاء المعمورة، وأصبح من الضروري معرفة من كان وراء هذا العمل الإرهابي ليمثل أمام القضاء ونيل الجزاء الذي يستحقه.
وأصدر مجلس الأمن قراره رقم (1595) بإنشاء لجنة تحقيق دولية وتم تعيين القاضي الألماني ديتليف ميليس رئيساً للجنة التحقيق، حيث قدم هذا القاضي تقريرين تحقيقيين: الأول بتاريخ 19/5/2005، والثاني في 12/12/2005. وبمعزل عن مخالفة التقريرين لبديهيات علم التحقيق وأصول الإجراءات الجزائية في النظام القانوني اللبناني والعربي والنظام اللاتيني الجيرماني والنظام