معركة البارد... معركة اللاقرار
الحرب تصبح خاسرة إن هي فقدت الأخلاق....
هي عبارة محفورة على تمثال نصفي ليوليوس قيصر في المتحف الإيطالي. وهي تمثل عبرة تاريخية. فلكي تقنع شعبك بخوض حرب تعرض حياة أبنائه لخطر الموت عليك أن تقدم له أسباباً أخلاقية تبرر تلك الحرب.
في مرة من المرات شرح لي الرئيس اليمني الراحل سالم ربيع علي، وهو تولى رئاسة مركز دراسات استراتيجية، لماذا كان يرفض أن يرسل الجيش في مواجهات كثيرة كانت تحدث داخل الجنوب وخارجه في السبعينات من القرن الماضي، مفضلاً بعث قوات شعبية. كان يقول إن هناك قاعدة في الجيش تفيد بأنه إن قتل جندي في معركة فسيرسل الجيش سرية لمواجهة الأمر، فإن هزمت السرية سيبعث بكتيبة وإن لم تنجح الأخيرة سيذهب لواء وإن فشل اللواء تحركت فرقة. فالجيش لا يحتمل لا في داخله ولا ضمن محيطه الهزيمة. يجب أن ينتصر أو في أسوأ الأحوال يجب أن يظهر بمظهر المنتصر.
أستذكر هذا الحديث ومعه مواقف الراحل الشهيد رشيد كرامي الذي كان يقول ان التعددية اللبنانية كفيلة بتفجير تناقضاتها داخل المجتمع وعندها يجب إبعاد الجيش عن هذه التناقضات المتفجرة.
قرأنا في الإعلام اللبناني مؤخراً مواقف عديدة مناقضة لهذه الطروحات وداعية لارسال الجيش الى المواقف الشبيهة. ولا بد من تسجيل الالتفاف الشعبي حول الجيش في مهمته الحالية. وهو ما يعطي هامشاً لمخالفي طروحات التحفظ على توريط الجيش. ومع ذلك فان أسئلة خطيرة تفرض نفسها واهمها:
ما هو النظام السياسي الذي يستند اليه جيشنا في معركته وهل هو نظام قادر ومقبول شعبياً؟. ومن هو صاحب القرار عندما يساق الجيش الى معركة دون علمه؟. وماذا عن الحكومة التي تترك القرار لقيادة الجيش؟. ومن يحاكم الخارجين على القانون في بلد تدخله محكمة دولية للتحقيق في الإغتيالات؟. ومن ينسق ويختار الوسطاء؟. ومن يتخذ قرار التدخل الأجنبي؟. فهل تخبيء لنا الحكومة هذه الورقة كي تقول في مرحلة لاحقة ان الجيش استنفد وعلينا طلب مساعدة عسكرية خارجية؟. وفي هذه الحالة هل يشارك الجيش في مثل هذا القرار أم يترك للعق جراحه؟.
كيف نطلب من الجيش أن يقدم شهداءه في مثل هذه الظروف؟. والجمهور اللبناني منقسم حول الوسطاء والجهات الوسيطة؟. كيف نطلب ذلك والفريق الأكثري يوجه بذاءاته للوسطاء؟. وهل يستقيم ان يحدد أكرم شهيب وجوقته توصيف "الداعية" المشارك في الوساطات؟. وقبل هذا وذاك كيف نضع جيشنا في وضعية انتظار وساطات لا يبررها سوى فساد وعجز الدولة عن مجرد ادعاء كونها حاكمة؟. ألا يحق لنا أن نستغرب كيف تواجه الحكومة جمهورها باعلان عجز من هذا الوزن!.
لبنان الذي يدعون حكمه وتحويله الى الديمقراطية عاجز وينتظر صدقات الوساطات والهبات والمعونات العسكرية الامريكية. وهو يهتز عند اول مواجهة مع مجموعة محدودة العدد والعدة. فيستقيل السياسيون الافتراضيون من القرار ويدفعون بالجيش وهو المؤسسة الوحيدة التي استعصت على اختراقاتهم نحو معركة اللاقرار.
كيف لهذا الجيش ان يقاتل وسط غابة الخلافات الداخلية المستعرة؟. أولا يحق لهؤلاء الأبطال ان يسألوا من نقاتل ولماذا نضحي؟. فهل هم يقاتلون بقايا النظام السوري والأراجيف التي يتحدث عنها بذعر ما يسمى بفريق السلطة؟. أم انهم يقاتلون من أجل كبت ردود الفعل على المحكمة الدولية؟. أم أنهم سيقوا الى هذه المعركة تمهيداً للتوطين او لتدخل أجنبي أو توطئة لإقامة قاعدة عسكرية امريكية في مطار القليعات؟. ام ان تنظيم القاعدة هو العدو؟. فهل يمكن تحديد العدو وتعريفه قبل زج الجيش في المعركة؟.
لقد رفض الجنرال فؤاد شهاب زج الجيش في معارك التكالب على السلطة. فقد اراده بعضهم للحفاظ على موقعه في السلطة فرفض فؤاد شهاب. وبالتأكيد فان الجنرال سليمان كان سيرفض لو قدمت له المعركة على انها وسيلة لبقاء السنيورة وجوقاته في حالة حكم مذلة يقبلها لنفسه.
ما تقدم يقودنا للتساؤل عن اخلاقية الحرب التي يخوضها جيشنا الآن وعن المبررات الوطنية والأخلاقية لتقديمه الشهداء؟. والسؤال يطرح نفسه بعد انكشاف خدعة مواجهة عصابة عبر عملية أمنية محدودة. وهي خدعة انكشفت سريعاً لسذاجة اعدادها. فالمسألة لم تكن مطاردة عصابة متخصصة في سرقة البنوك.
فهل يقاتل الجيش من أجل المحكمة الدولية والحفاظ عليها كمكسب سياسي لأشباه سياسيين؟. أم هو يقاتل لإبقاء السنيورة وجماعته في القصر الحكومي؟. أم أنه يقاتل المتعاونين مع النظام السوري؟. وهل أدخل الجيش في الخلافات الفلسطينية الداخلية ليقاتل أعداء فتح / محمود عباس؟.
إذا كان الجيش يقاتل للحفاظ على أمن البلد واستقراره فهو غير مسؤول عن هذه المعركة في البارد. فالمسألة في هذه الحالة تقتضي تسلمه الملفات الأمنية والمعلومات ومن ثم اتخاذه القرار على ضوئها. خاصة وأن الجيش لا يحتاج لإثبات وطنيته وجدارته وحجم الاجماع الشعبي حوله.
قدموا لهذا الجيش تعريفات دقيقة لموجبات تضحياته ولا تورطوه أكثر من ذلك!.