كاتبة سعودية
لولا هاتف من (أميمة) لما عرفت أن لها أمسية في نادي الدمام الأدبي. كان هاتفها الساعة الرابعة عصرا، لم أتعود من أميمة هاتفاً في هذا الوقت، فهي مشغولة عادة بضجيج صغارها، وانتظار طبيبها. ولكنها هنا في الشرقية قريبة كما نسائم هذه الأيام الجميلة.
لولا هاتف من (أميمة) لما عرفت أن لها أمسية في نادي الدمام الأدبي. كان هاتفها الساعة الرابعة عصرا، لم أتعود من أميمة هاتفاً في هذا الوقت، فهي مشغولة عادة بضجيج صغارها، وانتظار طبيبها. ولكنها هنا في الشرقية قريبة كما نسائم هذه الأيام الجميلة.
موعدها السابعة والنصف، وأعمال علي إنجازها خاصة وأن هناك ندوة حقوقية على الأبواب. وأميمة كصوت أم حنون يدعوني لتعجل اللقاء.
حملت قلبا ينبض عطرا، وذهبت، هناك في القبو ( لازالت مداخلنا مداخل منزوية ) وجدت أميمة تشرق كما أشرقت بهيجة في صحراء الرياض. وعدد متواضع جدا من الحضور. وتسبق بحضورها الجسدي عضوات النادي، اللواتي حضرن متقاطرات، بأوقات مختلفة.. تكاثر الحضور، لكن أميمة المشرقة كشمس تحتاج حضوراً أكثر وأكثر لتعطيه من دفء كلماتها.. أميمة لن يضرها قلة الحضور ولا سلق تقديمها، فالذي سيفتقد ذلك هم الغائبون عن أمسية أميمة. وكان حظي جيداً فلم أكن منهم.
عندما تكلمت أميمة..صمت كل شيء بالقاعة، وكل الأجساد صارت آذانا لترشف من هذا السحر الذي تدفق، هو شيء يتموج، مرتفعا بنا إلى سماء سابعة، وينزل بنا إلى أعماق البحار لنصطاد معها محاره ولؤلؤه، ونعبث مع جنياته.
هو سحر فعلا. مزجت أميمة قصة حياتها مع تجربتها الكتابية، مع حكاياتها للطفولة، وروايتيها ( البحريات والوارفة ) من ثم هزت الجميع ليتساقط فراشات من نور ودرر من بحور لازوردية، وغارت بنا إلى طرق الرياض المدينة التي لا نعرف بالشرقية غير جفاف جوها مكللا بضجيج شوارعها وبعد مناطقها، لتدلنا على العسل المخبأ في قواريره الفخارية.. ثم تأخذنا لنجلس في حضرة من هويناه كثيرا وأحببناه وتتلمذنا على عباراته. أجلستنا برفقة والدها (عبد الله بن خميس) شيخنا الجليل أسمعتنا عباراته وشعر المتنبي وهو ينطق به. عبد الله من خميس، ذاك الذي أكن له معزة خاصة قبل معرفتي ب (أميمة) وازددت حبا له بعد المعرفة.
أميمة أخذتنا لحكاية الحكاية، لقصتها مع السرد،الذي ذهبت له مختارة ولائذة به من الشعر حيث تختبئ خلف شخوصها وأحداثها، فيقولون نيابة عنها مالا يقال، ومرت بنا على القارئ المعلوم ذاك السلطوي الذي يترصد بفعل الكتابة، ويخنق النص قبل الولادة. لكن هذا السلطوي يتخاصم مع القارئ المجهول ذاك القارئ اللطيف السمح والذي ينتظر الكتابة، ويعانقها، ويولد منها قصة وحكاية،وشيئاً فشيئاً ينتصر القارئ المجهول على القارئ المعلوم. وينتصر فعل الكتابة الإبداعية على تربص النقد. فيكون الإبداع متجليا ينحني له الناقد، ولا يملك إلا أن يعلن على الملأ جدارته.
حكت أميمة فذكرتني بحكاية (ابنة الصياد ) تقصها علي أمي عن فتاة جميلة بريئة ويتيمة، ولها زوجة أب تعنفها باستمرار وتجعلها تعمل طوال الليل والنهار، ومن ثم تجيّر عملها لنفسها وتشكوها لوالدها بأنها لا تعمل، ذات يوم التقط والدها سمكة جنية، عندما أتت لتنظفها، نطقت الجنية وقالت لها: أعيدني للبحر وسأغنيك بإذن الله. أعادتها للبحر، عند الغداء لم تكن هناك سمكة، فأخذ والدها يضربها، فتكلمت لتدافع عن نفسها فكانت المفاجأة لؤلؤاً ينتثر.. أما نحن فلم تكن مفاجأة أن تنثر لنا أميمة الدرر عندما تكلمت.