كلمة في الذكري السنوية الأولى لحرب صيف العام 2006، في ندوة "المنتدى القومي العربي"، فندق كراون بلازا في 16/7/2007.
كنّا نقول إن اللبنانيين يبحثون دوماً عن أمر يختلِفون حوله. فإذا بالخبر في لبنان وجهة نظر، وكذلك هو الرقم، وحتى الدستور أضحى وجهة نظر. ثم اكتشفنا أن حصيلة الحرب هي أيضاً وجهة نظر. ففي الوقت الذي يعترف العدو بهزيمته الفاضحة عبر ما عُرف بتقرير فينوغراد، فيتعرض لزلزال سياسي داخلي، لا يرى بعض اللبنانيين في حرب إسرائيل على لبنان ويا للعجب إلاّ خطف جنديين إسرائيليين، وإلاّ ما نجم عن الحرب من قتل وتهجير ودمار.
ويتجاهل هؤلاء أن إسرائيل تحتجِز مُناضلين لبنانيين، لا سبيل للإفراج عنهم عملياً سوى عبر عملية تبادُل للأسرى. ويتجاهلون أنّ إسرائيل تحتجِز نحو العشرة آلاف فلسطيني ولا تسمع اعتِراضاً على ذلك من إسرائيليين أو من أدعِياء الحضارة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في أميركا وبريطانيا وفرنسا وخِلافها. لا بل ولا من الحكام العرب. كأنما يجوز لإسرائيل ما لا يجوز للبناني أو لفلسطيني. فما تُقدم عليه الدولة الصهيونية مشروع ومستساغ ولو أنّه يتعارض مع أبسط الشرائع الإنسانية والقوانين الدولية والقِيم الحضارية.
وانفجرت الحرب، فكان أن وظّفت فيها الدولة العبرية آخر ما توصّلت إليه تكنولوجيا الحرب الحديثة من وسائل الفتك والتدمير. كان الثمن غالياً وأليماً. ولكنه أيضاً كان شاهِداً على عناد اللبنانيين في الحقّ وعلى روعة صمودهم. فما لانت لهم قناة حتى النصر المؤزّر. وكان النصر في عدم تمكين العدو من التقدّم على أرض لبنان على الرغم من تفوّقه عدّة وعديداً. حاول خلال اليومين الأخيرين من المواجهة احتلال نقطة، مجرّد نقطة، على خط الليطاني كي يسجّل أنه أحرز تقدماً يمكن أن يسمّيه انتصاراً. فما استطاع. فانتهت الحرب حيث بدأت، على تخوم قرى حدودية.
كانت المقاومة خارِقة، وكان التصدّي باهِراً، وكان الصمود، صمود الشعب الأبي والمقاتل الباسل على السواء، فائقاً.
كانت أطول حرب في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. دام القتال 33 يوماً، أعقبها ثلاثة أسابيع من الحصار الخانِق. أما الحصيلة فكانت خيبة القوّة التي لم تألف الهزيمة، وكان يُقال أنّها القوّة التي لا تُقهر. لذا كان الصمود، مجرّد الصمود، في وجهها نصراً مبيناً.
لم يعد أحد منّا يستطيع أن يجزُم ما إذا كانت حرباً إسرائيلية مدعومة أميركياً أم كانت حرباً أميركية تُنفّذها إسرائيل ، والشواهِد على ذلك متعدّدة: طِوال 33 يوماً من القتال لم يصدر كلمة شجبّ أو استِنكار واحدة من مسؤول أميركي إزاء ما كان يتعرّض له لبنان من عدوانٍ فاجِر، وكانت محاولات ثلاث لإصدار قرار بوقف النار في مجلس الأمن الدولي فكان المندوب الأميركي الدائم هو الذي حال دون صدورها مُتعلّلاً بالقول إنّ أوان وقف النار لم يحِن بعد، وكنّا نأخذ هذا القول على محمل الضوء الأخضر الأميركي لإسرائيل لمواصلة عدوانها، ثم صدر عن الإدارة الأميركية مرّتين خلال تلك الفترة بيان يُفيد أنّ الدولة العظمى سوف تُزوِّد إسرائيل بالأسلحة الذكيّة فيما كُنّا نتعرّض ليلاً نهاراً لقصفٍ هَمجِي من الجانب الإسرائيلي. من هُنا اختلط علينا الأمر فلم نعُد ندري ما إذا كانت حرباً إسرائيلية تدعمها أميركا أم حرباً أميركية تُنفّذها إسرائيل وكالة.
لم يكن النصر في هذه الحرب الإنجاز الوحيد في سفر الصراع العربي الإسرائيلي. كان صمود الشعب الفلسطيني الباسل منذ عام 1948 أبلغ شاهد على إرادة المقاومة العنيدة التي يتسلّح بها الشعب العربي. فما استسلم. وبعد نحو ستين سنة من النكبة ما زال الفلسطيني يقاوم ويقاوم داخل الأرض المحتلة، لا بل على تُخوم عاصمة الدولة العبرية، تحت لافِتات المناضلين من حماس وفتح والجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي والجبهة الديمقراطية وخلافها. ما استسلم الشعب الفلسطيني ولن يستسلم، ولكن المؤلم لا بل الفاجع أن أعداء المقاومين استطاعوا جرّهم إلى الاقتِتال مؤخراً، في ما يُشبه الانتِحار. فلا غرو إن كان صِدام فصيلين فلسطينيين على أرض فلسطين، فيما كان العدو يقصف الفريقين، مدعاة استنكار ورفض من العرب جميعاً. لا يحق للمقاومة في حال من الأحوال أن تنتحِر، من حيث أن القضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية، لا يجوز أن تتقوّض أو تتبدّد على مذبح نزاعات جانبية. المؤلم والمخزي في آن أننا وقعنا في الفخّ الذي نُصِب لنا. فهل نستدرِك ونتدارك ما يبيّت لنا.
وإذا كان الصمود، مجرّد الصمود في وجه أعتى قوّة في العالم، انتصاراً، فإنّ إرغام تلك القوّة على الإنسحاب من لبنان في عام 2000 تحت مِطرقة المقاومة اللبنانية كان بحق مفصلاً تاريخياً. فللمرّة الأولى يُخلي العدو الإسرائيلي أرضاً عربية يحتلّها دون قيدٍ أو شرط. خرج الاحتلال، أو بالأحرى أُخرج، من لبنان من دون أن يوقّع بلدنا الصغير على صُلح منفردّ أو على صكّ يترتب عليه تفريط ما في حقّ عربي من قريب أو بعيد.
كان لذلك الانتصار العظيم أثر دامِغ على معطيات الصراع العربي الإسرائيلي. فقد جاء مِصداقاً لحقيقة أنّ العدو الإسرائيلي ينتصر في حرب تقليدية، بين جيش نِظامي وجيش نِظامي، ويُمنى بالهزيمة في وجه مقاومة شعبية عنيدة. ما كان هذا يوماً في حسبانه.
وكان الانتصار الثاني التاريخي في حرب إسرائيل على لبنان في صيف العام 2006، تلك الحرب التي نحتفل بذكراها السنوية الأولى اليوم. خَسىء الذين لا يرون عظمة ذلك الانتصار ويُحاولون طمسه بالحديث عن التضحيات التي بذلها لبنان وشعبه على فداحتها وعظمتها.
شهد العالم حروباً ضارية، فما دفن المنتصر يوماً وهج انتصاره تحت رُكام الثمن الذي دفعه. دُمّرت فرنسا في الحربين العالميتين الأولى والثانية في القرن العشرين. ولكن ذلك لم يبدّد صورة النصر في نفوس الفرنسيين. ولبنان يرى في شهداء الحرب، حرب صيف العام 2006، صفحة ناصِعة في سفر جِهاد الأمّة من أجل الحرية والكرامة والعِزّة. ويرى في شقاء المهجّرين شاهداً على تصميم الشعب الأبي على البذل والعطاء بلا حساب من أجل قضية يلتزمها. ويرى في الدمار الهائل الذي حلّ تعبيراً عن إرادة الشعب المقاوم في تحمّل كل التضحيات من أجل الحفاظ على أسمى القِيم الوطنية والقومية والإنسانية التي يُؤمِن بها.
سيسجّل التاريخ أنّ حرب صيف العام 2006 كانت مِفصلاً في سِياق الصراع العربي الإسرائيلي، مفاده أنّ التصدّي للعدو الصهيوني لا يكون بالجيوش النظامية في حروبٍ تقليديّة وإنما يكون بالمقاومة الشعبية العنيدة. كسبت إسرائيل كل حروبها مع جيوش العرب النظامية، نظراً لانعِدام التكافؤ بين الجانِبين عدّةً وعَديداً، وخسرت في كل مواجهاتها مع المقاومة الشعبية.
هذا الدرس هو برسم العرب جميعاً، وبالأخصّ برسم الإنهِزاميين الإستسلاميين الذين باتوا يرون، والعياذ بالله، في هزيمة تسمّى سلاماً، فضيلة لا بل غاية المُنى. لن تكون التسوية سلاماً إن لم تكن عادلة، أي إن لم تحفظ الحق العربي كاملاً غير منقوص. والحق العربي مصون بالقرار 194 وليس بالقرار 242، فعودة اللاجئين بموجب القرار 194 يجعل من فلسطين قضية وجود. أما تقسيم فلسطين بموجب القرار 242 فيجعل منها قضية حدود. وهي ليست كذلك.
وأختتم بتوجِيه تحيّة خالصة من القلب إلى المقاومة وشهدائها، إلى الشعب الصابر الصامد المقاوم في الجنوب وفي كل بقعةٍ من بِقاع لبنان حيث واكب المواطن إنجازات المقاومة الخارِقة بوجدانه وبكل ما يملك من دعم معنوي ومادّي، وإلى الجيش اللبناني الباسل وشهدائه الأبرار وقد دلّل مُجدّداً على أنّه هو الحصن الحَصين لوحدة وطننا وبالتالي لوجوده.
كانت حرب تمّوز في حصيلتها المشرّفة بحقّ مِفصلاً مشهوداً في مسار الصراع العربي الإسرائيلي. لِذا القول إنّ الانتِصار كان تاريخياً.