نظم مشروع "الديمقراطية والتنمية في العالم العربي" في بيروت الذي يديره الدكتوران سمير مقدسي وإبراهيم بدوي مؤتمراً مهماً حول أسباب العجز الديمقراطي في المنطقة العربية. قدم باحثون وباحثات إلى المؤتمر الذي انعقد خلال نهاية الشهر الفائت أوراقا حول الجزائر ومصر والعراق ولبنان والأردن وسوريا والسودان ومنطقة الخليج، فخلصوا منها إلى التأكيد على نمطين رئيسيين للعجز الديمقراطي: الأول أسباب تعود إلى الأوضاع الخاصة في كل بلد من البلدان المشار اليها. الثاني، عام وشامل ويتكرر في العديد من دول المنطقة.
على الصعيد الثاني، قدم الباحثون والباحثات ثلاثة أسباب رئيسية، كان من بينها انتشار نموذج الدولة الريعية في المنطقة. فالدولة الأوتوقراطية العربية لا تملك العصا فحسب لمعاقبة الخصوم والمناوئين، ولكنها تملك أيضاً الجزرة التي تقدمها مكافأة للمواطنين المنضبطين والطيعين. وإذ تعيل الدولة الأوتوقراطية الريعية الشعب والأفراد، فإنها تختلف عن الدولة الأوتوقراطية الغربية التي كانت تمتلك العصا فحسب، بينما كان الشعب يملك الجزرة أي الضرائب فيعيل بواسطتها الحكام ويضطرهم إلى تقديم التنازلات إلى المواطنين وصولا إلى النظم الديمقراطية الحديثة. وبديهي أن يشار هنا إلى دور المداخيل النفطية في قيام الدولة الريعية العربية ومن ثم عرقلة الانتقال إلى النظم الديمقراطية، ناهيك عن الحيلولة دون الوصول إلى مرحلة توطيد هذه النظم.
السبب الثاني، الذي أشارت إليه البحوث في معرض تفسيرها للعجز الديمقراطي في المنطقة، هو الموروث التاريخي. وفسر الموروث التاريخي أحياناً بأنه ذاك المتمثل في جملة تقاليد وسلوكيات سياسية دأبت النخب السياسية الحاكمة على ممارستها لتثبيت سلطتها المطلقة. واذا كان من الصعب تحديد المحطة الزمنية التي بدأ معها ومنها ممارسة مثل هذه السلوكيات، فإن نجاحها مرة أدى إلى الأخذ بها مراراً وتكراراً بحيث تحولت مع الزمن والتكرار إلى تقليد والى تقنية سياسية متوارثة من جيل إلى آخر، ومن بلد إلى بلد مجاور ترجع اليها النخب السياسية مثلما يرجع صاحب كل حرفة إلى الخبرة التي يكتسبها الحرفيون ويتوارثونها عبر الأجيال. أما التفسير الثاني للموروث، فقد انصب على المنظومات الفكرية المضادة للديمقراطية التي انتشرت ولا تزال تنتشر في المنطقة. وتلعب هذه المنظومات الفكرية دوراً مهماً من حيث إنها تقدم ذخيرة حية تستخدمها النخب السياسية الأوتوقراطية ضد محاولات الدمقرطة والتحديث والإصلاح السياسيين.
السبب الثالث الذي قدمه الباحثون والباحثات في أوراقهم هو الأزمات و"النزاعات الإقليمية" التي باتت صفة ملازمة للمنطقة وعنواناً من عناوين الحياة الجمعية فيها. وتتجلى هذه الأزمات والنزاعات في الحروب الإهلية كما كان الأمر في لبنان والسودان، وفي الحروب الإقليمية مثل الحروب العربية -"الإسرائيلية" والحرب العراقية - الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وفي الحروب الإقليمية - الدولية مثل الحرب على العراق.
توخياً للدقة، تضمنت بعض الأوراق في عرضها للعلاقة بين النزاعات من جهة والعجز الديمقراطي في الإقليم العربي من جهة أخرى، تمييزاً بين المشرق والمغرب. ففي المشرق حيث اشتدت هذه النزاعات وخاصة الصراع العربي-"الإسرائيلي"، كان الأثر أكبر وضوحاً، أما في المغرب الأبعد عن مسرح الصراع، فكان تأثير هذا السبب الثالث أقل بروزاً.
تتصف هذه الملاحظة الأخيرة بالدقة اذا أخذنا بعين الاعتبار التجارب التاريخية التي مرت بها المنطقة. فظاهرة الانقلابات العسكرية انتشرت من المشرق إلى المغرب. فأول انقلاب عسكري معرقل للتطور الديمقراطي في المنطقة العربية حدث عام 1936 في العراق، وثاني انقلاب من هذا النوع حدث عام 1949 في سوريا. ولعل ما يرسخ هذه الصورة، صورة انتشار عدوى وتقنية الممارسات المضادة للديمقراطية من المشرق إلى المغرب هي واقعة حدثت خلال الستينات. ففي تلك الفترة راودت إحدى المعارضات العربية فكرة تنظيم انقلاب عسكري ضد النظام القائم في بلدها المغاربي، ولما كانت تلك المعارضة تفتقر إلى التجربة الكافية في هذا المضمار، فقد لجأت إلى الخبرات المشرقية ودعت ضابطاً بارزاً من الضباط الذين تمرسوا في الانقلابات العسكرية إلى بلدها لكي يدرس أوضاعه ويعاينها معاينة مباشرة ثم يقدم إلى المعارضين في الدولة العربية المغاربية الإرشادات اللازمة للاستيلاء على السلطة. ولم تحقق تلك الزيارة الغاية المتوخاة منها، حيث ان السلطات الحكومية تمكنت من كشف أغراض المهمة الاستشارية التي كانت وراء زيارة الضابط المشرقي المرموق، فألقت القبض عليه ورحلته إلى بلده.
إذ يصح الاعتراف بوجود فرق نسبي في العلاقة بين النزاعات والعجز الديمقراطي في الدول العربية، فإنه ينبغي الحذر من المبالغة في تقدير أهمية هذا الفارق ومن التركيز على طابعه الجيو- سياسي. صحيح ان الدول العربية المجاورة ل "إسرائيل" هي الأكثر تأثراً بالصراع العربي "الإسرائيلي". صحيح أن ظاهرة تدخل الجيش في الحياة العامة طبعت إلى حد بعيد التطور السياسي في منطقة المشرق العربي خاصة في سوريا ومصر والعراق. إلا أن الصراعات القومية والوطنية الطابع أطلقت شحنة من التداعيات التي اجتاحت كافة دول المنطقة والتي لا تزال تترك بصماتها على معوقات التحول الديمقراطي فيها حتى تاريخنا هذا.
فلا ريب أن اتجاه الحزب الجمهوري الحاكم بزعامة معاوية ولد طايع إلى اقامة علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل" في مطلع هذا العقد من الزمن أسهم مساهمة كبرى في تصدع العلاقات بين اطراف النخبة الموريتانية الحاكمة، وأسهم في عرقلة التحول الديمقراطي في موريتانيا التي تبعد آلاف الاميال عن مسرح الصراع المباشر العربي- "الإسرائيلي"، وفتح الباب أمام عودة القوات المسلحة إلى الثكنات واستقرارها فيها. وإذ تتجه كافة أطياف المعارضة الموريتانية اليوم إلى إعلان تضامنها مع الشعب الفلسطيني وإلى المطالبة بقطع العلاقات مع "إسرائيل" وطرد سفيرها من البلاد، فإن المجموعة العسكرية الحاكمة تفضل إبقاء الحفاظ على الوضع الراهن حيث إن هذا الموقف يساعدها على التخفيف من حدة الضغوط التي يمارسها عليها الاتحاد الأوروبي من أجل إعادة الحكومة الشرعية إلى البلاد. واذ تنتهي خلال الفترة الحالية المهلة التي منحها الاتحاد إلى المجموعة العسكرية الحاكمة لإعادة الحكومة الشرعية إلى البلاد، فإن الحكومة الحالية تتوقع أن يكون الحفاظ على الوضع الراهن لجهة العلاقات الموريتانية "الإسرائيلية" عاملاً يحد من اندفاع بروكسل إلى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية ضد نواكشوط.
إن المشهد الموريتاني الراهن ومضاعفات الصراع العربي- "الإسرائيلي" لا يلغي التفاوت بين آثار هذا الصراع في تطور الحياة السياسية العربية بين بلدان المشرق والمغرب، وآثاره في البلدان المجاورة ل "إسرائيل" والبعيدة عنها. ولكن هذا المشهد يؤكد لنا، إلى جانب مشاهد عديدة أخرى يمكن الاستعانة بها في هذا المضمار، إن الاعتبارات الثقافية والتاريخية والاقتصادية لا تقل أهمية في تكوين ردود فعل المجتمعات العربية على الأحداث عن الاعتبارات الجيو سياسية.