رئيس المنتدى القومي العربي في لبنان
كلمة د. محمد المجذوب رئيس المنتدى القومي العربي في افتتاح ندوة "الانتصار اللبناني في حرب تموز 2006" التي اقامها المنتدى في 16-17/7/2007.
هذه الندوة التي قرر المنتدى القومي العربي إقامتها بمشاركتكم الكريمة هي، أولاً، للتعبير عن منتهى الاجلال والوفاء لأرواح الشهداء من أبطال المقاومة والجيش ووسائل الإعلام وأبناء الشعب الأبي الصامد الذين آمنوا بأن الحياة عقيدة ونضال،
كلمة د. محمد المجذوب رئيس المنتدى القومي العربي في افتتاح ندوة "الانتصار اللبناني في حرب تموز 2006" التي اقامها المنتدى في 16-17/7/2007.
هذه الندوة التي قرر المنتدى القومي العربي إقامتها بمشاركتكم الكريمة هي، أولاً، للتعبير عن منتهى الاجلال والوفاء لأرواح الشهداء من أبطال المقاومة والجيش ووسائل الإعلام وأبناء الشعب الأبي الصامد الذين آمنوا بأن الحياة عقيدة ونضال، وبأن الشرف الرفيع لا يسلم من العدوان حتى تراق على جوانبه دماء الاطهار والابرار، فبمثل هؤلاء تبنى الاوطان وتصان السيادة ويحمى الاستقلال ويتحصّن القرار الحر.
والندوة هي، ثانياً، للاعراب عن أسمى آيات الاعتزاز بوحدة الشعب اللبناني وصموده وصبره واحتضانه لكل نازح او مهجّر. فهذه الخصال السامية التي تحلّى بها شكلت حدثاً عالمياً اذهل الأعداء قبل الاصدقاء.
والندوة هي، ثالثاً، لتوجيه تحيات الاكبار لكل مجموعة او جمعية او نقابة أو دولة، شقيقة او صديقة، هبّت لمناصرة لبنان ومساعدته والتخفيف من آلامه.
والندوة هي، رابعاً، لتحذير كل عربي، مواطناً كان أم مسؤولاً، من ظاهرة الاستفراد والاستخفاف التي مارستها القوى الاستعمارية في الماضي، واستمرأتها في الحاضر، وتصّر على تكرارها في المستقبل، والتي تتجلى في الاعتداء على جزءٍ، او قضم جزءٍ، او احتلال جزءٍ، او اذلال جزءٍ من وطننا العربي الكبير، واستعمال اساليب المكر والاغراء لتحييد الاجزاء الاخرى والهائها بأنواع من السجالات والترهات، المذهبية وغير المذهبية، الكفيلة بتحريك النعرات واثارة الفتن وصرف المواطنين عن الاهتمام بالقضايا المصيرية الملّحة. ان مقارعة الاعداء لا تتم الا بالوحدة او الاتحاد. وقديماً قال الشاعر: تأبى الرماح اذا اجتمعن تكسراً، واذا افترقن تكسّرت آحاداً.
***
في الذكرى السنوية الاولى لانتصار المقاومة نستعيد مشاهد التضامن الوطني والقومي، ونعيش من جديد تلك اللحظات التاريخية المجيدة من حياة امتنا، ونترنّم بأخبار تلك الكوكبة من المقاومين الأشاوس التي استطاعت، بما أنجزت، تحقيق تحول جذري في مسار الصراع مع العدو الغاشم.
ولو أردنا تلمّس الآثار والتأثيرات الايجابية التي تمخض عنها انتصار المقاومة لأجملناهافي النقاط الآتية:
أولاً:تحطيم الاساطير الصهيونية. فانتصار المقاومة في لبنان غيّر وجه التاريخ في المنطقة، وأعاد الى الأمة الثقة بنفسها وبقدرتها على الصمود والتغيير، ونسف الكثير من الاساطير التي روًجها العدو الصهيوني ورددها انصاره من ذوي النفوس الضعيفة . ومن هذه الاساطير:
1- اسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر. فقد هزمته قلة من رجال مسلحين بالايمان والعزم. وهذا يعني ان استمرار الخلل في ميزان القوة العسكرية بين العرب والعدو وهم كبير، وان حلم العدو بالتفوق العسكري الدائم قد تضاءل او تبخر.
2- اسطورة بقاء اسرائيل الى الأبد، واستحالة القضاء عليها. فالسوابق التاريخية تؤكد ان كل نظام استعماري، او امبريالي، او استيطاني، او فاشي، او عنصري، الى زوال، مهما يطل الزمن. والمشروع الصهيوني، المرتكز حالياً على حماية بعض القوى الغربية، قابل، اذا حسنتالنيات والمخططات العربية، للهزيمة والانهيار، فهو لا يختلف في شي عن المشروع العنصري في جنوب افريقيا، والمشاريع الامريكية التي تنادي بالديمقراطية والحرية وتنطوي على اساليب القمع والارهاب والابتزاز.
3- اسطورة الوساطة او الرعاية او الصداقة الامريكية. فالادارة الامريكية اثبتت، بكل ما صدر عنها من تصرفات ومواقف، منذ الاربعينات من القرن الماضي، انها منحازة حتى العظم للصهيونية، ومعادية حتى النهاية للعرب أجمعين، وانها لن تكون يوماً حكماً او وسيطاً نزيهاً في القضايا العربية، وانها لن تتزحزح عن موقفها هذا الا عندما يقرر العرب مجتمعين انتهاج اسلوب فيدال كاسترو وتشافيز في التعامل معها،او اسلوب غاندي في قهر بريطانيا، او اسلوب ابطال الجزائر في دحر فرنسا، او اسلوب ثوار فيتنام في اذلال امريكا.
4- اسطورة التطبيع مع العدو الصهيوني. فالتطبيع لا يكون مع الاعداء والمغتصبين والمنافقين الذي يتّبعون شريعة، زعموا انها سماوية، تأمر رجالها بابادة الخصوم، واستعمال الوسائل اللانسانية لقهرهم والقضاء عليهم دون رحمة. والتطبيع ليس سوى تنازل مخزٍ عن الحق والكرامة. وهو صيغة ابتكرها بعض المتخاذلين بدعوى كسر الحاجز النفسي بين العرب والصهيونيين، كأن ما بين الطرفين عارضاً صحياً يزول بالمشروبات والقبلات، وليس صراعاً وجودياً وحضارياً لا يزول الا باستئصال الجذور.
5- اسطورة الاستخبارات الاسرائيليةالتي لا تخطئ. فقد استطاع العدو، في الماضي، القيام بعمليات اتاحت له الوصول، بسبب الاهمال او الغباء او التواطؤ العربي، الى مراكز القرار والتنفيذ واغتيال القادة الكبار في عدد من الدول العربية. ولكن المقاومة استطاعت تحطيم هذه الاسطورة باعتراف العدو الذي انهلك وأربك وتخبط في الضياع إبان عدوانه.
6- اسطورة الارض والطبيعة والظروف غير الملائمة لنشوء المقاومة، عربياً، ونجاحها. فقد قيل الكثير في هذه المزاعم بغية تثبيط العزائم والتنصل من واجب التصدي والمقاومة. غير ان الوقائع التاريخية اثبتت ان شعوباً عديدة خاضت غمار المقاومة في كل مكان، في السهول والجبال والوديان والمدن، وفي ظروف قاسية وعصيبة، وتمكنت من إحراز النصر في النهاية. فالمفصل المهم هو ارادة القتال والتصميم على المواجهة. وعندما تتوافر الارادة تذلّل الصعاب وتفقد التضاريس الجغرافية والظروف السياسية والعوامل الجوية قيمتها ووزنها. وهذا ما شهده العالم إبان العدوان الصهيوني على لبنان.
ثانياً: انتزاع انتصار جلل من العدو، وذلك لأول مرة منذ اقدامه على اغتصاب جزء من الوطن العربي، ودون الاضطرار الى اجراء مفاوضات ومساومات او تقديم تنازلات مذّلة. وقد اسقط هذا الانتصار الوهم او التوهم السائد بأن التصدي للعدو أمر مستحيل، او خط احمر، او مغامرة فاشلة.
ثالثاً: اعادة الاعتبار الى عنصر الارادة والصمود والمواجهة ودور القوى والحركات الشعبية في تعويض الخلل الحاصل في ميزان القوى مع العدو، وذلك بعد ان عجزت او احجمت معظم الانظمة العربية، ذات الجيوش المدججة بالسلاح، عن انجاز هذه المهمة القومية.
رابعاً: البرهنة على ان الانسان العربي قادر، اذا احسن تدريبه واعداده، على الجمع بين الايمان والعلم، وبين النضال والتكنولوجيا، أي قادر على استخدام احدث الاسلحة وتنفيذ ادق المخططات العسكرية والنوعية. واصابة المدمرة الاسرائيلية (ساعر) وتدمير العشرات من دبابات الميركافا، وتوجيه الصواريخ الى عمق الارض الفلسطينية المحتلة، خير دليل على هذه القدرة والبراعة، وخير شاهد على اتقان المقاومة فن التخطيط والتنفيذ.
خامساً: تكريس المقاومة اللبنانية مثالاً يحتذى في تحرير الارض العربية من رجس الاحتلال، وتحرير الارادة العربية من آفات الخنوع والتخاذل. فنجاح المقاومة في لبنان ادى الى تغيير اللعبة في المنطقة، وأرسى أسساً جديدة لحركة الصراع ضد العدو، وجعل من المقاومة الحافز الملهم لكل عملية تغيير او تطوير في الوطن العربي.
سادساً: اقناع المسؤولين العرب بأن الغطرسة الصهيونية، والهيمنة الامريكية، واللامبالاة العالمية، ليست قدراً لا يُرد، او علة لا تزول . ان ضعفنا او تخاذلنا هو الذي يغري الاخرين بالحط من شأننا والاستخفاف بمصالحنا.
سابعاً: إيقاظ الذاكرة الجماعية العربية، وتحريك عوامل التململ والتمرد في الروح العربية. فبعد عقود طويلة من التشرذم والخلافات والهزائم والمفاوضات الفاشلة استفاق الضمير وانتفض الوجدان وحلّت لحظة الحقيقة. والحقيقة هي اننا ارتكبنا خطيئة كبرى في حق الوطن ومستقبل الاجيال عندما تركنا العدو الصهيوني يتسلّل الى ارضنا ويعمل علناً وعمداً، رغم طاقاتنا وثرواتنا الفلكية، على شل قدراتنا وتشويه سمعتنا وتخريب وجودنا.
ثامناً: احداث زلزال في الكيان الصهيوني تجلى في الاستقالات والانقسامات والخلافات والتداعيات، وفي ايقاع البلبلة والقلق في صفوف مجتمعه السياسي والشعبي، وفي هز ثقة الاسرائيليين بالمشروع الصهيوني وآلته العسكرية.
***
وفي الخلاصة نقر بأن محاولات عديدة وحثيثة جرت لتشويه صورة المقاومة وجوهرها، وطمس معالم الايجابيات الكبرى لانتصارها. ونقر كذلك بأن العدوان تمكن من هدم جزء كبير من البنية التحتية في لبنان، وألحق أضراراً فادحة في المؤسسات، ولكنه لم يحقق هدفه الاستراتيجي الذي يتلخص في إذلال لبنان، وإرجاعه الى عهد المتصرفية، وانتزاع اعتراف منه بشرعية الوجود الصهيوني. فلبنان رائد ممتاز في العمل القومي وفي تجاوز الازمات والنهوض من الكبوات. وأبناؤه باتوا يؤمنون بأن المقاومة تشكل قوة العرب الحقيقية، وبأنها غدت السبيل الأفضل والأجدى للتحرير، وبأن على اللبنانيين والعرب الالتفاف حولها وحمايتها والاستفادة من خبراتها وانجازاتها، وبأن الوفاء لذكرى انتصارها يكون بصون الوحدة الوطنية وازالة الحواجز بين اللبنانيين، والتخلّي عن فكرة الرهان على الخارج والاستقواء به، والانكباب على بناء الدولة الديمقراطية، وتعميم نظام العدالة الاجتماعية، وتحرير المواطن من قيود الطبقية والتبعية والطائفية، وتعزيز انتماء لبنان الى أمته وقضاياها العادلة، والخروج من عصر الجاهلية الجديدالمتمثّل بالتطرف في الافكار، والعنف في الاساليب، والجهل في جوهر الدين، والسعي لاسقاط كل بدل للعروبة الحضارية، القادرة وحدها على لمّ شمل الامة وما فيها من خصوصيات وطنية او طائفية او عرقية.