Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
التجديد العربي - http://www.arabrenewal.org
الحرب الإسرائيلية على لبنان.. متى بدأت وهل انتهت؟
http://www.arabrenewal.org/articles/5430/1/CaINE-CaAONCAEiaiE-Uai-aEaCa-aEi-EIAE-aeaa-CaEaE/OYIE1.html
د. داود خيرالله
استاذ محاضر في القانون الدولي بجامعة جورجتاون في واشنطن 
 د. داود خيرالله
نشر في 07/21/2007
 

ورقة مقدمة إلى الندوة القومية التي اقامها المنتدى القومي العربي بعنوان "انتصار لبنان المقاوم: ابعاد وتفاعلات عربية". فندق كراون بلازا في 16/7/2007.
التقييم الدقيق والمفيد لأبعاد نزاع ما، يقتضي المعرفة الصحيحة لأهمّية الأهداف والحاجات والأولويات لدى كافة أطراف النزاع. فالدوافع لبدئ الحروب وانهائها هي من أهمّ العوامل في تقييم أبعادها ووسائل شنّها وهي تكمّل ولا تقلّ أهمّية عن معرفة مكامن الضعف والقوّة لدى أطراف النزاع.


الحرب الإسرائيلية على لبنان.. متى بدأت وهل انتهت؟

ورقة مقدمة إلى الندوة القومية التي اقامها المنتدى القومي العربي بعنوان "انتصار لبنان المقاوم: ابعاد وتفاعلات عربية". فندق كراون بلازا في 16/7/2007.

التقييم الدقيق والمفيد لأبعاد نزاع ما، يقتضي المعرفة الصحيحة لأهمّية الأهداف والحاجات والأولويات لدى كافة أطراف النزاع. فالدوافع لبدئ الحروب وانهائها هي من أهمّ العوامل في تقييم أبعادها ووسائل شنّها وهي تكمّل ولا تقلّ أهمّية عن معرفة مكامن الضعف والقوّة لدى أطراف النزاع.

ما سوف أحاول معالجته فيما يلي هو تعيين وتقييم الهدف الرئيس الذي دفع ويدفع إسرائيل في حربها على لبنان والوسائل الّتي اعتمدتها وتعتمدها في سبيل تحقيق هذا الهدف. وكذلك سوف أعرضلتفاعل وسائل وأدوات الحرب هذه في الداخل اللبناني وأبعاد الأزمة القائمة وطريق الخروج منها.

انّ الهدف الرئيس لإسرائيل في حربها على لبنان يتعدّى الحدود اللبنانية، ويتعلّق بدفع خطر وجودي عليها وعلى المشروع الصهيوني بعامة. والدافع الأساسي لكلّ عمل عدائي ضدّ لبنان، أقلّه في السنين التي تلت الانسحاب الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000، محكوم بديناميكية العلاقة بين الظالم والمظلوم، بين مغتصب الحقّ وصاحبه، التي تميّز العلاقة بين إسرائيل والأطراف التي هي ضحايا لنشأة إسرائيل وتوسعها وكذلك عوائق في طريق نجاح المشروع الصهيوني. فالمظلوم يحاول تغيير الواقع بما من شأنه رفع الظلم واسترجاع الحقّ. والظالم يحاول الأبقاء على مكاسبه عن طريق تضخيم قوّته وزرع ثقافة الهزيمة والاستسلام للأمر الواقع لدى المظلوم.

المراقب لقيام إسرائيل ووضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ وما نتج عنه من تدمير وتهجير وسلب للحقوق، يدرك مدى ارتهان نجاح هذا المشروع بنجاح انتشار ثقافة الهزيمة لدى أصحاب الحقوق السليبة الّذين تخشى ثورتهم على الظلم والمطالبة الفاعلة باسترجاع الحقوق. زرعوتثبيت ثقافة الهزيمة يقتضي بالإضافة إلى اضعاف الخصم وتدمير معنوياته دفعه الى اليأس والشعور بعدم جدوى المقاومة.

لقد نجحت إسرائيل منذ نشأتها، وخاصة بعد حرب عام 1967، في خلق هالة من القوة حول قدراتها العسكرية والسياسية وفي نشر حالة من اليأس والاستسلام للأمر الواقع لدى الحكّام والنخب المثقّفة العربية كانت ثمارها اتفاقيات سلام مع دولتين من دول المواجهة ومحاولات تطبيع مع دول عربية أخرى.

في المقابل انّ أخطر ما يمكن أن يواجه المشروع الصهيوني من تحدّيات وأشدّها مدعاة للقلق هو انتشار ثقافة المقاومة لدى صاحب الحق، خاصة عندما تصبح المقاومة مقرونة بمعنويات عالية وانتصارات فعلية على الأرض. فعندما يقول شيمون بريز وسواه من القادة في إسرائيل أن المقاومة اللبنانية، ممثلة بحزب الله، تشكّل تهديدا وجوديا لإسرائيل فليس بقوله الكثير من المغالاة.

من هذا المنطلق يجب النظر الى الحرب الإسرائيلية على لبنان الذي شهد صيف عام 2006 أعنف مظاهرها. لكنّ الثاني عشر من تمّوز- يوليو الماضي لم يكن تاريخ بدئ هذه الحرب والخامس عشر من آب وتاريخ قرار مجلس الأمن رقم 1701 لم يكن تاريخ انتهائها. فالهدف الرئيس للحرب هو في منتهى الأهمّية بالنسبة لإسرائيل ولم يتحقق اطلاقا نتيجة تلك المغامرة العسكرية.

بداية هذه الحرب تكمن في الفترة الزمنية التي اتضح فيها لإسرائيل خطر انتشار ثقافة المقاومة بشكل فعّال من لبنان، ومن ثمّ بدء أعمال غايتها القضاء على المقاومة كعامل ردع وكمصدر قلق، خاصة وأن أثرها يتعدّى الاطار اللبناني الى الوضع الفلسطيني والعربي بعامة.

اذا سلّمنا أن الهدف الفعلي للحرب الإسرائيلية على لبنان هو القضاء على المقاومة فيمكن ارجاع بدئها الى أواخر السبعينات من القرن الماضي، عندما كانت المقاومة الفلسطينية ناشطة في لبنان وكان لبنان يتعرّض لاعتدآت إسرائيلية متكررة بهدف قمع المقاومة الفلسطينية وعقاب الدولة المضيفة للاجئين الفلسطينيين والذراع المقاوم فيهم. لكنّ تركيز الحرب على لبنان كمصدر أساسي للمقاومة وثقافتها، يمكن ردّ بدءها الى منتصف الثمانينات من القرن الماضي بعد خروج المقاومة الفلسطينية المسلّحة من لبنان وظهور المقاومة اللبنانية بشكل مستقلّ وفعّال.

انّ خروج إسرائيل الاضطراري من لبنان عام 2000 يشكّل نقطة مفصلية في تقدير خطورة المقاومة اللبنانية على مصالحها واستراتيجياتها الردعية. الآّ أن الضرورات الميدانية، والظروف التي أملت الانسحاب الاسرئيلي في حينه، كان يمكن وضعها في اطار التكهّن بأنّ الانسحاب الإسرائيلي سوف ينهي المقاومة لأنه سوف يزيل المبرر لديها لحمل السلاح، فتعود الجبهة الشمالية لما كانت عليه من ضعف قبل الاجتياح الإسرائيلي الأول في عام 1978.

الانسحاب الإسرائيلي الاضطراري من لبنان خلق دون شك سابقة خطيرة في تاريخ التعاطي الإسرائيلي مع كافة الدول والمجتمعات العربية، وقد خلق هواجس وقلق لدى إسرائيل فيما يتعلّق بترسيخ الثقة بثقافة المقاومة وتطويرها لدى الشعب الفلسطيني، خاصة بعد التأكّد من التأييد المعنوي، ان لم يكن التنسيق الميداني، الذي لقيته المقاومة الفلسطينية من المقاومة اللبنانية. فبقدر ما كان للمقاومة اللبنانية من تأثير على الانتفاضة الثانية في فلسطين وعلى انتشار ثقافة المقاومة بعامة، بالقدر نفسه كان الاستعداد الإسرائيلي يزداد للقيام بكلّ ما من شانه القضاء على المقاومة كمصدر قلق لإسرائيل وكعقبة في طريق نجاح المشروع الصهيوني وتطوّره. فالأستعداد للحرب على لبنان بغية القضاء على الوجود المسلّح للمقاومة كان سابقا بزمن بعيد لتاريخ بدء الاعتداء المسلّح على لبنان في 12 تمّوز/ يوليو 2006 والأدلّة على ذلك عديدة ومعظمها من مصادر إسرائيلية وأميركية.

للننظر الآن الى بعض وسائل وأدوات هذه الحرب ومفاصل أساسية لها.

القضاء على المقاومة لا يقتصر على تجريدها من السلاح المادي. فبالإضافة الى ازالتها كطاقة ردع فعّالة في وجه المطامع والممارسات الارهابية لإسرائيل، يجب القضاء عليها كمؤسسة لها تأييد في الرأي العام اللبناني والعربي، وبالتالي يجب تجفيف كافة مصادر الدعم لها مهما كان شكل هذا الدعم ومدى فعاليته. وكذلك يجب تدميرها كمرجع قيمي يساعد في انتشار ثقافة المقاومة.

تعطيل المقاومة اللبنانية كمصدر فاعل في نموّ ثقافة المقاومة ورفع الظلم يقتضي تجريدها من الصفات القيمية والقوّة المعنوية التي تتمتع بها. فلكيّ لا تبقى رمزا للدفاع عن الوطن والأداة الرئيسية في تحرير الأرض واستعادة السيادة الوطنية، تعمل إسرائيل، وحلفاء لها في الداخل والخارج، على تحويلها في الوجدان الشعبي اللبناني والعربي وكذلك العالمي الى حفنة من الارهابيين التي تشكّل تهديدا للسيادة الوطنية ومصدرا لاثارة الهواجس الطائفية والمذهبية فضلا عن أنها تشكّل خطرا على السلم العالمي. وبالتالي يجب العمل على كل ما من شانه تدميرها معنويا.فتجريد الجندي المدافع عن أرض وسيادة وطنه وكرامة شعبه من السلاح لا يلقى تأييدا مهما اشتدّت الضغوط، خارجية كانت أم داخلية، بينما نزع سلاح الارهابي الذي يستسهل قتل الأبرياء ويهدد السلم الأهلي والعالمي يلقى تأييد الجميع في الداخل والخارج.

اضافة الى تدمير المقاومة معنويا كوسيلة من وسائل الحرب عليها، انّ تجريدها من أي تأييد عربي أو اقليمي هدف هام في اضعافها والحدّ من امكانية انتشار ثقافتها. من هذا المنطلق يجب تقييم الحملة على سوريا وكل من يمدّ يد العون للمقاومة اللبنانية.

العمل على اخراج سوريا من لبنان بدأ في الولايات المتحدة بقانون محاسبة سوريا وتحرير لبنان وتلاه قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 الذي تبنّى محتوى القانون الأميركي. حصل كلّ ذلك بعد مضي ما يقارب خمسة عشر عاما على المباركة الأميركية لدخول الجيش السوري لبنان كان المسؤلون الأميركيون يصرّحون خلالها علنا أن الوجود العسكري السوري هو عامل استقرار في لبنان. فجأة، وبدون أي تطوّر غير مسبوق على الساحة اللبنانية، أصبح الوجود السوري في لبنان يشكّل تهديدا فوريا للسلم العالمي يستدعي تدخّل مجلس الأمن الدولي.

الحملة الأميركية على سوريا بما فيها استصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559 بدأت بعد أن رفض السوريون التعاون في نزع سلاح حزب الله وحلّه كتنظيم عسكري، وأكتفي لضيق الوقت بعرض دليل واحد. أذكر هنا تصريحات علنية للسفير السوري في واشنطن، الدكتور عماد مصطفى، بشأن عرض من قبل النائب في الكونغرس الأميركي توم لانتوس، الصديق الحميم لإسرائيل، والذي يشغل الآن مركز رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي، بأنه يتعهّد بالعمل ويضمن بقاء سوريا في لبنان لمدّة غير محددة مقابل التعاون السوري في نزع سلاح المقاومة.

أرجو أن لا يتصّور احد أن في سرد ذلك تغاض عن أي من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها مسؤولون سوريون وحلفاء لهم أثناء الوجود السوري في لبنان، أو القبول بعودة تلك الأيام. لكنّ ذلك أو أية مشاعر شخصية يجب أن لا تكون حائلا دون تقييم الواقع بصورة مجرّدة عن الأهواء والهواجس.

لا شك لديّ أنّ استقلال لبنان وسيادته لم تكن الدوافع وراء قانون محاسبة سوريا واستقلال لبنان، أو وراء تبنّي قرار مجلس الأمن رقم 1559 الذي كان عاملا أساسيا في اغتيال الرئيس الحريري وانهيار الوضع الداخلي في لبنان كائنا من قد يظهر التحقيق بأنه المسؤول عن هذا الاغتيال.

قرار مجلس الأمن رقم 1559 أداة هامة وأساسية في حرب إسرائيل وحلفائها على المقاومة. فبالرغم من أنه لم يكن هناك أي تهديد للسلم العالمي، وهو المبرر الوحيد لاختصاص وتدخّل مجلس الأمن الدولي تاريخ اتخاذ هذا القرار، تمّ تسخير مجلس الأمن لهذا الغرض. لا بل تجب الملاحظة أنّ اغتيال الرئيس الحريري والاضطراب الأمني الذي عانى منه لبنان ولا يزال بدأ بعد اتخاذ ذلك القرار وعلى الأرجح نتيجة له. فتوسّل "الشرعية الدولية" كسلاح لبلوغ المآرب الأساسية للحرب الإسرائيلية على لبنان بدأ بالقرار رقم 1559 وتلته قرارات عدّة لمجلس الأمن بنفس الهدف.

محتوى القرار 1559 أمران أساسيان هما في جوهر الهدف الإسرائيلي: انسحاب القوى الخارجية المؤيدة للمقاومة من لبنان، دون ذكر سوريا بالتحديد ولكنّ فسّر ذلك بانه يعني سوريا حصرا وليس خروج إسرائيل من مزارع شبعا مثلا، ونزع سلاح الميليشيات، لبنانية وغير لبنانية، ويعني ذلك سلاح حزب الله والسلاح الفلسطيني.

يحتوي القرار 1559 كذلك على لغة مفادها منع اعادة انتخاب رئيس الجمهورية وهذا يعتبر تدخّلا في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، وهو أمر يحرّمه ميثاق الأمم المتحدة (2/7). فالتشكيك بشرعية اعادة انتخاب رئيس الجمهورية الذي له سابقة في عهد الهيمنة السورية بمباركة أميركية في لبنان، يندرج في ضرورة تجريد المقاومة من كل حليف أو نصير. فالرئيس لحود كان ولا يزال يقول أنّه لا يرى في سلاح المقاومة تهديدا لسيادة الدولة أو أمنها بل على العكس من ذلك فهو يعتبر أنه سلاح مساعد في استكمال السيادة الوطنية ويعطي لبنان قدرة فعلية للدفاع عن نفسه.

قرارات مجلس الأمن يمكن أن تكون وسيلة فعّالة في اخراج السوريين من لبنان، الاّ أنها محدودة الفعالية فيما يتعلّق بالوضع الداخلي في لبنان وضرورة نزع سلاح المقاومة وازالتها كمصدر قلق لإسرائيل. فكان لا بد من اللجوّ الى السلاح الأفعل وهو سلاح الفتنة الداخلية. لذلك لا يزال هذا السلاح مجرّدا ويفعل في اطالة عمر الأزمة وتفاقمها بعد أن انتهت إسرائيل من عدوانها المسلّح على لبنان في منتصف شهر آب /أغسطس الماضي. فتفعيل سلاح الفتنة الداخلية لم يتوقف في كافة مراحل الحرب على المقاومة اللبنانية، لكنّ التركيز عليه بضراوة حصل بعد فشل توسّل مجلس الأمن الدولي وقراراته، وخاصة بعد فشل المغامرة العسكرية لإسرائيل في لبنان الصيف الماضي.

أودّ هنا أن أتوقف قليلا لألقي الضوء على طبيعة وخطورة الفتنة الداخلية وأدواتها واسباب نجاحها.

من طبيعة الفتنة الداخلية أنها تذهب بالوحدة الوطنية الضرورية للصمود في كل حرب وفي ردّ كل اعتداء خارجي. فهي تحوّل القوى الداخلية عن العدوّ الخارجي وتجعلها قوى متصارعة فيما بينها تدفعها مآرب شخصية ومخاوف طائفية وأهداف لا علاقة لها بدرئ الخطر الخارجي، فتتحوّل الجهود والطاقات المتوفرة عن العدو الخارجي الى خصوم في الداخل. ويحلّ بذلك التفكك والضعف في المجتمع ويسهل بلوغ أهداف تتعدّى المصلحة الوطنية.

وربما أخطر ما في تفعيل سلاح الفتنة والتصدّع الداخلي هو أنّه من الصعب اكتشاف أبعاده وأدواته وكيفية وضعه موضع التنفيذ خلافا للنزاع المسلّح الذي يقتضي حشد الجيوش واطلاق المدافع والصواريخ. فاكتشاف سلاح الفتنة وتعطيله رهن بتوفّر درجة عالية من الوعي الاجتماعي لا سيّما لدى النخب المثقفة في المجتمع. وأكاد أجزم أن لبنان، كما معظم الدول العربية ان لم يكن جميعها، يعاني من نقص فادح في القدرة على اكتشاف وتعطيل هذا السلاح. والدليل قائم، بالاضافة الى لبنان، في العراق وفلسطين والسودان وسواها من الدول العربية.

لو حاولنا التأمل بهدف تقييم حالة التصدّع الداخلي القائمة في لبنان ودور القوى الفاعلة فيها، وأخذنا ما أعلنت إسرائيل من أهداف أساسية لحربها على لبنان ومطالب كررتها الولايات المتحدة وقارنّاها بمواقف بعض الأطراف اللبنانية الفاعلة في استمرار الأزمة في لبنان، لوجدنا تطابقا بين هذه المواقف والأهداف يثير الريبة. وعلى سبيل المثال لا الحصر: 1) تعتبر إسرائيل وكذلك قيادات في الحكومة اللبنانية بأن حزب الله هو المسؤول عن حرب إسرائيل على لبنان بكل ما يستتبع ذلك من آثار سلبية على حق لبنان في التعويض عن الخسائر التي تسبب بها الاعتداء الإسرائيلي على لبنان الصيف الماضي. وبالتالي وتأييدا لذلك لم تتخذ الحكومة أية اجراءات للمطالبة بالادانة أو التعويض عن الأضرار. 2) نزع سلاح المقاومة يبدو كذلك بأنه هدف مشترك بين بعض أطراف السلطة في لبنان والحكومة الإسرائيلية. فبالنسبة لإسرائيل لأنه يشكّل خطرا أمنيّا عليها أمّا حجّة بعض الأطراف اللبنانية فلأن مؤسسات الدولة يجب أن تستأثر بحمل السلاح وقرار استعماله علما أن هذه الأطراف ليس لديها النيّة ولا حتىّ بتقديم اقتراح بكيفية الدفاع عن الوطن وشعبه في حال الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تنقطع، وبالتالي فانّ الحكومة لم تتخذ أية اجراءات بهذا الشأن. 3)انشاء محكمة دولية مسيّسة وتقوم على نظام يسهّل الاقتصاص من الخصوم السياسيين للقادر على التحكّم بتعيين القضاة والمحققين وبالتالي الابتعاد بالمحكمة عن التجرّد الضروري لكشف الحقيقة بالنسبة لقتلة الرئيس الحريري علما بأن هذه المحكمة سوف تعمل بمنأى عن أية رقابة ادارية او قضائية وخارج حدود السيادة اللبنانية.

ربّ سائل كيف يمكن لمسؤول يتمتّع بقدر من الشعبية على الصعيد المحلّي أن يتخذ مواقف ويتبنّى أهداف ومطالب تتماهى مع مواقف ومطالب العدو وحلفاءسهّلوا له تدمير الوطن وقتل أبنائه دون أن يثير ذلك تساؤلا لا بل عاصفة من الغضب بين المواطنين الموالين له؟ الاجابة على هذا السؤال تكمن في ضحالة الوعي الاجتماعي والوطني وفي الاطار الثقافي الذي يسهّل تفعيل سلاح الفتنة الداخلية ويحيط بالضبابية فهم عناصر وأدوات زرعها ورعايتها.

قد يكون من الصعب تحديد كافة العناصر والادوات الضرورية لنجاح الفتنة الداخلية في لبنان لكنّي سوف أعرض لما أعتبره أهمّها. 1- تفشّي الثقافة الطائفية والمذهبية ودورها في اعاقة التطوّر في الوعي الاجتماعي والسياسي وفي اثارة الهواجس والمخاوف وتسهيل استغلالها؛ 2- الاعلام بمفهومه الشامل والمسيطر عليه بفعالية؛ 3- انتشار الفساد واستعماله بفعالية من قبل فئات تتمتع بامكانيات مالية ضخمة؛ وأخيرا 4) الضغوط الخارجية في مجتمع يكاد لا يتمتع بأية مناعة ضدها.

انّ هذه العناصر تتداخل وتتفاعل في عملية انجاح الفتنة وتعميق الهوّة بين أبناء الوطن الواحد. فتفشّي الثقافة الطائفية والمذهبية يسهّل للفاعل اثارة المخاوف والهواجس المتراكمة عبر العصور لدى شرائح واسعة من الشعب خاصة عندما يكون التلاعب في هذه المخاوف والهواجس بيد زعماء رفعهم النظام السياسي الطائفي الى مقام قيادي. ويلعب الاعلام المسيطر عليه بفعالية من قبل حفنة من المتنفّذين دورا هاما في تصوير الواقع أو تشويهه لدى عامة الناس مستغلاّ مخاوفهم وحاجاتهم، فيسهل على المسؤول عندئذ اتخاذ مواقف تتماهى مع مواقف العدو ولكن بحجج وأهداف تبدو منطقية ولها ما يبررها في الوجدان الشعبي خاصة عندما يتعلّق الأمر بقناعات هي نتيجة تأجيج الهواجس الطائفية والمذهبية المتراكمة.

ويلعب المال دوره في استغلال حاجات فئات محددة من الشعب يراد لها أن تتبنّى مواقف أو أراء معينة في اطار يسهّل الفساد فيه استعمال المال بأهداف لا تمتّ الى المصلحة العامة بصلة. المال كأداة أساسية لتشويه الواقع وبلوغ أهداف تنأى عن المصلحة الوطنية مرهون بفعاليته بمدى غياب الوعي الاجتماعي والسياسي وبمدى انتشار الفساد واختراقه المؤسسات العامة وتعطيله حكم القانون. فالحصانة التي يعطيها النظام الطائفي للذين تمكّنوا من بلوغ مراكز قيادية في طوائفهم بسبب قدرات مالية مكّنتهم كذلك من السيطرة على وسائل اعلام أساسية وتعطيل لحكم القانون، تخلق لدى هؤلاء شعورا أن بامكانهم اتخاذ أية مواقف مهما تناقضت مع المصلحة الوطنية دون أن يصاحب ذلك قلق أو خشية وعي شعبي لخطورة هذه المواقف وبالتالي فالمسؤول يبقى في مأمن من المساءلة.

المراقب الذي يمعن النظر في عمق انتشار الثقافة الطائفية في لبنان وكذلك علاقة الاعلام بالقدرات المالية وتوسل الفساد والافساد كوسيلة لبلوغ النفوذ السياسي اضافة الى استعداد تاريخي من قبل الفئات الحاكمة للتأثر بالنفوذ الخارجي، يمكنه أن يتبيّن معالم المأساة التي يعاني منها لبنان وأسباب نجاح الارادات الخارجية في زرع الفتنة ورعايتها وتوسلها كسلاح أساسي في الحرب على لبنان. هذه الحرب التي لا يدرك خلالها معظم المواطنين على وجه اليقين من هو العدو. الفتنة الداخلية هي السلاح الذي لم يتوقف فتكه في لبنان وهو الأخطر والأفعل المتبقي بيد إسرائيل ومن حالفها وهي الأداة الرئيسية في حربها المستمرّة.

فبالرغم من الوحشية التي صاحبت الاعتداء الإسرائيلي على لبنان ومخالفة قوانين الحرب وارتكاب جرائم ضدّ الانسانية، وبالرغم من تعطيل دور مجلس الأمن بارادة أميركية لمدّة ثلاثة وثلاثين يوما لأعطاء إسرائيل الفرصة لتحقيق أهدافها في حربها على لبنان والمقاومة اللبنانية، لم تتمكنّ إسرائيل من تحقيق أي من أهدافها، المعلن منها وغير المعلن، وكان لمغامرتها العسكرية هذه نتائج كارثية في الداخل الإسرائيلي.

نتائج حرب إسرائيل على لبنان في صيف عام 2006 كانت نقيض نتائج حرب عام 1967 التي تمكنت فيها إسرائيل من تدمير جيوش وهزيمة دول عربية ثلاث بمن فيها أقوى وأكبر دولة عربية بأقلّ من اسبوع واحد. وها هي في حربها على لبنان تعجز بمدّة ثلاثة وثلاثين يوما، استعملت خلالها كافة امكانياتها العسكرية التي يمكن استعمالها،فضلا عن حصارات برّية وبحرية وجوّية، ولم تتمكّن من التغلّب على حفنة من المقاومين. لا بل ولأول مرّة في تاريخ حروبها مع جيرانها كان لهذه الحرب تأثير مروّع في الداخل الإسرائيلي تجلّى بشلّ مدن وقرى على ما يقارب ثلث مساحة الأراضي المأهولة التي هي تحت الهيمنة الإسرائيلية.

لا يمكن فهم استمرار واستفحال الأزمة اللبنانية واستعصائها على الحلّ الاّ من خلال الأهمّية التي توليها إسرائيل والولايات المتحدة، ويمكن اضافة بعض الأنظمة العربية الموالية للسياسة الأميركية في المنطقة، لضرورة القضاء على المقاومة. فالتهويل بهيمنة سورية على لبنان بعد خروج آخر جنديّ سوري من أراضيه، والتخوّف من سوريا على استقلال لبنان وسيادته كمبرر للتعنّت في منع وحدة داخليّة عن طريق حكومة تعبّر عن هذه الوحدة أمر لا ينطلي سوى على البسطاء والّذين تحكمهم هواجس لا تخضع للتحليل العلمي لواقع الأمور.

الهيمنة السورية على لبنان ما كان لها أن تكون وتستمر مدّة خمسة عشر عاما لولا الإرادة الأميركية التي كان كبار رسمييها يصفون الوجود السوري في لبنان بأنه عامل استقرار.والأصوات الداخلية التي تلجأ الآن الى الترويع من عودة السوريين الى لبنان والصاق كل جريمة ذات أثر على أمن واستقرار لبنان بالسوريين هي هي الأصوات التي استأثرت في اضفاء الشرعية على الوجود السوري في لبنان وشاركت واستفادت من معظم الأخطاء والتجاوزات لا بل الجرائم التي ارتكبت في ذلك الحين.

لم يتبدّل الموقف الأميركي من الوجود السوري في لبنان سوى بعد أن تمنّع الحكم في سوريا، لسبب أو لآخر، من المشاركة في نزع سلاح المقاومة اللبنانية وربما كانت الحرب على العراق عاملا اضافيا في تغيير الموقف الأميركي، لكنّها لم تكن العامل الوحيد. ولم تتحوّل القوى الداخليّة المؤيدة للهيمنة السورية في لبنان سوى بعد أن أبعد حلفاء الفساد من مراكز المسؤولية عن الملفّ اللبناني وتغيّر مجرى الرياح الأميركية.

يجب ألاّ يغيب عن الذهن أنّ إسرائيل مدينة بوجودها للقوّة المجرّدة عن الحق. القوّة بكافة أشكالها كانت الوسيلة لانشاء الدولة الصهيونية وتوسّعها وما تبع ذلك من ظلم ومآسي للسكان الأصليين من العرب. والقوّة العسكرية الإسرائيلية مكوّن أساسي من مكوّنات الدولة الصهيونية وهي أداة الردع الأفعل بالنسبة لكلّ من تسوّل له نفسه استعادة حق أو رفع ظلم. وبما أن الوجود الإسرائيلي لا يقوم على حقّ قانوني أو تراكم تاريخي صانع لهذا الوجود،فانّ ظهور الوسائل الفعّالة لاستعادة الحقوق ورفع الظلم له أثر مدمّر على الكيان الصهيوني. من هنا أهمّية مؤسسات التعبير عن القوّة وفي طليعتها جيش الدفاع الإسرائيلي كوسيلة ردع وعنصر أساسي في نشر الرعب وزرع ثقافة الهزيمة لدى أصحاب الحقوق.

من الصعب جدّا فهم تفاقم الأزمة السياسية القائمة في لبنان وتعميق حالة الشرذمة الداخلية من خلال اعتبارات تستوحي المصلحة الوطنية مهما كانت تصوّرات الفئات المتنازعة لهذه المصلحة.فاذا نظرنا الى أكثر عناصر الأزمة خطورة لوجدنا أن تردّي الوضع الأمني ربما كان في أساس ما يواجه لبنان من أخطار بما في ذلك اغتيالات وتفجيرات هدفها الترويع وشلّ حياةالمواطنين وظهور جماعات مسلّحة بهدف استنزاف الجيش وزرع الفتنة المذهبية.

فالتهديد الأمني يحتلّ الدرجة الأعلى في سلّم الأولويات فيما يتعلّق بالخطوات الواجب القيام بها لدرئه، ان على الصعيد الفردي أو بالنسبة للجماعات والدول. فالحفاظ على حياة وأمن الجماعة، كما الأفراد، يسبق بصورة طبيعية العمل على بلوغ كافة الاهداف الأخرى. والوحدة والتعاضد الداخلي هي أولى الضرورات وأهمّ عناصر النجاح في درء المخاطر الأمنية التي يعاني منها لبنان. وأبسط مظاهر هذه الوحدة تكمن في قيام حكومة اتحاد وطني تؤمنّ مشاركة فعلية لكافة الفئات والشرائح الاجتماعية في مقاومة الخطر الذي يتهدد الوطن. فأين المصلحة الوطنية في اعاقة قيام مثل هذه الحكومة وما هي المبررات المنطقية لذلك؟

المراقب لهذه الأزمة وتطوّرها، والذي رصد بدقّّة دور بعض الدول، يبدأ هنا يلاحظ التأثير الخارجي على استمرار الأزمة من خلال التأييد الذي تلقاه الفئة التي ترفض حكومة وحدة وطنية من قبل أطراف خارجية أعلنت مواقف صلبة من مسألة نزع سلاح المقاومة وعزلها. فكلّما ابتعد من هم في السلطة عن مواقف تؤدّي الى توحّد داخلي، وكلّما اتّخذ ما تبقّى من حكومة مواقف تتماهى مع مواقف خارجية على عداء واضح مع المقاومة ، كلّما ازداد اصرار مؤيّدي هذه المواقف في تصريحاتهم العلنية على شرعية هذه الحكومةوتأييد كلّ ما يصدر عنها.

بات من الواضح أن المخرج من الأزمة الحالية يكمن في وحدة داخليّة تستوحي فقط المصلحة الوطنيةفي الأقوال والأفعال. والجهود التي يقوم بها المسؤولون اللبنانيون يجب ان تعكس وعيا لأهمّية الوحدة الداخلية في الدفاع عن مصلحة الوطن وبأنّ حالة التشرذم والسعي أو السماح بالانزلاق الى فتنة داخلية هي مشاركة في تفعيل وسيلة أخرى من وسائل الحرب الإسرائيلية على لبنان.

لكنّ التقييم الموضوعي لممارسات بعض القوى الفاعلة على الساحة اللبنانية ودرجة الوعي الاجتماعي لأهمّية ما هو مصلحة وطنية،خاصة لدى النخب المثقفة التي عليها توجيه الرأي العام ومراقبة سلوك الحاكم، لا يدعو الى التفاؤل بحلّ سريع للأزمة مستوحى من مصلحة لبنانية بحتة. يدفعني الى هذا الاستنتاج سببان: الأول، الأهمّية التي توليها إسرائيل وبالتالي الولايات المتحدة لمسألة نزع سلاح المقاومة كهدف يستحقّ كلّ جهد ومهما كانت النتائح على أمن واستقرار لبنان. تترسّخ هذه القناعة لدى العارف بمدى نفوذ مؤيّدي إسرائيل في الداخل الأميركي ودورهم في رسم وتنفيذ السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وبمدى الهيمنة التي للولايات المتحدة في صنع القرار لدى معظم الحكومات العربية النافذة مهما كان هذا القرار منافيا لمصلحة عربية.

والسبب الثاني، هو ما يبدو بأنه التزام فريق فاعل على الساحة اللبنانية باملاءات ورغبات خارجية لدول أصبحت المصدر الأساسي لشرعية استمراره في الحكم. ولكن مهما كانت الدوافع لسلوك أطراف خارجية، عربية كانت أم أجنبية، بالنسبة لتأزيم الوضع الداخلي بهدف نزع سلاح المقاومة، فانّه من الصعب تفهّم مواقف قيادات وزعامات لبنانية تساعد في خلق أوضاع تدفع الى تدمير أمن لبنان واستقراره.ومهما صعب فهم هذه المواقف فانها تبقى واقعا يستدعي الكثير من الجهد وربما تحقيقات قضائية لفهم الدوافع لدى من يقدّم مصالح خاصة بلوغها يتنافى والمصلحة الوطنية.

cdabcd