عودة إلى خريف العام 2000 والانتخابات الأميركية جارية على قدم وساق. الجمهور الأميركي كعادته يريد تغيير الديمقراطيين بعد حكم كلينتون الديمقراطي لدورتين. وآمال فوز المرشح الجمهوري شبه مؤكدة. وفي طليعة الجمهوريين جورج ووكر بوش ابن الرئيس السابق الذي تخلى عنه الجمهور لأسباب اقتصادية بدل تتويجه ملكاً بعد نجاحه في حشد العالم تحت لواء أميركا في حرب "تحرير العراق" ليعلن بعدها عن "النظام العالمي الجديد".
المرشح بوش يتمتع إلى جانب هذه المعطيات بتمويل أحسن الإلتفاف على القوانين الأميركية البالية فبات تمويله غير مسبوق في الانتخابات الأميركية. وقدمت له شركة هاليبرتون بمديرها ديك تشيني طائرة خاصة لجولاته الانتخابية في الولايات وتمويل هذه الجولات. لم يكن معروفاً يومها ان الشركة مفلسة وكذلك بقية الشركات الممولة للمرشح بوش. وأنها قدمت رشاوى للمرشح لإستغلال نفوذ والده يوم كان رئيساً. باختصار فان المرشح بوش متورط مع الشركات المفلسة بجملة فضائح تجعله تحت السيطرة ومستعداً لفعل أي شيء لإنقاذ هذه الشركات من الإفلاس. لقد قرر صناع السلاح خطف أميركا وإستخدام بوش كواجهة لهم.
وبدأت آمال الفوز والتعاطف الشعبي مع بوش بالانحدار منذ أول مواجهة متلفزة مع منافسه الديمقراطي. حيث بدا بوش فاقد التركيز وعديم الثقافة وغير مطلع على مجريات الحدث العالمي. وجاءت هفوة الشتائم لصحفي نيويورك تايمز بعد ان نسي اغلاق الميكروفون وبعدها فضيحة ادمانه الكحول والمخدرات لتتضاءل حظوظ فوزه إلى حدودها الدنيا.
لكن بوش وصل إلى الرئاسة ولو بصعوبة او حتى بالتزوير كما قالت عدة صحف أميركية. ومع وصوله دخل نوع جديد من الرعاع السياسي إلى البيت الأبيض. وتكفي مراجعة كتاب كاتب خطاباته للدلالة على سوقية أسلوب تعاطي بوش مع موظفيه.
وبدأت مرحلة اعداد بوش على طريقة مسرحية "سيدتي الجميلة" وكانت البداية بانتقاء كتب عليه قراءتها ليكتسب ثقافة ما. وكان الصقور ينتقون له هذه الكتب لدفعه في الاتجاه المناسب لهم. ثم كانت مرحلة تعليمه القراءة السريعة لأنه لم يكن قادراً على قراءة متطلبات منصبه عداك عن الكتب المختارة.
اللعبة أعجبت بوش اذ اكتشف ان الانتخابات لعبة يمكن توظيفها لخطف السياسات والبلدان. كما اكتشف ان الأمية السياسية والجهل والانحراف ليست عوائق امام الفوز في الانتخابات. فوافق على خطة تغيير العالم عن طريق مثل هذه الانتخابات. وتحت عنوان نشر الديمقراطية ضغطت واشنطن على دول العالم لبرمجة انتخابات مسرعة تحقق الخطف المطلوب.
فجأة وقعت حوادث 11 سبتمبر وغاب بوش عن السمع. قلقت باربارا بوش على ابنها وبحثت عنه لتجده يتابع دورة للقراءة السريعة بعيداً عن واشنطن مختبئاً هناك لأن حياته في خطر وفق معلومات المخابرات التي نصحته بالإختباء لحين جلاء الموقف.
من يعرف باربارا يمكنه ان يتصور صراخها ولهجتها ونبرتها وهي تقول لإبنها وبأعلى صوتها "أيها الغبي قم وأخرج إلى جانب شعبك مهما كان الثمن.... أنت الرئيس أيها المغفل". وخرج بوش ووقف إلى جانب شعبه. لكنه استخدم حوادث سبتمبر لنشر نظرية الرعاع السياسي. لينجح في ذلك خصوصاً في شرقنا الأوسط.
اليوم ونوابنا الأعزاء فارين من وجه شعبهم ومسؤولياتهم كما سبق ان فعلوا مراراً نتذكر باربارا وهي تنهر ولدها كي لا يصل به الغباء إلى الهرب مهما كان الثمن.
الحالة معيبة ومخزية فهل خطر الاغتيال الداعي للهرب اكبر من خطر 11 سبتمبر؟. وهل ان الهاربين أهم أو أكثر وزناً من الساسة الباقين إلى جانب شعبهم تحت الخطر؟. وهل يتخيل أي من صيصان رايس انه أكثر عرضة للتهديد من الجنرال عون او من قيادات حزب الله والمعارضة اجمالاً؟.
تصوروا قيادات المعارضة هاربة إلى مصر وفرنسا وانهم يتلقون مصروف جيب يومي يتراوح بين 200 و500 دولار بحسب البلد والقيمة. وهذا التصور كفيل بتبيان الفارق بين الزعامات وبين الرعاع السياسي النابت على مياه أميركية آسنة.