Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
البعد الاستراتيجي لانتصار المقاومة
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  دراسات  »  الندوة القومية الأولى بمناسبة مرور عام على العدوان  »  البعد الاستراتيجي لانتصار المقاومة
البعد الاستراتيجي لانتصار المقاومة
 د. محمد السعيد ادريس | نشر  07/25/2007 | الندوة القومية الأولى بمناسبة مرور عام على العدوان
د. محمد السعيد ادريس

كاتب مصري
- رئيس البرنامج العلمى للدراسات الخليجية
 - رئيس وحدة دراسات الثورة المصرية
 - رئيس تحرير مجلة مختارات إيرانية

 

عرض جميع مقالات د. محمد السعيد ادريس
البعد الاستراتيجي لانتصار المقاومة

المنتدى القومي العربي في لبنان
عام على حرب تموز العدوانية انتصار لبنان المقاوم: ابعاد وتفاعلات عربية
بيروت – لبنان 16 – 17 تموز/يوليو 2007.

يكتسب البعد الاستراتيجي لانتصار المقاومة في الحرب التي شنها الكيان الصهيوني على لبنان – صيف 2006 اهميته من الاسباب الحقيقية التي دفعت الإسرائيليين لشن هذه الحرب من ناحية وللأهداف التي كان يسعى الإسرائيليون والأمريكيون تحقيقها من هذه الحرب من ناحية اخرى. ادراك هذه الاسباب والوعي لها ومعرفة تلك الاهداف واستيعابها هو الذي يكسب الانتصار بعده الاستراتيجي الحقيقي.

أولاً: اسباب هذه الحرب

من الصعب الفصل بين الحرب الإسرائيلية على لبنان صيف 2006 والاحتلال الأمريكي للعراق وتداعياته. فنجاح القوات الأمريكية – البريطانية في غزو العراق واحتلاله في مارس – ابريل 2003 اغرى اطرافاً لبنانية بعينها للسعي من اجل اسقاط المعادلة السياسية القائمة في لبنان منذ ان اصبحت المقاومة رقماً أساسياً في هذهالمعادلة. هذه الاطراف اعتقدت ان الظروف باتت سانحة للتخلص من النفوذ السوري في لبنان ومن المقاومة معاً وفرض معادلة سياسية جديدة تتوافق مع تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق.

وقد وجد هذا الطموح ما يؤيده ويسانده عند الأمريكيين والفرنسيين وجاء القرار رقم 1559 الصادر عن مجلس الامن في 2/9/2004 ليمثل انتصارا لهذا التوجه حيث نص على بنود اربعة هي:

- انسحاب كل ما تبقى من القوات الاجنبية من لبنان (والمقصود هنا هو انسحاب القوات السورية دون قوات الاحتلال الإسرائيلية من مزارع شبعا وفقاًُ لعدم اعتراف الامم المتحدة بأن مزارع شبعا تابعة للسيادة اللبنانية).

- تفكيك ونزع سلاح كل الميليشياتاللبنانية وغير اللبنانية (والمقصود هنا هو نزع سلاح حزب الله والتخلص من المقاومة).

- دعم توسيع سلطة حكومة لبنان على كامل الارض اللبنانية (والمقصود هنا اعادة انتخاب رئيس جديد للجمهورية دون تدخل سوري بديل للرئيس اميل لحود).

وبعد نجاح الضغوط الأمريكية والفرنسية على سوريا للانسحاب من لبنان بدأ الاتجاه نحو تصعيد المطالبة بنزع سلاح المقاومة وارسال الجيش اللبناني الى الجنوب في مناطق الحدود مع إسرائيل.

ولكن فشل الضغوط الداخلية لتحقيق هذين المطلبين كان حافزا للأمريكيين للتدخل لفرض تنفيذ الشق اللبناني من القرار 1559 وبالتحديد نزع سلاح المقاومة، ان تجريد حزب الله من اسلحته وتحويلهالى حزب سياسي والى مجرد طرف في المعادلة السياسية الداخلية، كان هو السبب الاول للحرب الإسرائيلية على لبنان من اجل تنفيذ الشق اللبناني من القرار 1559.

اما السبب الثاني فله علاقة هو الاخر بالاحتلال الأمريكي للعراق واحتلاله. فاذا كان النجاج الأمريكي سبب في اسقاط نظام صدام حسين واحتلال العراق قد شجع اطرافاًُ لبنانية بدعم أمريكي – فرنسي للسعي من اجل فرض معادلة سياسية جديدة في لبنان تتمشى مع المتغيرات الجديدة وتخليص لبنان من سوريا وحزب الله، فان فشل المشروع الأمريكي في العراق بسبب النجاحات التي حققتها المقاومة العراقية للاحتلال قد افشل مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي جاء عنوانا للاحتلال الأمريكي للعراق،ودفع الأمريكيين الى البحث في فرض مشروع اخر بديل هو مشروع "الشرق الاوسط الجديد"، الذي قالت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس انه "سوف يولد من رحم هذه الحرب" وتقصد الحرب الإسرائيلية على لبنان.

لقد كان مشروع "الشرق الاوسط الكبير" يرمي الى اعادة ترسيم الخرائط السياسية في المنطقة باسقاط ما أسماه الأمريكيون ب"الدولة الفاشلة" التي افرض الارهاب بسبب فشلها في التجاوب مع المطالب السياسية والاجتماعية والاقتصادية لشعوبها. والمعني المباشر لاعادة ترسيم الخرائط السياسية هو اعادة تقسيم ما سبق تقسيمه من ارض العرب ابتداء من اتفاقية سايكس – بيكو، ووعد بلفور ومجمل اتفاقيات التقسيم الأخرى التي اجراها البريطانيون والفرنسيونوانشاء دويلات طائفية وعرقية على انقاض الدول القائمة تكون اكثر انسجاماً مع مكوناتها الاجتماعيةعلى العكس من الدول العربية الحالية.

كان الشعار هو الديمقراطية واسقاط "الدولة الفاشلة"، وبدأت الخطة من العراق من خلال فرض نظام المحاصصة السياسية ابتداء من مجلس الحكم الانتقالي، وقانون بول بريمر، ثم الدستور العراقي الذي تحدث ايضا عن الفيدراليات كمدخل لاعادة تقسيم العراق على اسس عرقية وطائفية الى دويلات ثلاث: كردية وشيعية وسنية.

فشل هذا المشروع في العراقوسقوط النموذج الأمريكي الديمقراطي العراقي مع اهوال الحرب داخل العراق والاقتتال الطائفي البغيض دفع الأمريكيينالى البحث عن مشروع بديل يفرض نوعاً جديداً من الاستقطاب الاقليمي بين "محور للاعتدال" يضم الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة والمستعدة للانخراط في ما سمي بـ "الحرب على الارهاب" و"محور الشر: الذي يرعى الارهاب ويدعمه ويمارسه ويضم ايران وسوريا وحزب الله في لبنان وكل من حركتي "حماس و "الجهاد الاسلامي" في فلسطين.

اصبحت الحرب مع "محور الشر" هدفاً أمريكيا اساسياً ثم تحولت الى سبب ودافع رئيسي لشن الحرب على لبنان، أي ان تكون البداية بحزب الله، ومن بعده يأتي الدور على سوريا وايران، وتقوم إسرائيل بتصفية حركتي "حماس" و "الجهاد الاسلامي" داخل فلسطين.

لهذين السببين : تنفيذ الشق الثاني من القرار 1559 أي تصفية المقاومة اللبنانية ونزع سلاحها وابعادها عنالجنوب اللبناني، ثم تصفية القدرات العسكرية لحزب الله كبداية لحرب أطول ضد ايران كان القرار الإسرائيلي – الأمريكي المشترك بشن الحرب على لبنان، وهو القرار الذي اتخذ قبل اشهر عدة من تنفيذه نحت اشراف ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي، وبقي مؤجلاً في انتظار الحدث الذي يمكن ان يتخذ ذريعة لشن هذه الحرب. وجاءت عملية "الوعد الصادق" التي قامت بها المقاومة اللبنانية ضد وحدة من قوات الجيش الإسرائيلي لتقدم المبرر المباشر لشن الحرب على لبنان.

فبعد مداولات أمنية مكثفة انعقدت الحكومة الإسرائيلية في اجتماع طارئ في اول رد فعل على عملية "الوعد الصادق"، وقررت تفويض طاقم وزاري باتخاذ الخطوات المناسبة لتنفيذ القرارات التي اتخذتها وفي مقدمتها اعلان الحرب على حزب الله في اطار "المواجهة الكبرى" التي بدأت، وان هذه القرارات ستنفذ لتحقيق هدفين : الاول ضربة مؤلمة لحزب الله والبنى التحتية اللبنانية، والثاني، إبعاد حزب الله عن الحدود بجهد عسكري ودبلوماسي على الصعيد الدولي، واطلقت إسرائيل على حربها تلك تسمية "الجزاء المناسب" واعتبر دان حالوتس رئيس الاركانان العملية (يقصد الحرب على لبنان) "تعتبر نقطة تحول" وألمح الى ان الرد سيكون في لبنان او سوريا او الاثنينمعا.

ثانيا: اهداف الحرب

كشف تداعي احداث الحرب الإسرائيلية على لبنان انها لم تكن مجرد حرب إسرائيلية فقط بل هي حرب أمريكية في الاساس، وان اهدافها تتعدى الانتقام لعملية "الوعد الصادق" وان اهم هذه الاهداف هو بالتحديد حرب بناء شرق اوسط جديد من خلال حرب واسعة وشاملة تبدأ بلبنان وتمتد الى ايران وسوريا.

التعليقات الاولى لكبار المسؤولين الإسرائيليين على هذه الحرب حرصت على تصويرها على انها رد فعل على "تجرؤ" حزب الله على إسرائيل. ايهود اولمرت كان واضحاً جدا في تأكيد هذا المعنى في الوقت الذي حرص فيه على الربط بين ما يحدث في غزة (الجنوب) وما حدث في الشمال (جنوب لبنان). ففي اعقاب الاجتماع الوزاري المشار اليه قال ان "جهات في الشمال والجنوب تحاول وضع إسرائيل امام امتحان"، ووصف عملية حزب الله بأنها "عمل حرب" وخلص الى ان دولة إسرائيل ومواطنيها يقفون امام اختبار، وسبق لهم ان اجتازوا امتحانات صعبة بل وأصعب وأشد تعقيداً من هذه ونحن في دولة إسرائيل سنعرف كيف نتغلب ايضا على من يحاولون المساس بنا"، وقال: "لقد امرت بتنفيذ سلسلة من العمليات الشديدة في لبنان وسوف نستعد بشكل مناسب ايضاً ضد سوريا"، وصعد من موقفه السياسي، وكرر موقفه من مسألة تبادل الاسرى وقال : "لقد اوضحت طوال الوقت اننا لن نخضع للمنظمات الارهابية ولن نخضع للابتزاز، ونحن لن ندير أي مفاوضات مع المنظمات الارهابية، انهم يريدون اختبار عزمنا وسوف يفشلون في ذلك وسيدفعون ثمن تجرؤهم علينا".

لم يكن موقف عمير بيرتس وزير الدفاع أقل حزماً من رئيس حكومته حيث اكد ان بلاده لن توقف هجماتها على لبنان" ما لم تتغير الحقيقة بما يضمن عدم بقاء وجود تهديد لإسرائيل من قبل حزب الله" وكان يقصد بالطبع ما لم تتغير المعادلة العسكرية في جنوب لبنان ويتم تأمين سلام حقيقي لشمال إسرائيل وهو أمر لا يتحقق الا بانتفاء وجود او بقاء أي امكانية لحزب الله على ممارسة التهديد. لذلك تعمد ايهود اولمرت تحديد اهداف الحرب من خلال كشفه عن شروط وقفها التي حددها بثلاثة شروط هي : تجريد حزب الله من سلاحه، وتطبيق القرار 1559، وبالتحديد الشق الثاني المتبقي من هذا القرار والمتعلق بنزع سلاح المقاومة، وأخيراً اطلاق الجنديين الاسيرين".

واذا كان الإسرائيليون قد ركزوا على تحميل حزب الله مسؤولية الحرب، وحرصوا على تصوير حربهم على لبنان على انها "حرب دفاعية"، وانها فرصة لفرض شروط تأمين إسرائيل، فان الادارة الأمريكية هي التي بادرت بتوسيع مسؤولية الحرب، في وقت مبكر جداً، لتشمل سوريا وايران. الرئيس جورج بوش اكد هذا في مؤتمر صحفي مع المستشارة الالمانية انجيلا ميركل بمدينة سترالسند الالمانية وطالب "العالم المحب للسلام" ان يتحد لدعم "ممثلي السلام في المنطقة" ومن بينهم إسرائيل والرئيس الفلسطيني محمود عباس وقال: " هناك مجموعة من الارهابيين ترغب في ايقاف تقدم السلام – إسرائيلي ومحمود عباس- لانجاز اهدافهم" واعتبر فريدريك جونز الناطق باسم مجلس الامن القومي الأمريكي ان عملية "الوعد الصادق" التي نفذتها قوات حزب الله في شمال إسرائيلي" هجوم ارهابي، ومن الواضح ان توقيته مقصود لزيادة التوترات الشديدة بالفعل في المنطقة ونشر مزيد من العنف". اما توني سنو السكرتير الصحفي للبيت الابيض فقد اتهم في بيان رسمي سوريا وايران بالمسؤولية وقال :" نحن نعد كل من سوريا وايران اللتين قدمتا دعماً لحزب الله مسؤولتين عن العنف الحاصل اليوم".

واذا كان بوش قد تحفظ في بداية الحرب على اتهام ايران وسوريا بالمسؤولية فانه عاد، وبعد ايام قليلة ليحملهما كل المسؤولية ففي كلمة معدة مسبقاً، حدد بوش النقاط الاساسية للأزمة. فقد اعتبر ان الحرب اندلعت "اثر عملية قامت بها مجموعة حزب الله الارهابية وخطفت خلالهاجنديين إسرائيليين، واطلقت صواريخ على المدن الإسرائيلية"، كما اعتبر ان الحرب التي تشنها إسرائيل ضد لبنان دفاع عن النفس وقال: " اعتقد ان من حق الدول ذات السيادة ان تدافع عن مواطنيها، وان تتخذ الاجراءات الضرورية لمنع هذه الهجمات"، وأشار الى ان "مجلس الامن تبنى في عام 2004 قراراً(يقصد القرار 1559) ينص خصوصاً على نزع اسلحة الميليشيات في لبنان"، واتهم حزب الله بأنه "يتحدى المطالب العادلة للمجموعة الدولية بتمسكه بأسلحة ميليشياته في جنوب لبنان، وبهجومه على إسرائيل، وبتحديه الحكومة اللبنانية المنتخبة ديمقراطياً". كما اعتبر ان "حزب الله عرض للخطر بهذه العمليات، التقدم الكبير في لبنان". ثم انتقل بوش بعد ذلك الى تحميل ايران وسوريا المسؤولية كاملة بحكم علاقتهما الخاصة مع حزب الله. "فسوريا هي الداعم الاساسي لحزب الله منذ سنوات وساعدته بأسلحة مصنوعة في ايران، والنظام الايراني تحدى الاسرة الدولية مرات عدة بطموحاته في امتلاك اسحلة نووية ومساعدته مجموعة ارهابية"، واعتبر بوش ان اعمال ايران وسوريا "تهدد الشرق الاوسط برمته، وتعرقل تسوية الازمة الحالية واحلال سلام دائم في هذه المنطقة المضطربة".

هذه المواقف الرسمية المعلنةلكبار المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين دعمتها رؤى "مراكز التفكير"Think Tanks الأمريكية، وربما بدرجة اعلى من السفور والتطرف على نحو ما كتبمايكل ليدن الخبير السياسي الأمريكي الذي عمل سابقا مستشارا في وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكية في مقال نشر يوم 13يوليو 2006 على موقع معهد أمريكان انستيوت (AEI) تحت عنوان "نفس الحرب"، حيث شبه حرب إسرائيل على لبنان بحرب اوكتوبر 1973،" لكنها تجري هذه المرة من حماس بغزة الى حزب الله في لبنان وترتبط بالتمرد في العراق، والعامل المحرك لهذا كله هو نظام الملالي في طهران، فايران حسب قوله "لها اليد الطولى في ما يحدث".

وعلى نحو مشابه اكد مايكل ايزنشتاوت مدير برنامج الدراسات العسكرية والامنية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى في مقال نشره في يوم 13 يوليو /تموز 2006 على موقع المعهد تحت عنوان "حزب الله يفتح جبهة ثانية" ان الدور الايراني والسوري في تلك الازمة محوري واساسي،"فالهجمات التي تشن على إسرائيل تم الاعداد لها جيداً في طهران كما ان الدولتين من اكثر الرابحين جراء توسيع نطاق الحرب". واتفق ايزنشتاوت مع مايكل ليدن على "ان ما يقوم به حزب الله ضد إسرائيل يكشف عن ان الحزب ينفذ بالتأكيد غالبية القرارات المحورية التي ترسمها القيادة الدينية الايرانية، ولا يمكن تصديق ان الحزب لم ينل موافقة طهران قبل الاقبال على تلك الخطوة المحفوفة بالمخاطر". لم يكتف ايزنشتاوت بذلك بل انه اعتبر ايضاً ان "توقيت عملية حزب الله ضد إسرائيل يخدم هدف طهران الاساسي بتحويل الانتباه العالمي عن ملفها النووي" اما سوريا فقد تحولت بفضل هذه الازمة الى قبلة يحج اليها الدبلوماسيون العرب والاجانب وباتت محط انظار الجميع للدور المرتقب الذي يمكن ان تلعبه في الضغط على قيادات حماس لديها من اجل التوصل الى اتفاق للافراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط المختطف لدى حركة "حماس" في غزة، كما ان "الرئيس السوري يسعى للاستفادة من الوضع الحالي لاخراج بلاده من العزلة الدولية المفروضة عليها، الأمر الذي يعني ان حزب الله يقدم الى دمشق فرصة لفرض هذه الاجندة".

في الوقت نفسه تقريبا عقد الرئيس الأمريكي جورج بوش سلسلة اجتماعات في وزارتي الدفاع والخارجية مع كبار المسؤولين في الادارة وخبراء في الشؤون العسكرية والأمن القومي، تركزت حول ما سمي بـ "قوس الازمة" الممتد من الخليج العربي الى الشرق الادنى في اشارة الى الوضع المتأزم في العراق، والمواجهة مع ايران بأبعادها الاقليمية التي "اشعلت الحرب بين إسرائيل من جهة وحزب الله وحركة حماس من جهة اخرى". وأوضح مسؤول في الأمن القومي الأمريكي عقب هذه اللقاءات ان الادارة الأمريكية " لا يمكن ان تفصل التصعيد العسكري والامني في المنطقة عن المواجهة السياسية مع المجتمع الدولي وكل من ايران وسوريا الداعمتين للارهاب، وسعى طهران الى الحصول على اسلحة دمار شامل"، واكد ان "الرئيس بوش متمسك بضرورة نزع سلاح حزب الله نهائياً، واتاحة المجال للحكومة اللبنانية الشرعية لفرض سيادتها ونشر قواتها في الجنوب.

وحسم الرئيس بوش طبيعة الحرب بين إسرائيل وحزب الله على انها "جزء من صراع اكبر بين الحرية والارهاب"، وربط بين الحروب الدائرة على الجبهات الثلاث في لبنان والعراق وافغانستان باعتبارها حرب واحدة ضد الارهاب، كما ربط بين هذه الحروب وازمة البرنامج النووي الايراني بقوله:" نستطيع فقط ان نتخيل خطورة هذا الصراع لو ان ايران تملك القنبلة النووية" ولمزيد من تأكيد خطورة ايران اتجه الرئيس الأمريكي خطوة اخرى بالربط بين ايران وتنظيم القاعدة من ناحية والتهديدات التي تواجه الامن الوطني الأمريكي من ناحية اخرى حيث قال ان الولايات المتحدة تواجه تحركاً عدائياً شيعياً تقوده ايران التي تشارك وتنظيم القاعدة في نفس الاهداف مشيراً الى ان المجموعتين تمثلان " وجهان مختلفان لذات التهديد".

وفق هذا الادراك جاءت الحرب الإسرائيلية على لبنان باهداف واضحة هي ان تكون مدخلاً للتخلص من التهديدات والمخاطر التي يمثلها حزب الله وايران وسوريا لإسرائيل وللمصالح الأمريكية في الشرق الاوسط تمهيداً لبناء شرق اوسط جديد خال من هذا المحور المتهم بانه "محور الشر".

ولقد كشفت وثائق ومعلومات كثيرة مدى تورط الولايات المتحدة في التخطيط للحرب ضد لبنان ورعايتها وتقديم كل الدعم العسكري والسياسي كي تحقق هذه الحرب اهدافها.

من ابرز هذه المعلومات ذلك التقرير الذي كتبه واين مادسن (مسؤول سابق في البحرية الأمريكية وعين لفترة في وكالة الامن القومي، ويقوم منذ عام 1994 بتغطية اخبار السياسة والامن القومي وله مؤلفات مهمة) على موقعه على شبكة الانترنت يوم 25 يوليو 2006، والتقرير الذي نشره سيمور هيرش الكاتب الأمريكي المرموق في مجلة نيويوركر، وكل من هذين التقريرين يؤكد التورط الأمريكي مع الإسرائيليين في الاعداد لهذه الحرب التي تتجاوز حزب الله وايران وتركز على كل من ايران وسوريا.

ففي تقريره الذي حمل عنوان "اجتياح لبنان وغزة تم التخطيط لهما في يونيو 2006 خلال اجتماعات في الولايات المتحدة مع مسؤولين إسرائيليين كبار" كشف واين مادسن ان الغزو الإسرائيلي للبنان تم التخطيط له بين مسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى واعضاء في ادارة الرئيس الأمريكي جورج بوش ففي 17 و18 يونيو التقى ريس الوزراء الإسرائيلي الاسبق بنيامين نتنياهو والنائب الإسرائيلي ناتان شارانسكي مع نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني في مؤتمرلمعهد اميركان انتربرايز انستيتيوت في بيفر كريك كولورادو وهناك تمت مناقشة الاجتياحين الإسرائيليين الوشيكين لغزة ولبنان. وبعد الحصول على الدعم الكامل من تشيني لغزو غزة ولبنان، عاد نتنياهو الى إسرائيل وشارك في اجتماع خاص لرؤساء الوزراء السابقين، حيث نقل دعم ادارة بوش لتنفيذ سياسة "اختراق واضح" (تقرير استراتيجي أعدته في عام 1996 شخصيات أمريكية محافظة بارزة مثل ريتشارد بيرل وجيمس كولبرت وتشارلز فيربانكس جونيور ودوجلاس فيث وروبرت لوينبرج وديفيد وارمسير، ليهتدى به نتنياهو بعد وصوله الى السلطة في العام ذاته) وشارك في ذلك الاجتماع، بالاضافة الى نتنياهو، كل من رئيس الحكومة الحالي ايهود اولمرت ورئيسي الوزراء الاسبقين ايهود باراك وشمعون بيريز.

ونقل مادسن عن مصادر في واشنطن ان اجتياحي غزة ولبنان المدعومين أمريكيا والهجومين الوشيكين على سوريا وايران، تشكل "الحدث" المشتبه بحدوثه قبل الانتخابات (النصفية) في الولايات المتحدة في نوفمبر 2006 ومحاولة لحشد الجمهور الأمريكي حول نظام بوش - تشيني خلال فترة حرب واسعة.

وأوضح، استناداً الى مصادر مطلعة في واشنطن، ان "الهجوم الإسرائيلي على لبنان تمت ادارته بين حكومة اولمرت والمحافظين الجدد في ادارة بوش"، مضيفاً ان "ادارة بوش كانت على علم مسبق ودعمت الهجمات التي كانت إسرائيل تعتزم شنها على غزة ولبنان"، واشار الى ان تنسيق ادارة بوش مع إسرائيل في الهجوم على حماس وحزب الله يشمل تبني البيت الابيض رسمياً وثيقة "الاختراق الواضح: الاستراتيجيات الجديدة للأمن في العالم"، في اطار تنفيذ المرحلة الثانية من هذه الوثيقة، حيث نفذت المرحلة الاولى في العراق، وجاء الدور على فلسطين ولبنان في انتظار اكمال المهمة مع كل من ايران وسوريا.

وأوضح مادسن ان الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية الحالية في قصف لبنان واجتياحه هي علمية متابعة لاربع سنوات من النشاطات السرية للبنتاجون والبيت الابيضوالموساد داخل لبنان، والتي تضمنت اغتيال مسؤولين لبنانيين كبار بسيارات مفخخة من اجل اخراج القوات السورية من لبنان. واشار الى "تدريبات إسرائيلية" للتعامل مع خطف حزب الله لجنود إسرائيليين وعلى عملية خطف حماس لجندي إسرائيلي قرب الحدود في غزة.واضاف ان هذه العمليات "أمنت ذريعة للهجوم الإسرائيلي على غزة ولبنان" وتابع: تم وضع خطط مماثلة للرد على اسر سوريا لجنود إسرائيليين في لبنان قرب الحدود مع سوريا او من مرتفعات الجولان. ان هذا سيبرر هحوماً إسرائيلياً أمريكياً على سوريا، عبر دخول إسرائيل من لبنان، وأمريكا من العراق" وكشف ان سوريا (وايران في نهاية الامر) هما السبب وراء محاولة الولايات المتحدة عرقلة محاولات الامم المتحدة التوصل الى وقف فوري لاطلاق النار ان هدف ادارة بوش هو رؤية توسع النزاع، مشيرا الى ان "المندوب الأمريكي في الامم المتحدة جون بولتون كشف خلال مقابلة مع (فوكس نيوز) عن الخطة الأمريكية الإسرائيلية المستقبلية للحرب الاقليمية في الشرق الاوسط عندما قال: اعتقد انه اذا نظرتم الى الدعم الذي تقدمه ايران وسوريا الى جماعات مثل حماس وحزب الله والجهاد الاسلامي في فلسطين، فان تصفية الحساب التي نحتاجها هنا، لن تكون فقط مع المنظمات الارهابية، لكن ايضا مع الدول التي تمولهم".

لم يختلف تقرير سيمور هيرش في مجلة نيويوركر كثيراً عن المعلومات التي ذكرها واين مادسن، وان كان قد ركز على ما أسماه بـ "خيار كوسوفو" وهو الخيار العسكري الذي نفذته قوات حلف شمال الاطلسي ضد القوات الصربية في كوسوفو وكانت نتائجه ايجابية، وهو الخيار القائم على قصف جوي مكثف لمدة 70 يوماً يأتي بعده التدخل العسكري البري، بحيث تقوم القوات الإسرائيلية بتجربته في لبنان، وفي حال نجاحه يتم اعتماده للحرب ضد ايران.

فقد كشف هيرش ان ضباطاً من سلاح الجو الإسرائيلي قاموا بزيارات للولايات المتحدة للبحث في خطة رئيس الاركان الإسرائيلي (السابق)دان حالوتس التي يريد فيها تكرارالتجربة الأمريكية في كوسوفو مع ايران ولتكن البداية في لبنان، واذا كان الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك قد احتاج 78 يوماً لتنفيذ هذه الخطةفي كوسوفو فان إسرائيل تحتاج فقط الى 35 يوماً وفقاً لتعهد المستشار الحكومي الإسرائيلي لوزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس.,

ويقول سيمور هيرش في تقريره ان مكتب ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي دعم الخطة الإسرائيلية وبالمثل فعل نائب مستشار الامن القومي ايليوت ابرامز الذي اعتقد انه يجب على إسرائيل ان تتحرك بسرعة في حربها الجوية ضد "حزب الله" وكانت وجهة نظر تشيني هي التالية:" لو نفذ الإسرائيليون جزءاً من هذا اولاً، وكان ناجحاً بالفعل سيكون ذلك رائعاً، سيكون بامكاننا ان نتعلم ما يجب فعله في ايران، عبر مشاهدة ما يفعله الإسرائيليون في لبنان"

رغم خطورة هذه المعلومات فان هناك من الدلائل ما يؤكد صحتها. منها على سبيل المثال ما نقلته مراسلة صحيفة "الخليج" (الاماراتية) عن السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى حول لقاء البطريركالماروني نصر الله صفير مع ديك تشيني في ذروة الحرب الإسرائيلية على لبنان ففي هذا اللقاء طلب نصر الله صفير من تشيني وقف اطلاق النار، لكن تشيني غضب بشدة ووجه حديثه للبطريرك قائلاً:" اننا (أي الأمريكيين) لم نعد نثق بكم اطلاقاً لقد اتفقنا ان نخرج لكم السوريين مقابل قيامكم بنزع سلاح حزب الله فماذا فعلتم؟ لم تنزعوا سلاح حزب الله بل تركتموه يزدهر ويصبح له نواب في البرلمان اللبناني"، وأكمل تشيني رده الغاضب بالقول:" سندع إسرائيل تقوم بالمهمة التي اعطيناها لكم" (انظر صحف الخليج، حنانالبدري : تفاصيل كشفها السفير عماد مصطفى : الخليج 31/8/2006).

هناك دلائل اكثر حسماً لكل هذه المعاني وبالذات ان الحرب على لبنان كانت إسرائيلية من حيث التنفيذ ولكنها كانت في الوقت نفسه أمريكية من حيث التخطيط والدعم وتوفير الغطاء الدبلوماسي، وان ايران كانت هدفاً اساسياً في هذه الحرب من هذه الدلائل نذكر ما يلي:

- المماطلة الأمريكية المتعمدة لمنع صدور قرار من مجلس الامن يفرض وقفاً فورياً لاطلاق النار فقد حرصت الدبلوماسية الأمريكية بقيادة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية ومندوبها الدائم في الامم المتحدة (السابق) جون بولتون على توفير كل الوقت المطلوب للقوات الإسرائيلية كي تقوم بالمهمة، وعندما عجزت عن تحقيق الاهداف تحول الاهتمام الى اصدار قرار يمكن إسرائيل من ان تأخذ بالدبلوماسية الأمريكية ما عجزت عن تحقيقه هي بالحرب بل ان واشنطن سمحت لإسرائيل بمراجعة مسودة مشروع القرار 1701 الصادر عن مجلس الامن، ووفقاً لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية فقد تولى يورام طوريوفيتش رئيس هيئة مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت مسؤولية تنسيق الاتصالات مع الادارة الأمريكية قبيل واثناء الاتصالات التي اجراها ممثلو فرنسا والولايات المتحدة حول تلك المسودة كما ان إسرائيل، ومن اجل ان تتأكد ان الأمريكيين ملتزمون بايراد النقاط التي ترى الحكومة الإسرائيلية ضرورة تضمينها في نص القرار، قامت بارسال طال بوكر المستشار السياسي لوزيرة الخارجية تسيبي ليفني الى نيويورك ليقوم أولاً بأول بالاطلاع على ما يتم الاتفاق عليه بين الوفدين الأمريكي والفرنسي في مجلس الامن.

- الحرص الأمريكي الشديد على تمكين إسرائيل من القيام بالمهمة العسكرية وتوفير كل الاسلحة اللازمة لذلك وعلى الأخص القنابل الذكية القادرة على تدمير التحصينات القومية على أمل الوصول الى قيادة حزب الله. فقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية ان واشنطن سرعت اجراءات تسليم تلك القنابل من قاعدة "العديد" في قطر حيث مقر القيادة الوسطى الأمريكية لكسب الوقت، وهي عبارة عن قذائف صاروخية متطورة تخترق الخنادق والانفاق والاستحكامات العسكرية لمسافة 30-40 متراً تحت الارض، وقد ارتكبت الطائرات الإسرائيلية مجازر بشعة باستخدامها هذا النوع من القنابل ناهيك عن القنابل العنقودية والاسلحة الملوثة بالاشعاع الذري.

ثالثاً: الاهمية الاستراتيجية لانتصار المقاومة

احدث انتصار المقاومة هزة عنيفة داخل الكيان الصهيوني اصابت نظرية الامن الإسرائيلية في العمق، ودفعت الى مواجهات سياسية عنيفة بين العسكريينوالسياسيين، وايضاً بين السياسيين والعسكريين حول تحديد مسؤولية فشل الحرب على لبنان ولم تسلم اجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من الهجوم لفشلها في رصد القوة التسليحية والقدرة القتالية لحزب الله، الذي استطاع ان يخرج بصواريخه الدبابة ميركافا من الخدمة العسكرية مبكراًُ وهي "عروس سلاح المدرعات الإسرائيلي" والذي استطاع اغراق المدمرة "ساعر-1" ووصل بصواريخه الى عمق الشمال الإسرائيلي في حيفا.

هذه التطورات كانت وراء الحديث عن حدوث "زلزال سياسي في إسرائيل"، وعزل عدد من القيادات العسكرية خاصة الميجر جنرال عودي آدم قائد المنطقة الشمالية وتعيين موشيه كابلينسكي قائداً للقتال مما أدى الى ظهور ما عرف بـ "حرب الجنرالات"، وقد قدرت بعض المصادر الخسائر الإسرائيلية 119قتيلا و750جريحاًٍ اضافة الى القتلى والجرحى المدنيين من جراء سقوط الصواريخ اللبنانية.

لكن الاهم هو صعود اليمين الإسرائيلي ودعوته الى اسقاط حكومة ايهود اولمرت، ثم دعوته ثانيا الى الاستعداد للحرب ضد ايران، وكان رد صحيفة "هآرتس" على المبادرات الجديدة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بالنسبة للفلسطينيين، وقبوله لدولة فلسطين مقابل التخلي عن حق العودة هو دعوة اولمرت الى "التوقف عن اطلاق البالونات الاعلامية وحشد الامة للتحدي الحقيقي اي ايران"

اما على المستوى الأهم وهو المستوى الإستراتيجي الخاص بإفشاله مشروع الشرق الأوسط الجديد وإعاقته فإن إنتصار المقاومة وجه ضربة عنيفة للركائز الاساسية الثلاث لهذا المشروع وهي

الاولى : أن يتوارى الصراع العربي الإسرائيلي كمحدد أساسي للعلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط لصالح إنخراط الدول الرسمية في عمليات تطبيع مع إسرائيل دون إنتظار الحسم مستقبل ما يسمى بالأزمة الفلسطينية –الإسرائيلية

الثانية : تصعيد صراع عربي – إيراني يكون بديلاً للصراع العربي – الإسرائيلي بحيث تصبح الاولوية للتصدي للنفوذ الإيراني بدلاً من التصدي للمشروع الإسرائيلي.

الثالثة: تفجير الصراعات العرقية والطائفية في المنطقة كمدخل أساسي لإعادة هندسة وترسيم الخرائط السياسية من المنطقة بما تؤدي إلى ظهور دويلات طائفية وعرقية تؤسس لنظام إقليمي جديد تقوده إسرائيل ويكون اكثر انسجاماً مع هويتها كدولة يهودية.

ان صمود المقاومة ثم انتصارها اسقط كل الاتهاماتالتي الصقها الاعلام الأمريكي والإسرائيلي وبعض اجهزة الاعلام العربية لوصم "حزب الله" بالوصمة الطائفية.

فالمظاهرات الحاشدةالتي خرجت في شوارع العواصم والمدن العربية الكبرى رافعة شعارات دعم المقاومة وصور السيد حسن نصر الله بجانب صور الزعيم جمال عبد الناصر، جاءت رداً حاسماً على محاولة النيل من الانتصار من ناحية، ومحاولة فرض صراعات مذهبية وطائفية شنية – شيعية على خلفية الحرب في لبنان.

الإنتصار أجهض أيضاً محاولات وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لـتأسيس قطب عربي أو محور عربي تحت مسمى محور الاعتداليضم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن لمواجهة "محور الشر" الذي يضم وفقاً للتوصيف إيران وسوريا وحزب –وحركة حماس والجهاد.

فبعد الحرب بادرت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية بعقد إجتماع إستثنائي في نيويورك مع وزراء خارجية ثماني دول عربية هي دول مجلس التعاون الخليجي الست إضافة إلى مصر والأردن يوم 21 سبتمبر/ايلول وحملت هذه المجموعة إسم "مجموعة 6+2" التي التقت بها رايس ثانية في القاهرة (3اكتوبر 2006) وبدلاً من الحديث عن الديمقراطية والتحول الديمقراطي أصبح الحديث متركزاً على"تحالف المعتدلين" أو "تحالف الخير والسلام" الذي يضم الدول العربية الثمانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة "محور الشر" الذي يضم إيران وسوريا و"حزب –" اللبناني وحركتي "حماس"و"الجهاد"في فلسطين.

هذا الإطار الجديد للتحالف أرادت واشنطن أن تتحول به من دعوة التغيير الديمقراطي بهدف تأمين المجتمع الأميركي من خطر الإرهاب وتحقيق السلام في المنطقة من خلال الترويج لدعوة "السلام الديمقراطي" إلى التحالف بين الدول الصديقة المعتدلة لمواجهة خطر التطرف والإرهاب الذي تزعم أنه وراء فشل مشروعها في العراق. وهكذا تم العدول عن أولوية الديمقراطية كهدف إستراتيجي لدعوة الشرق الأوسط الكبير لصالح أولوية الأمن والمصالح الأمريكية لبناء "شرق أوسط جديد" بالتحالف مع الدول الصديقة بغض النظر عمّا إذا كانت نظماً تسلطية وإستبدادية طالما أنها متحالفة معها وفق أجندتها الجديدة.

لقد كشفت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني عن مضمون هذه السياسة بإعلانها أن إسرائيل سوف تتعاون مع ما أسمته ب"التحالف السنِّي ".

تصريحات ليفني هذه كشفت أبعاد هذا التوجه الجديد عندما حددت الحكومات العربية التي يتوجب على إسرائيل التعاون معها، وهي : "الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، والأنظمة في مصر والسعودية والأردن والإمارات "، وأكدت أن على إسرائيل أن تتعاون مع "التحالف السني ".هناك من سبق الوزيرة الإسرائيلية بالحديث عن "الهلال الشيعي"، وهناك من تحدث عن "هلال الأزمات "، والمحصلة أن ترتيبات جديدة جرى الإعداد لها، من أجل التوصل إلى تفاهمات للشروع في فرض هذه الترتيبات.

وإذا كان توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السّابق قد حذر من "قوس التطرف" في الشرق الاوسط،و دعا كل من سوريا و ايران الى وقف دعمهما للارهاب و الا سيتم مواجهتهما، فان مارتن انديك مستشار الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي الأمريكي و السفير الأمريكي السابق في إسرائيلدعا الى "شراكة مصالح" بين إسرائيل و العالم العربي السني، و نصح انديك رئيس الحكومة الإسرائيليةايهود اولمرت بالإبتعاد عن سوريا وتركيز الجهود الإسرائيلية لتعزيز ما أسماه ب"الحلف الصامت" القائم بينهما وبين العالم العربي السني، وطالب إسرائيل أيضاً ببذل الجهود من أجل إبرام إتفاق سلام مع الحكومة اللبنانية.

إنديك لم يكتف بهذا ولكنه في مقابلة مهمة مع صحيفة "هآرتس "الإسرائيلية خلص من تحليله لتجربة الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006، بأن هذه الحرب "ألقت ضوءاً على المخاطرالتي تواجه العالم العربي السني من المحور الشيعي بقيادة إيران الذي يضمها مع العراق ورسوريا ولبنان، حيث تخضع الحكوم العراقية للسيطرة الشيعية وحيث يسيطر الشيعة العلويون على الحكم في دمشق، وحيث يفرض "حزب—" نفسه بقوة على السياسة اللبنانية ".

هذه الحالة وهذا الخطر مفاده - من وجهة نظر إنديك - أنه "ينتج عملياً مصلحة مشتركة للعالم العربي السني مع إسرائيل ومع الولايات المتحدة وهذا ما حاول ديك تشيني ثاني الرئيس السرائيلي ان يفعله من خلال زيارته الأخيرة للمنطقة – في مايو/ايار - الماضي حيث سعى إلى دفع ما يسمونه ب"محور الإعتدال " أي دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن للإنخراط في مواجهة مع إيران من ناحية أخرى لكنه فشل لأسباب كثيرة من بينها تجاهله المتعمد للقضية الفلسطينية، ولاكتشاف حقيقة الاهداف الأمريكية – الإسرائيلية في الحرب على لبنان، وحقيقة هذا التحالف الذي تسعى الى فرضه على هذه الدول.

هذا الفشل جاء ليكمل فشلاً آخر اصاب الصفقة المماثلة التي كانت تنوي كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية فرضها على ما أسمته بـ "المجموعة الرباعية العربية" وتضم: مصر والاردن والسعودية والامارات، بأن تدعم هذه الدول المشروع الأمريكي في العراق وان تساند الولايات المتحدة في مواجهتها مع ايران في مقابل اجبار إسرائيل على القبول بالمبادرة العربية للسلام، بحيث تعيد القمة العربية في الرياض احياء هذه المبادرة.

هذه الصفقة فشلت هي الاخرى لان اولمرت رفض قبولها ورفض أي استعداد لخوض مفاوضات حول الحل النهائي وطالب بلقاءات مباشرة مع الزعماء العرب، وكان هذا الفشل دافعاً للقمة العربية ان تنأى بنفسها عن بنودها وخاصة الضغوط الأمريكية من أجل فرض استقطاب اقليمي بين ما سمي بـ "محور اعتدال" يضم اصدقاء أمريكا و"محور للشر" يضم ايران وسوريا وحزب الله وحركة حماس والجهاد الاسلامي، وتفجير صراع طائفي سني – شيعي يفجر الاوضاع العربية من الداخل.

من هنا يكتسب انتصار المقاومة اهميته الاستراتيجية في افشال مشروع الشرق الاوسط الجديد او على الاقل عرقلته، سواء كان هذدف فرصة استقطاب اقليمي بين "محور معتدل" موال لواشنطن، ومحور "الشر" تسعى الى تصفيته، او فرصة صراع طائفي سني – شيعي يقود الى فرض ايران عدواً بديلاً لإسرائيل عند العرب، لكن تطورات ما بعد الانتصار في لبنان وبالتحديد على الصعيد الداخلي اللبناني، والانقسام على الانتصار ثم الانقسام على لبنان تحمل محاذير ومخاطر تؤكد ان المخطط ما زال مستمراً الامر الذي يستلزم اعادة تقييم كل الاوراق ويفرض بالذات ضرورة الربط بين ازمة لنبان وازمة غزة من ناحية وبين هاتين الازمتين وبشائر الهزيمة الأمريكية التي باتت مؤكدة في العراق التي حتماً سوف تفتح افاقاً جديدة امام الحل في لبنان وفلسطين. فكما ان ما حدث من تداعيات للاحتلال الأمريكي للعراق كانت له ادواره في تحفيز الحرب على لبنان فان انتصار المقاومة العراقية ستكون له اصداؤه على مجمل المشروع الأمريكي – الصهيوني خاصة في فلسطين ولبنان.

***


اضف تعليق
تعليقات


خيارات المقال