يبدو أن البحرين ستشهد انقسامات اجتماعية وثقافية طبقية من طراز آخر يختلف عما أراد (تقرير البندر) ان يوصل البلاد اليه.
فمجنون ليلى الذي افتتح به قاسم حداد ومارسيل خليفة ربيع الثقافة في البحرين بات حديث الساعة، عنوان المعركة، الهاجس الاساسي لدى كثرة من القوى والجمعيات والفعاليات السياسية والدينية، حيث اعتبره (السيف البتار) وهو التعبير المفضل للنائب محمد خالد من زمرة المنبر الاسلامي، ربيع السخافة، اما نواب الشعب من الكتل الدينية، من الوفاق الى الاصالة والمنبر الاسلامي، فقد اعتبروا ان هذا المجنون أخطر بكثير من (البندر وتقريره) بل واخطر من تقرير (الرقابة المالية) ومن سائر الفضائح التي تزكم الانوف بما في ذلك (تجميد التداول في العقارات في المحرق والحورة) لأسباب معروفة من الجميع لكنها مغطاة بحجة الحفاظ على المناطق الأثرية القديمة في هاتين المحافظتين او ما تم اختزاله (منطقتين).. وبات الهم الاساسي للكتل الثلاث تشكيل لجنة للتحقيق في الشعر والأداء والعرض الفني الابداعي، ويقول البعض بأن هناك من قرر احالة (المجنون) الى النيابة العامة، في مشهد ذكرنا برقيب الكتب في احد الدول العربية الذي عرض عليه كتاب مايكل انجلو وبه صور عارية، فطالب صاحب المكتبة بأن يطلب من الفنان ان يكون اكثر حشمة وان يستر عورات النساء في لوحاته!!
انها الاخلاق التي يخاف النواب وزمرة الموالين ومن يسير في دبرهم ان تختفي من البحرين، واية اخلاق؟ انها اخلاق النفاق والرياء والدجل والمديح والتطبيل والتزمير لكهنة الاراضي والاسهم والعقارات والسلطة.. انهم يخافون أن يصبح الناس مجانين، يحبون بعضهم الى درجة العشق الالهي الذي عبر عنه الحلاج، يذوبون في بعضهم البعض، لا يعرفون المذهب ولا القبيلة ولا اللون، الى الدرجة التي يعود الاثنان (الرجل والمرأة) الى طبيعتهما الانسانية كما خلقهما الله، حيث بدون الحب لا يمكن ان يحيا الانسان.. حبه للاخر او لعمله او للوطن او للانسانية، والا انتمى الى الفرقة البوشية (التي تريد تعميم ديمقراطية الصهاينة والذبح على الهوية في العراق) او الفرقة الناجية التي تريد تصفية الآخر.. لتطهير البشرية من الجاهلية بما في ذلك جاهلية الحب والعشق والسمو الابداعي..
على الجانب الآخر، وفي الوقت نفسه، يتزايد الحراك العمالي، في القطاعات الحكومية والشركات والقطاع الخاص، مطالباً بزيادة الاجور بالدرجة الاساسية، حيث يزداد البعض سمنة الى الدرجة لا يمكن تصورها في الوقت الذي لا يستطيع الكثير شراء السمك في بلاد البحرين حيث وصلت اسعار غالبية انواعه الى درجة ستحول غالبية شعب البحرين الى نباتين، قبل ان يلاحقهم تجار الخضرة الذين يراقبون بدقة هذه التحولات ليرفعوا الاسعار ايضاً في غياب عدم اهتمام حكومي الا من توزيع الوعود ومزايدة الاقطاب على بعضهم البعض، حيث يعد احدهم ببناء الف وحدة سكنية في المحرق فيقوم الآخر باطلاق وعد ببناء عشرة الآف وحدة لحل مشكلة الاسكان، ليقوم مطبل آخر بالدعوة الى تسمية المولود باسم الفلتة التاريخية قبل الولادة!!
الحراك العمالي يوحد الطبقات المسحوقة في البحرين، من خلال النقابات العمالية والعرائض التي باتت الموضة التي نشاهدها في كافة المواقع.. فلا بد من زيادة الاجور، ولا بد من تثبيت العامل البحريني، ولا بد من البحرنة والتخلص من كثرة من المدراء والفنيين والعمالة الاجنبية، ناهيك عن التجنيس السياسي الذي يعبر عن تخبط السلطة في مواجهة المطالب المعيشية والسياسية لدى القطاعات الواسعة من المواطنين، فتهرب الى الامام بتجنيس من هب ودب لتحقيق حلمها في التوازن الطائفي.. وقد تزايد الحراك العمالي في ذكريات مارس، حيث عرفت البحرين الانتفاضات السنوية والموسمية المتكررة العنيفة في هذا الشهر مطالبة منذ الثلاثينات من القرن المنصرم، بتحسين اوضاع العمال وزيادة الاجور، وحق العمال في تشكيل نقابات لهم.. ولا تزال المطالب مستمرة، حيث ترفض الحكومة السماح لعمالها - وهي رب العمل الاساسي في البلاد- تشكيل نقابات تدافع عن حقوق العمال والمستخدمين، مفضلة التعامل الفردي الطائفي العرقي في وزاراتها، حيث باتت بعض الوزارات مزدهرة بارباب الفرقة الناجية والموالين والطائفيين والطبالين من مختلف الاعراق.
مجنون ليلى وبطله المحلي العربي العالمي، قاسم حداد، منذ بداية الربيع وللوقت الحاضر، يعيد رسم الخريطة السياسية والثقافية، والصراع السياسي في البلاد جنباً الى جنب مع الحراك العمالي الذي لا يمكن ان يرتكز على الطائفة او العرق او اللون او الجنس (المرأة والرجل)، فحيث التقت كثرة من الاطراف الطائفية لمواجهة هذا الحب الذي قد يوحد الشعب.. ويعيد الاعتبار للابداع والفن والموسيقى والحياة والضحك والعلاقات الانسانية الراقية التي لا يمكنها الا ان تتطور بالاتجاه الثنائي (ولن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم).. فان هذه الهجمة المتخلفة التي عبرت عنها بعض الصحف والجمعيات السياسية والدينية وتداعى لها مجلس النواب ليشكل لجنة للتحقيق، باعتبار أن البلاد قد وصلت الى خطر كبير، يتجاوز (الصفوية، والوهابية، والتجنيس السياسي، والمؤامرات الايرانية، والبندر.. الخ)، قد استنهضت في الوقت ذاته كثرة من المثقفين الحقيقيين والمبدعين والقوى السياسية التقدمية التي ترى بان الوجه الآخر للبندر قد تم التعبير عنه في هذا الحلف الذي يريد جر البحرين - دلمون الحضارة والتاريخ الى طالبان.. وفي الوقت الذي يعبر الفن وربيع الثقافة عن هذه الابداعات التي تميز بها مثقفو البحرين، فان الطبقة العاملة التي وقفت طيلة القرن المنصرم عقبة حقيقية كبيرة في وجه الطائفية.. تشق طريقها، موحدة صفوفها لمواجهة الارتفاع الفاحش في الاسعار والتوحد في مواجهة الفقر وتدني الاجور والاستغلال الفاحش.. معبرة بذلك عن رفضها للوجه الآخر للبندر الذي ارادت السلطة ان توصل شعب البحرين اليه.. فاذا بالظلم الاجتماعي والاقتصادي والنهب والجشع لدى زمرة من الطفيليين والسلطة يوحد من يريد حياة حرة كريمة، وعملاً وتعليماً وخدمة صحية واسكاناً لائقاً ببني البشر في المحرق وبني جمرة وسترة وقلالي والرفاع وغيرها من قرى ومدن واحياء البحرين دون تمييز طائفي او عرقي.
دون الحب لا يمكن ان نؤسس حياة عائلية مستقرة..
ودون الحب وتجاوز الخلافات والصراعات الثانوية، والتركيز على المصالح المشتركة بل والتنسيق بين كل العمال والنقابات العمالية لا يمكن ان نؤسس لحركة نقابية وعمالية تواجه تنسيق الرأسماليين مع بعضهم البعض (فالرأسمالي لا يعرف الحب الا حب المال)..
ودون الحب الى مستوى مجنون ليلى لا يمكن للحركة السياسية التقدمية مواجهة كل البنادر وكل البوشات ناهيك عن من يبشر عباد الله بالحور العين والقصور وأنهار الخمر واللبن في الحياة الآخرة وهو في احضان السلطان في الحياة الدنيا!!
راقبوا البحرين.. انها تستحق من يقف معها في معركة الثقافة والكرامة.