حين نعتنا تصريحات «شريعتمداري« بالغباء السياسي والتاريخي، فإن مثل هذا النعت لم يكن مبالغة ولم يأت جزافا، فإيران هي آخر دولة اليوم في العالم كله لها مصلحة في تأزيم العلاقات مع دول مجلس التعاون، خاصة في ظل التهديدين الأمريكي والإسرائيلي، بالحرب عليها التي لن تنعكس عليها وحدها، وإنما على كل دول الخليج المحيطة بها.
المنطق يقول: ان تحلّ ايران قضاياها العالقة مع النطاق العربي، وأن تتعامل على أساس حسن الجيرة، وتبادل المصالح الاقتصادية، وتعميق الأواصر الدينية والتاريخية بحكم الجوار والحضارية، بحكم أنها جزء أساس من الخليج، مثلما الدول العربية الواقعة على الضفاف الأخرى للخليج جزء أساس فيه، ولذلك فإنه لا مجال لأطماع مبنية على أوهام إمبراطورية (ماضوية) لتكون أساسا للعب على الوتر الطائفي أو غيرها لتحقيق غايات بعيدة عن الفطنة والحكمة، وخاصة ان الأطماع الأجنبية لا تكف ولم تكف قط عن البروز. لذلك فإن معالجة النيات تأخذ مكانا من الأهمية بقدر معالجة الخطاب، وحيث تصريحات مثل تلك التي أدلى بها شريعتمداري وغيره، لم تفعل إلا خسران ايران ثقة شعوب المنطقة، وتعميق الشرخ وبث روح العداء والكراهية. حتى الأصوات الموضوعية في قراءة وقائع ما يحدث في المنطقة تجد نفسها اليوم، أمام تيار طاغ من وعي مغاير يطرح نفسه محاصرا بالأطروحات الطائفية والعرقية، ووضع الخطر الإيراني في كفة تقترب (بمثل تلك التصريحات) لتعادل الخطر الامبريالي الغربي. واذا كان تعاطف الشعوب العربية مع إيران ناجماً عن دعمها للمقاومتين الفلسطينية واللبنانية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، فإن ايران مطالبة بمعالجة نياتها تجاه البحرين وقطع الشكّ فيها، ومعالجة مسألة احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث، ومعالجة التباس وجودها ودورها في جنوب العراق، ومعالجة القضايا الحقوقية في المناطق العربية التي احتلتها مثل المحمّرة وعبدان والأهواز وغيرها، والتي تعتبرها جزءا من ايران بشكل نهائي، مثلما اعتبرت تركيا لواء الاسكندرونة جزءا منها، وحيث في تلك المناطق مظلوميات عديدة ومطالب لحقوق الإنسان فيها سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم بما يتعلق بحريات الرأي والتعبير. ان ايران التي تواجه الكثير من المصاعب الداخلية والمخاطر الخارجية، وتلتقي في الكثير من ذلك مما يواجهه بعض الدول العربية، من المفترض ان تعمل بشفافية حقيقية مع جيرانها العرب، ومع الدول العربية الأخرى المؤثرة، بحيث لا تُناقض طرحها السياسي في العلاقة مع (الشيطان الأكبر) باقتدائه في الظلم والعدوان على من حولها، حتى إن جاء على هيئة الالتباسات المحيطة بها في جنوب العراق، وحول الجزر الإماراتية الثلاث، وحول التصريحات الاستفزازية والخطيرة بما يخص البحرين. من المفترض ان تسعى إيران بقوة وبوضوح إلى حلّ كل القضايا العالقة بينها وبين العرب، ومن خلال طاولة حوار مباشرة، عوضا عن اتباع أساليب اللفّ والدوران، أو كما يسميها البعض (التقية)، وان تسد الهوة ما بين السلوك والتصريح، أو ما بين التصريح والتصريح، وتعمق المسافة ما بين النيات الامبراطورية الشاهنشاهية وبين نيات الدولة الإسلامية التي جاءت بعد الثورة في 1979، وأن تعمل على (الطرح الإسلامي التوحيدي) المتخلص من النزعات المذهبية التفريقية أو النظرة العنصرية أو المتعالية تحت الحالة الماضوية للامبراطورية الفارسية القديمة والمندثرة. من يرد التعاون مع دول المنطقة وزرع الثقة، فالطريق الى ذلك واضح لا تخطئه العين، أما من يضمر نيات ويعلن غيرها، فإنه أولا قابل للانكشاف مهما طال الوقت، وثانيا فهو لا يزرع إلا العداء والكراهية والبغض، وهو ما ستخسر إيران عبره الكثير، لأن الباطل والظلم والاستعداء لا ينتج عنه إلا الخسران المبين، ولكل الأطراف حتما.