أستاذ الطب النفسي – الجامعة اللبنانية
ذهب بوش وحيداً في العام 2003 لغزو العراق وإحتلاله وتدميره. ولم يكلف نفسه عناء الإلتفات إلى معارضي الحرب الاوروبيين والأميركيين ولا للمظاهرات التي قامت ضد الحرب في أنحاء العالم. فهو لم يكن يحتاج لا لموافقة الأمم المتحدة ولا لحلف الأطلسي ولا لغيرها. وهو اكتفى بتجميع بضعة دول اوروبية فقيرة تحلم بالمساعدة الأميركية فكون منها جيوش التحالف.
ذهب بوش وحيداً في العام 2003 لغزو العراق وإحتلاله وتدميره. ولم يكلف نفسه عناء الإلتفات إلى معارضي الحرب الاوروبيين والأميركيين ولا للمظاهرات التي قامت ضد الحرب في أنحاء العالم. فهو لم يكن يحتاج لا لموافقة الأمم المتحدة ولا لحلف الأطلسي ولا لغيرها. وهو اكتفى بتجميع بضعة دول اوروبية فقيرة تحلم بالمساعدة الأميركية فكون منها جيوش التحالف.
في اطار الحرب النفسية كان احتلال العراق مجرد نزهة في مخيلة الجندي الأميركي وتم إقناعه بأن العراقيين سوف يستقبلونه بالموسيقى والورود لأنه يحررهم. فكانت المقاومة العراقية التي قلبت المعادلات وصولاً إلى ما هو الحال عليه اليوم. حيث الإضطرابات النفسية الصدمية والخوف من الموت يتخطى الجنود إلى الدبلوماسيين الأميركيين بحسب الدراسات المنشورة في الصحافة الأميركية.
خوف آخر ينتاب اليوم مسؤولي إدارة بوش وهو خوف الفضيحة والصدمة المعنوية المتمثلة بانهيار إحترام صورة الذات المقترن بالنبذ الإجتماعي. فبمراجعة الفترة القصيرة منذ فوز الديمقراطيين بالانتخابات نجد ان الفضيحة أصابت قائمة من واجهات بوش السياسية. حيث إضطر رامسفيلد وزير الدفاع الهائج للإستقالة ومثله القميء حامل درع الأرز جون بولتون ومؤخراً يطرح وولفويتز للذبح على مذبح الفضائح. وقبلهم كان المستشارون البارزون لديك تشيني ولرامسفيلد. والآتي أعظم لأن السيد تشيني مطروح للفضيحة بل للفضائح وهي دافع جولته الحالية في المنطقة. فما الذي يحمي نائب الرئيس عندما تطرح إقالة بوش نفسه؟!.
هذه هي الديمقراطية الأميركية بنسختها الأصلية ولنتابع انعكاساتها على نسخها المشوهة المصدرة الينا لنجد أن حكومة المالكي ترتعد خوفاً لفكرة جدولة الإنسحاب الأميركي. وحكومة السنيورة تطالب بإعادة لبنان إلى عهد الإنتداب لمجرد أنها عجزت عن الحكم وعن تلبية المطالب الأميركية منها. وفي حين ينتظر المالكي قوات اميركية اضافية، وتدخل عسكري اميركي قاهر لإجراء تعديل في وزارته، نجد السنيورة ينتظر إقرار المحكمة في مجلس الأمن تحت الفصل السابع بعد قيامه بواجب طلب ذلك برسالة جديدة.
الأهم أن النسخ المشوهة للديمقراطية الأميركية لا تتضمن الحساب والمحاسبة ففي حين كاد كلينتون يهوي بسبب فستان مونيكا الشهير نجد هوامش بوش العرب أعصياء على المحاسبة. حتى أنهم باتوا يتسلون بالدستور كما يتسلى الأولاد بالعابهم. حيث تعطيل المجلس الدستوري لإلغاء مبدأ المحاسبة وحيث أصبحت تجاوزات الدستور مسائل نسبية لا يحكمها القانون بقدر ما تحكمها أبواق الإعلام وتقنيات الحقن والتحشيد وغسيل الأدمغة الإعلامي.
مع ذلك يعشعش الخوف في رؤوس الهوامش العربية لبوش. فقد تذكرت هذه الهوامش أن لبلادها تراث وهو يعني ان لها ذاكرة جمعية ولا وعي جمعي وحسابهما أكثر عسراً ووطأة من حساب الدساتير والإنتخابات. وفي ذاكرتنا الجمعية بقايا مظالم وقهر تعرضنا له على يد الأقوياء المتحالفين دوماً مع إسرائيل. كما تحوي هذه الذاكرة حساسية مميزة تجاه الهوامش التي عملت في خدمة الأقوياء لتحقيق غاياتها الشخصية.
الهوامش العربية ترصد اليوم بخوف وترقب تحولات السياسة الأميركية في المنطقة وتقرأ بوادر الخلاف بين اكراد طالباني وبارزاني. وهي أفضل طريقة لتخلص واشنطن من التزاماتها الكردية. فبمراجعة سلوك واشنطن نجد انها تتهرب من التزاماتها بكل الوسائل ومنها الإيقاع بين حلفائها الهامشيين. وتطبيق ذلك في لبنان يعني تفجير الخلافات داخل فريق 14 آذار ليتسابق كل جزء منه لنيل الرضى الأميركي ولا يناله. ويبدو ان واشنطن وقتت هذا التفجير بالتزامن مع انتخاب رئيس الجمهورية.
لسنا نعلم بعد اذا كان التخلي الاميركي عن الهوامش اللبنانية سوف يتم وفق نموذج هانوي أو وفق النموذج الكردي لكننا نؤكد أن المصلحة الأميركية لم تعد ذات صلة بهم. وما تبقى لهم هو مجرد تحرك يائس لجماعة اللوبي اللبناني المتهود في اميركا. ونحن نعلم محدودية نفوذه من أيام بوش الأب الذي وعد هذا اللوبي ثم عقد صفقة مدريد مرفقة بحربه الكويتية. خاصة وان بوش الإبن قد فعل المستحيل بدليل نوعية الهوامش الطافية حالياً على سطح المشهد السياسي اللبناني.