كاتب مصري
- رئيس البرنامج العلمى للدراسات الخليجية
- رئيس وحدة دراسات الثورة المصرية
- رئيس تحرير مجلة مختارات إيرانية
لم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية أن كانت الأسابيع القليلة التي تفصل بين انتخاب رئيس جديد للجمهورية في نهاية الأسبوع الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني وبين استلامه مهام منصبه الدستورية في نهاية الأسبوع الثالث من شهر يناير/ كانون الثاني بهذه الحساسية والأهمية بل والخطورة كما هي الآن.
لم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية أن كانت الأسابيع القليلة التي تفصل بين انتخاب رئيس جديد للجمهورية في نهاية الأسبوع الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني وبين استلامه مهام منصبه الدستورية في نهاية الأسبوع الثالث من شهر يناير/ كانون الثاني بهذه الحساسية والأهمية بل والخطورة كما هي الآن. فعلى الرغم من فوز المرشح الديمقراطي باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية على منافسه الجمهوري جون ماكين إلا أن رئيس الولايات المتحدة الدستوري حتى الآن هو جورج بوش الذي يشعر أنه المعني بالهزيمة أكثر من ماكين، والذي يعرف أن الذين صوتوا لأوباما صوتوا له انتقاماً من بوش أكثر من الرغبة في شخص أوباما، لكنه يدرك أكثر من غيره أن مشروع التغيير الذي جاء أوباما ليبشر به سوف يضع نهاية مأساوية لمشروعه الامبراطوري الذي كان يروج له على أنه تدبير إلهي يستوحيه من تواصل مباشر من الله سبحانه وتعالى.
البعض يرى أن بوش الذي قبل الانزواء طوال حملة الانتخابات الرئاسية سوف يفضل الانسحاب الهادئ، لإدراكه أن ما تبقى له من شرعية أضحى محدوداً، ورغم أنه الرئيس الفعلي إلا أن التصويت الشعبي الذي حصل عليه أوباما والحزب الديمقراطي، وحماس الأمريكيين لدعوة التغيير التي يبشر بها أوباما قد سلبه ما بقي له من تلك الشرعية، وأنه لن يجد من يقف بجانبه ليقوم بعمل أثبتت عملية التصويت لأوباما عدم شرعيته.
لكن هناك من يرون أن بوش ليس بالشخص الذي يقبل بالهزيمة، ولا يملك القدرة على التكيف معها، لكن الأهم من ذلك أنه شخص يملك مشروعاً يرى فيه قدسية تفرض عليه الدفاع عنه حتى اللحظة الأخيرة من حياته، والنتيجة هي توقع أن يقوم بوش خلال الأسابيع المقبلة بعمل أو أكثر يهدف من ورائه الانتقام من كل الذين لم يستطيعوا إخفاء فرحتهم بفوز أوباما من ناحية، كما يهدف من ورائه أيضاً "تلغيم" الأرض أمام أوباما وتوريطه في أزمات لا يستطيع الخروج منها بسهولة، وتفرض عليه أن يسير على الطريق نفسه الذي سار هو عليه.
وإذا كان الجنون لا يحتاج لاستئذان من أحد فإن بوش قد يفعلها من دون تقيد بموافقة الكونجرس، وان ما لديه، حتى الآن، من صلاحيات تمكنه من أن يقوم بأكثر من "وداع انتقامي" يحقق له بعض الإشباع الذي يفتقر اليه بشدة هذه الأيام وهو يرى الأضواء تنسحب كلها من حوله وتتجه صوب الرئيس الجديد المنتخب معلنة عهداً جديداً من "التغيير".
أمام بوش ثلاث مناطق ساخنة يستطيع أن يصول ويجول فيها ليحقق ما يريد من فرض استمرارية النهج الذي أدار به سياسة الولايات المتحدة الأمريكية وبالذات "استراتيجية الضربات الاستباقية"، والاعتماد المفرط على "القوة الخشنة" لفرض الهيمنة الأمريكية كضرورة للحفاظ على زخم الدعوة للمشروع الامبراطوري الأمريكي الذي لا يرى بديلاً عنه للولايات المتحدة. هذه المناطق هي لبنان وبالتحديد حزب الله، والعراق وإيران.
في لبنان وإيران قد يلجأ بوش إلى عمل عسكري يفتح به جبهات عسكرية ساخنة في الشرق الأوسط أمام الرئيس الجديد. وإذا كان بوش قد اختار أن يجمد الخيار العسكري ضد إيران في محاولة منه لعدم تعكير الأجواء الانتخابية أمام المرشح الجمهوري ماكين، فإنه الآن يرى أن الظروف أضحت مناسبة أكثر من أي وقت مضى لتوجيه ضربات للمنشآت النووية الإيرانية تؤدي إلى تأجيل البرنامج النووي الإيراني لأجل غير مسمى، وتفجر بركان الغضب الإيراني أمام الرئيس الأمريكي الجديد بما يحول دون تمكينه من الانخراط في محادثات غير مشروطة مع إيران حسب وعوده الانتخابية، وبما يفرض عليه التورط في مستنقع الشرق الأوسط والانجرار إلى سياسة المواجهة واستخدام القوة العسكرية للدفاع عن المصالح الأمريكية.
أما في العراق فإن بوش نجح في إجبار الحكومة العراقية على التوقيع بشأن الاتفاقية الأمنية لضمان وجود عسكري أمريكي طويل الأمد يحول دون تمكين الرئيس المنتخب من تحقيق وعوده بسحب القوات الأمريكية من العراق في غضون 16 شهراً.
بوش قد يلجأ إلى سياسة "الانتقام بالتوريط" كي يفرض على أوباما أن يفعل ما كان يأمل أن يقوم ماكين بفعله، لكن هذا الطموح سيبقى محكوماً بالقدرة على التنفيذ، وهذا ما يشغل جورج بوش الآن.