Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
نزع للسلاح أم نزع للإرادة؟!
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  رأي التحرير  »  نزع للسلاح أم نزع للإرادة؟!
نزع للسلاح أم نزع للإرادة؟!
 د. يوسف مكي | نشر  01/27/2003 | رأي التحرير
نزع للسلاح أم نزع للإرادة؟!

قضيتان مركزيتان تمثلان الشغل الشاغل لنشرات الأخبار والصحف العربية في الشهور الأخيرة: نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية، وإيقاف العمليات المسلحة الفلسطينية. وحول هاتين القضيتين عقد مؤتمر مصغر في العاصمة التركية، استطنبول في نهاية الأسبوع الماضي ضم وزراء خارجية ستة دول عربية، ومجاورة معنية مباشرة بالشأن العراقي. وقد أصدر المؤتمرون في نهاية اجتماعاتهم بيانا حثوا فيه الحكومة العراقية على الإلتزام بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم1441، والإمتناع عن تهديد جيرانها. وطالبوا المجتمع الدولي بمنح فرصة أكبر لفرق التفتيش الدولية لكي يمكنها إنجاز عملها على أكمل وجه. وتحفظوا على اللجوء إلى الخيار العسكري. ولم ترد في البيان إطلاقا أية إشارة بالإسم إلى الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة، والتلويح الأمريكي المستمر بالعدوان على العراق.

ومن جهة أخرى، يعقد ثلاثة عشر فصيلا من فصائل المقاومة الفلسطينية اجتماعات مكثفة في القاهرة، برعاية وإشراف من قبل الحكومة المصرية، تحت شعار صياغة استراتيجية جديدة للتصدي للإحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة في المرحلة المقبلة، على ضوء المتغيرات الدولية. والمعروف أن هناك جملة من الضغوط الحادة تمارس على المقاومة الفلسطينية منذ فترة من قبل أطراف دولية وعربية بهدف اقناع الفلسطينيين بإنهاء انتفاضتهم الباسلة والتخلي عن رفع السلاح في مواجهة المحتلين الصهاينة. ومن الواضح أن الإجتماعات المكثفة التي تعقد في القاهرة الآن تأتي في هذا السياق.

والذي يلحظ ما جرى في اجتماع اسطنبول وما يجري حاليا من مداولات في اجتماعات القاهرة سيتصور لأول وهلة أن هناك حشودا عراقية تطبق بخناق المدن الأمريكية الكبرى في نيويورك وواشنطون وشيكاكو ولوس أنجلوس، وأن الصواريخ المحملة بالرؤوس النووية"التي يمتلكها العراق" تتهيأ للإنقضاض على الحضارة الأمريكية وتدميرها، وليس العكس، أو على الأقل أن هناك تهديدا عراقيا جديا لجيران العراق.. وفي مقدمتهم الكيان العبري... كما سيتصور أيضا أن المقاتلين الفلسطينيين يحكمون قبضتهم على المدن الرئيسية في الكيان الصهيوني، ويطوقون بجيوشهم مدينة تل أبيب من كل جانب.

يتزامن كل هذا مع تصعيد واضح لوتيرة العدوان، وتحشيد واسع للجيوش الأمريكية في المنطقة برا وبحرا وجوا، وإعلان واضح وصريح من قبل الأمريكيين، وفي المقدمة منهم الرئيس الأمريكي، جورج بوش ووزير خارجيته، كولن باول ووزير دفاعه رامسفيلد بأن الإدارة الأمريكية سوف تشن الحرب على العراق، أيا كانت نتائج تقرير رئيس الإنسكوم(لجنة التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل في العراق)، هانز بلاكس وأيا كانت نتائج تقرير رئيس هيئة الطاقة الذرية، محمد البرادعي، وأنها ليست بحاجة إلى قرار جديد من مجلس الأمن الدولي، يجري تفويضها بموجبه باستخدام الخيار العسكري.

من جهة أخرى، يوجه جيش الإحتلال الصهيوني حرابه وقواه العسكرية نحو قطاع غزة، ويقوم بقصفها برا وجوا بعد أن أقدم في عملية تدمير منظم على تقطيع أوصال الضفة الغربية، وقام بمحاصرة مدنها وقراها، وبعد أن استأصل خيرة وأهم القيادات الفاعلة في الكفاح الفلسطيني. وفي هذه الأجواء المعتمة، يهدد وزير الدفاع الإسرائيلي، الجنرال موفاز بتقويض كامل للسلطة الفلسطينية واجتياح شامل لقطاع غزة وإعادة اجتلالها من قبل الصهاينة. يأتي ذلك في الوقت الذي باشرت فيه القوات الإسرائيلية عمليا تدمير المدن والأحياء في القطاع، والتي كان لبيت حانون نصيب الأسد منها، حيث جرى قصف وتدمير مركز عليها أودى إلى استشهاد اثنى عشر وأكثر من خمسين جريحا فلسطينيا، جروج بعضهم بالغة الخطورة، ناهيك عن هدم البيوت وتخريب أنابيب المياه، ومنع التجوال، وترويع المدنيين العزل.

لقد ثبت بالدليل أن ما يعد للساحتين العراقية والفلسطينية لا علاقة له بمكافحة الإرهاب، ولا بنزع أسلحة الدمار الشامل، كما ثبت بالدليل أيضا، تهافت مصداقية المقولات والذرائع الأمريكية والصهيونية حيال المسألتين.

فإدارة الرئيس جورج بوش التي بدأت دورتها الرئاسية، بطرح مشروع العقوبات الذكية السئ الذكر، بديلا عن فرق التفتيش لنزع الأسلحة، والذي لم تستطيع تسويقه للمجتمع الدولي، ما لبثت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام2001 في نيويورك وواشنطون أن انتقلت مباشرة إلى المطالبة بعودة المتفتشين الدوليين إلى بغداد، بعد أن تم تصنيف حكومتها مع حكومتي إيران وكوريا الشمالية بأنهم يشكلون محورا للشر، بما يعيد إلى الذاكرة تاريخ الحرب العالمية الثانية والمحور الألماني الإيطالي الياباني الذي تصدت له بقية الدول الغربية، وقادت عمليات مواجهته في السنوات الأخيرة للحرب كل من الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي. وكان إطلاق جورج بوش تسمية محور الشر بحق العراق وإيران وكوريا الشمالية قد حمل في طياته نذر الحرب، في إشارة واضحة إلى أن المجتمع"المتحضر" عليه أن يواجه بذات العزيمة والثبات التي واجه بها النازية والفاشية والنزعة التوسعية اليابانية المحور الجديد للشر، مع إدراك الجميع لفقدان مسوغات التسمية الجديدة، كون الدول الثلاث التي جرى تصنيفها تحمل عقائد سياسية مختلفة ولا تربطها مع بعض أية تحالفات سياسية أو عسكرية.

وبعد ذلك انتقلت الإدارة الأمريكية إلى المطالبة بشكل حاد بعودة المفتشين الدوليين إلى العاصمة العراقية، وهي التي كانت من قبل أثناء الدورة الثانية للرئيس بيل كلينتون قد أمرتها بمغادرة الأراضي العراقية فورا في إطار عملية التحضير للعدوان الأمريكي البريطاني على العراق، والذي عرف لاحقا بعملية ثعلب الصحراء عام1998. وفي هذا الصدد، بدأت ماكنة الإعلام الأمريكية والعالمية على السواء في الحديث عن تطورات علمية مذهلة حدثت خلال فترة انقطاع المفتشين، وأن هناك أجهزة تصنت واستشعار وتفتيش دقيقة ستكشف كل مستور، وسوف تجعل من المستحيل على النظام العراقي إخفاء أسلحته في أي مكان من بلاده، وأن عودة المفتشين إلى بغداد هذه المرة ستكون حاسمة وسوف تتكلل بالنجاح.

وجرت ضغوط روسية وفرنسية وعربية على الحكومة العراقية كي تقبل بعودة المفتشين سدا للذرائع وتجنبا للعدوان، وتمت الموافقة على ذلك، لكن الإدارة الأمريكية غيرت أجندتها مباشرة، وعارضت عودة المفتشين إلى بغداد دون استصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يتضمن بنودا قاسية، تصل حد الموافقة على احتلال سلمي للعراق. وكانت النتيجة صدور القرار 1441 عن مجلس الأمن وقبول العراق به، رغم كل تحفظاته عليه، ومن ثم عودة المفتشين الدوليين إلى بغداد.

ومنذ عودة المفتشين الدوليين إلى بغداد، أخذت فرق التفتيش تزاول عملها دون مشاكل رغم السلوك الإستفزازي لبعض أعضائها، الذي بلغ حد الدخول إلى المساجد والتحقيق مع أئمتها، ورغم الهجوم والتفتيش على المنازل الخاصة في أوقات الفجر، بما يتنافى مع المبادئ المعلنة عن حقوق الإنسان، تحت ذريعة مساءلة العلماء. ويلاحظ في هذا الصدد أنه بالقدر الذي تتصاعد فيه عمليات التحشيد العسكري والتهديد الأمريكي بالحرب على العراق، كلما تضاعف فرق التفتيش من عربدتها واستفزازاتها.

والثابت الآن، حسب تصريحات رئيس لجنة الطاقة النووية، محمد البرادعي أن تقارير اللجنة التي وجهت في يوم الإثنين السابع والعشرين من هذا الشهر لن تحمل أية مفاجئات، بما يعني أن فرق التفتيش في اللجنتين الذرية ونزع أسلحة الدمار الشامل لم تعثرا على أية خروقات عراقية، وأنه لا توجد أسلحة دمار أو مشاريع للتسلح النووي لدى العراق.

ولأن الإدارة الأمريكية واثقة تماما من خلو العراق من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل المحرمة استخدامها دوليا، ولأنها مصممة على احتلال العراق، رغم تهاوي الحجج والذرائع التي حاولت تسويقها، فقد انتقلت من التأكيد على قدرة وفاعلية فرق التفتيش إلى التشكيك في إمكانياتها، والحديث عن فشل تلك اللجان في مهمتها، تحت ذريعة جديدة هي أن العراق بلد واسع بأراض شاسعة تتيح للنظام العراقي إخفاء أسلحته دون أن تتمكن فرق التفتيش من العثور عليها. ومادامت فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة غير قادرة على الكشف عن تلك الأسلحة، وما دام العراق ينفي وجودها لديه فإن الحل الأمثل هو شن الحرب على العراق، وتزع أسلحته واحتلاله وتعيين جنرال أمريكي عليه.

يتطابق ذلك تماما مع فعل رئيس الوزراء الصهيوني، أرييل شارون، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فالسلطة الفلسطينية، برئاسة ياسر عرفات المحاصرة منذ أكثر من عام، مطلوب منها وهي في الحصار إخماد صوت المقاومة والقضاء على الإنتفاضة الفلسطينية، وهو مطلب فريد وغريب ربما ليس له مثيل في التاريخ.. فلأول مرة يطلب إلى شعب محتل أن يضمن أمن محتليه. ولكنه مطلب معقول في زمن التداعي والتراجع.

ليس المطلوب إذن من الذرايع والحجج التي تسوقها الإدارتين الأمريكية والصهيونية نزع السلاح، فقد ثبت تهاوي كل تلك الحجج والذرائع.. إنما المطلوب هو نزع الإرادة. وهذا المطلب الأمريكي لا يخص العراقيين أو الفلسطينيين وحدهم.. إنه مطلب لنزع الإرادة عن العرب أجمع، والحرب في النهاية هدفها تركيع الأمة العربية، وتعطيل دورها الإنساني والحضاري والهيمنة على مقدراتها.

ولا شك أن لإستسلام للغة التهديد والوعيد الأمريكية والصهيونية من قبل العرب سيشكل ظاهرة قاتلة وأمرا خطيرا جدا في تاريخنا المعاصر.. إن بإمكان الأمم أن تتحمل الهزائم في أسلحتها وعتادها، وإبكانها أن تتجاوز النكبات والنكسات، ولكن من الصعب إن لم يكن من المستحيل على الأمة أن تنهض من جديد إن هي هزمت في إرادتها. فهل ستقبل أمة بعمق تاريخنا وتجليات حضارتنا، ومبادئ عقيدتنا السمحة أن تهزم في إرادتها؟!


اضف تعليق
تعليقات


خيارات المقال