Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
التجديد العربي - http://www.arabrenewal.org
حسن مدن وترميم الذاكرة!!
http://www.arabrenewal.org/articles/20783/1/IOa-aIa-aeENaia-CaDCBNE/OYIE1.html
د. صالح سليمان عبدالعظيم

كاتب مصري
 

 
 د. صالح سليمان عبدالعظيم
نشر في 11/20/2008
 

رغم أن عملية الترميم تعني التخلص من أسباب ومظاهر التلف التي تصيب الأثر فإنها من خلال كتاب حسن مدن «ترميم الذاكرة» اكتسبت معنى جديدا. فلم يهدف مدن إلى استرداد ذاته ـ الأثر، فهو يعلم تمام العلم أنها لن تعود مثلما كانت، وأن سنوات المنافي الطويلة وما تركته من آثار وجروح عميقة قد غيرت الذات


حسن مدن وترميم الذاكرة!!

رغم أن عملية الترميم تعني التخلص من أسباب ومظاهر التلف التي تصيب الأثر فإنها من خلال كتاب حسن مدن «ترميم الذاكرة» اكتسبت معنى جديدا. فلم يهدف مدن إلى استرداد ذاته ـ الأثر، فهو يعلم تمام العلم أنها لن تعود مثلما كانت، وأن سنوات المنافي الطويلة وما تركته من آثار وجروح عميقة قد غيرت الذات والواقع والوعي والتاريخ.

من هنا فإن الفهم المجازي لعنوان السيرة الذاتية لمدني يعني بترميم الذاكرة استدعائها ودلقها على الورق والتخلص من حمولاتها الضاغطة على الذات والأزمنة والأمكنة والعلاقات والأحياء والأموات والماضي والحاضر وربما المستقبل.

واللافت للنظر في سيرة مدن أنها كُتبت على عجل؛ فعلى ما يبدو أنها ضغطت بشدة عليه، ألمته وأرقته ودفعته دفعا للكتابة والتخلص منها. ولعل ذلك، رغم الطابع الكرونولوجي للسيرة، هو ما وسمها بالتشتت والتشظي والكتابة والتعبير كيفما اتفق، وكيفما سمح مقتضى حال استرداد الذاكرة، واضعين في الاعتبار مسحة الرقابة التي مارسها الكاتب على ذاكرته.

فلم تكن عملية الاسترداد حرة بالدرجة المتصورة؛ حيث السيرة الذاتية في عالمنا العربي ما زالت تفتقد تلك العفوية والانطلاق والتحرر الذي تُكتب به في ثقافات وأطر اجتماعية أخرى.

ورغم هذه العجلة والتشظي في سيرة مدن، فإنها تنطوي على كم هائل من الأسى والحزن والشفافية والبوح والفرح والسعادة والإخفاء والكتمان. كم هائل من التناقضات غير المتضادة، أو بلغة أخرى المتناقضات المتضافرة المتواشجة التي تقودنا إلى عالم كامل مشيد بحب ولوعة؛ عالم من الأسى الجميل.

يطرح مدن سيرته الحياتية من خلال تلك الغربة التي تطارد بها الأوطان أبناءها وتلفظهم خارجها. لُفظ مدن من وطنه شابا في مقتبل العمر وعاد إليه وهو على مشارف الخمسينات، وما بين هذين العمرين اختار العديد من المدن للإقامة بها، أو بلغة أخرى اختارته المدن للإقامة فيها، أو اختارت له الظروف وتحولات عالمنا العربي الموحشة مدنا بعينها للإقامة فيها.

هكذا جاءت لغة مدن مفتوحة على كل الاحتمالات وعلى كل التوقعات؛ فهي لغة غير يقينية نسبية تحتمل كل الأشياء وكل التفسيرات وكافة تجليات الحزن وأشكال الفرح.

بل إن الكاتب ذاته، وفي غمرة استدعاء الذاكرة وإحساسه الحاد بالغربة، يطرح علينا سؤالا على قدر كبير من الأهمية، وهو تساؤل لا يغيب عن أي قارئ لهذه السيرة الحميمة: «أكان ينبغي أن تسير الأمور على النحو الذي سارت عليه؟ ألم يكن بالإمكان أن تكون أحسن؟». ولا يجيب على هذا السؤال بشكل مباشر، لكنه يستخدم آلية استدعاء أخرى تسود العديد من مناطق استرداده للذاكرة، وهي آلية استدعاء كتابات أخرى أو أفلام أو حتى وقائع حدثت له.

وكأن الكاتب يعلن عن ذاته قارئا مطلعا نبيها، وكأنه يؤكد أن سنوات الغربة لم تضيع هباء، وأن تلك السنون كانت رصيدا كبيرا من المعرفة والانتقال واكتساب الخبرات.

وهو هاجس يعلن عن نفسه في كثير من مناطق سيرته، وانه بشكل ضمني. يجيب الكاتب على لسان ليون تولستوي في روايته الشهيرة الحرب والسلام قائلا: «ان الأمور سارت على هذا النحو لأنها سارت هكذا» ثم يكمل قائلا، «ولا تفسير آخر، سارت هكذا بالذات لأن كل مستلزمات السير على هذا النحو كانت ميسرة، ولم تكن ميسرة مستلزمات السير على نحو آخر».

يلعب الزمن دورا كبيرا في مسيرة مدن، وهو لا يأتي منفردا في تأثيراته لكنه لا ينفصل عن تحولات المكان والانتقالات المستمرة لمدن. فعبر الانتقالات المختلفة بين المدن الحبيبة لقلب الكاتب، القاهرة، بغداد، بيروت، موسكو، يكتشف مدن جوهر المدن. فالقاهرة تحتويك بكثافة الشارع، وبيروت تشملك بالرغبة العميقة في الحياة، وبغداد تشملك بكل تلك التيارات السياسية، وموسكو مدينة التحولات من الاتحاد السوفييتي إلى روسيا.

وعبر هذه الانتقالات يطل علينا الزمن أو يشملنا ويحتوينا ويخدعنا. فحينما ننظر في وجوهنا أو وجوه من حولنا أو حينما نشاهد تحولات الأمكنة نعلم إلى أي مدى قد شملنا الزمان بتحولاته، ولأي مدى قد تغيرنا وتحولنا وفارقنا مراحل عمرية ماضية.

لا يترك الزمن آثاره علينا من خلال ملامحنا التي تغيرت، لكنه يحفر آثاره العميقة من خلال الموت ولوعة الفقدان. يقدم الكاتب أيضا تصويرا جميلا لطعم الموت في الغربة، فمن يموتون بعيدا عنا لا ندري عنهم شيئا.

فقط نجد من يقومون بعبء إبلاغنا، نتلقى الخبر صامتين أو واجمين، نتلقاه ونحن نحاول أن تسعفنا الذاكرة بملامح هؤلاء الذين رحلوا عنا، وهنا تكمن قمة معاناة الاسترداد، قمة معاناة الترميم. وفي إطار تلك الغربة الطويلة التي عايشها الكاتب كانت لوعة الفقدان قاسية حيث رحيل الأبوين والأخوين وغيرهما الكثير. وإذا كان الكاتب يعاني من صعوبة استرداد عالم الأبوين أو الأخوين، فما بالنا بتصور بناء عوالم لراحلين من أجيال جديدة لم يرها، وإن كان قد سمع بقدومها للحياة.

تثير سيرة حسن مدن الكثير من أوجه الأسى والحزن والاستياء من واقعنا العربي الجاثم فوق صدورنا، لكننا نتمنى في النهاية أن تكون قد أراحته من ذلك الألم الناجم عن الفقد أو الخيبة أو الأذى كما قال في ختام سيرته البديعة.

salehabdelazim@hotmail.com