Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
التجديد العربي - http://www.arabrenewal.org
نظام المدارس العتيقة بالمغرب (الحلقة الثالثة)
http://www.arabrenewal.org/articles/20706/1/aUCa-CaaICNO-CaUEiPE-ECaaUNE-CaIaPE-CaECaEE/OYIE1.html
د. جميل حمداوي

 أستاذ باحث في تخصصات شتى ولاسيما الأدبية والفنية والفكرية منها.
عضو المجلس العلمي بالناظور ورابطة علماء المغرب.
مؤسس منتدى الفعل الإبداعي بالناظور.

 
 د. جميل حمداوي
نشر في 11/18/2008
 

ترتبط المدارس العتيقة في المغرب بالكتاتيب والمدارس والمساجد والجوامع والروابط والزوايا. وكانت القبائل كما في سوس والريف وجبالة والأطلس هي التي تبني المدارس وتشيدها من خلال مواردها الذاتية، وكانت تخصص بعض أعشار محاصيلها الزراعية علاوة على أحباسها لتسيير المدارس وتدبيرها وتموينها ودفع أجرة الفقيه وصيانة


نظام المدارس العتيقة بالمغرب (الحلقة الثالثة)

ترتبط المدارس العتيقة في المغرب بالكتاتيب والمدارس والمساجد والجوامع والروابط والزوايا. وكانت القبائل كما في سوس والريف وجبالة والأطلس هي التي تبني المدارس وتشيدها من خلال مواردها الذاتية، وكانت تخصص بعض أعشار محاصيلها الزراعية علاوة على أحباسها لتسيير المدارس وتدبيرها وتموينها ودفع أجرة الفقيه وصيانة المدرسة وإصلاحها. وكانت القبائل تتنافس مع بعضها البعض في بناء المدارس وصرف الأموال عليها؛ لأنها تعتبر ذلك مفخرة شريفة ومنقبة حميدة وصدقة جارية.

كما أن الدولة في بعض الأحيان كانت تتدخل بالمساعدة والتمويل والتموين كما في العصر المريني وعصر الدولة العلوية إلى يومنا هذا حيث أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالرباط ظهير 13. 01 ﺒ29 يناير 2002م تعلن فيه قرار الوزارة الصريح لإعانة الكثير من المدارس العتيقة بالموارد المالية وتقديم المنح والمكافآت المادية لطلبة العلم النجباء والمتفوقين، و تخصيص الأجور والتحفيزات للمدرسين.

ويعني هذا أن المدارس العتيقة بالبوادي المغربية كانت تسير بأموال القبائل والمحبسين والمحسنين، بينما في المدن كانت الدولة تتكلف بتموين هذه المدارس والجوامع وتجهيزها كما هو الحال في العصور الماضية ولاسيما في العصر المرابطي والموحدي و المريني وفي عهود الدولة العلوية.

هذا، وكان الناس يدفعون أجرة الفقيه أسبوعيا أو شهريا قصد تعليم أولادهم وبناتهم كما يدفعون له الشرط سنويا.

وكانت الجماعة هي التي تختار الفقيه المعلم لممارسة التدريس في الكتاب أو مدرسة المسجد وكانت تشترط فيه مجموعة من الشروط كأن يكون متزوجا، ومتمكنا من العلوم الإسلامية، وحافظا للقرآن الكريم والأحاديث النبوية، ورجلا ورعا متخلقا يحسن التدريس، و فقيها كيسا مع المتعلمين، ومتأدبا مع الجيران والناس، يتولى الإمامة والخطابة والتدريس.

وكان الفقيه في مدرسته بمثابة مدير لها أو حارس عام يصونها ويحميها ويحافظ عليها، ويساعده في ذلك مقدم الطلبة أو رئيسهم.

وكان نظام المدرسة يستند إلى التزام المتمدرسين وطلبة العلم بالأخلاق الحميدة، وتمثل الورع والحياء، واحترام الفقهاء المدرسين والأساتذة، والحفاظ على تجهيزات المؤسسة، والعناية بنظافة المدرسة، وتلميع صورتها، وصيانة أوانيها وكتبها. كما كان يطلب من هؤلاء المتعلمين أن يكونوا جادين مجتهدين متفانين في العلم والاكتساب والتحصيل وحضور الدروس بصفة يومية واحترام القوانين والانضباط داخل المدرسة أخلاقا وسلوكا وتربية وروحا كما هو الحال في المدارس الصوفية الروحانية، وحضور الصلوات الخمس والحزب الراتب الصباحي والمسائي، وغالب الفقهاء يرتبون غرامات مالية على المتخلفين من طلبة العلم عن صلاتهم وعن الحزب الراتب.

وكان الفقيه هو المسؤول عن مدرسته، فإن نجحت فهو أساس نجاحها، وإن فشلت فهو سر فشلها، أما التلاميذ فهم بمثابة المتعطشين إلى العلم ينتظرون من يشكل مستقبلهم ويعينهم على اكتساب العلم والمعرفة. «ولذلك، فالمدارس تختلف أهميتها من عصر إلى عصر، تبعا لأهمية شيوخها. فقد كانت مدرسة سيدي سعيد الهشتوكية من أهم مدارس سوس، في عهده وفي عهد تلميذه أوعبو الهشتوكي، وكانت مدرسة إغيلالن المسكينية من أهم المدارس السوسية في عهد شيخها سيدي الحاج مسعود الوفقاوي، وكانت مدرسة " إلغ" من أهم مدارس سوس في عهد شيخها أبي عبد الله محمد بن عبد الله الصالحي الإلغي، وفي عهد صنوه وخلفه أبي حسن الألغي. وكانت مدرسة تنالت الصوابية أشهر مدارس سوس على الإطلاق في عهد الشيخ الصوفي الزاهد العلامة سيدي الحاج محمد الحبيب البوشراوي. واليوم تعتبر مدرسة إداومنو من أهم مدارس سوس كما وكيفا.

وكل مدرسة من هذه المدارس خرجت في عهد ازدهارها علماء كبارا، وأدباء مرموقين، ويصعب تتبع أسمائهم كما يصعب تفضيل بعضهم على بعض. إنهم جميعا زينة سوس والمغرب، وحاملو راية العلم والأدب فيهما، ويكفي لمجرد التمثيل أن نشير إلى أن من خريجيها: شيخ أدباء سوس الطاهر الإفراني، والعلامة المؤرخ الأديب الوزير محمد المختار السوسي، والشاعر النابغة محمد العثماني، والشاعر المجيد الحسن البونعماني، والشاعر الرصين داود الرسموكي، والفقهاء المتمكنين الحاج عبد الله الصوابي، والغالي الدادسي، والحاج إبراهيم الأمزيلي التملي، والحاج محمد التازروالتي وغيرهم".(1)

وفيما يخص مراحل التعليم، فيمكن تصنيفها بعد حفظ القرآن الكريم إلى مرحلة المبتدئين، ومرحلة المتوسطين، ومرحلة المنتهين على غرار مراحل التعليم المغربي العمومي اليوم الذي يستند إلى مرحلة التعليم الأولي (الأرواض والكتاتيب)، ومرحلة التعليم الابتدائي، ومرحلة التعليم الإعدادي، ومرحلة التعليم الثانوي، ومرحلة التعليم النهائي الجامعي أو العالي. وتستغرق الدراسة في المدارس العتيقة بمختلف أطوارها نفس المدة الزمنية التي تستغرقها المراحل الدراسية في التعليم العمومي.

وتنتهي الدراسة في المدارس العتيقة بتقديم شهادة تقليدية وهي الإجازة، وهي شهادة معروفة منذ القديم، فقد كان الفقيه المدرس يجيز طلبته بتحرير شهادة يسمح فيها لطلبته بأن ينقلوا عليه علومه ومعارفه ليقدموها للآخرين. ولا تمنح هذه الشهادة إلا بعد تفوق المتعلم في دروسه واستيعابه لكل المقررات والبرامج الدراسية. بينما في جامع القرويين وجامع ابن يوسف بمراكش كانت تعطى على المستوى العالي شهادة العالمية على غرار الأزهر تعترف بأهلية الطالب وكفاءته العلمية والمعرفية وتؤهله لأن يلقب بصفة عالم يسمح له أن يتولى مجموعة من المناصب التي تخصصها الدولة للعلماء والفقهاء.

ومن المعروف أن شهادة الإجازة التي كان يطلبها المتعلم قد تكون عامة في العلوم النقلية والعقلية، أو خاصة بفن من الفنون كالحديث مثلا، وقد تكون خاصة بكتاب معين كصحيح البخاري، أو شفاء القاضي عياض أو غيرهما...

وآفاق التحصيل تنتهي اليوم، على غير ماكان عليه في السابق في عهد المرابطين والموحدين والمرينيين والوطاسيين والسعديين والعلويين حتى أخر مراحل احتلال المغرب، بالمشارطة في المساجد، أو التدريس في المدارس العتيقة، أو ممارسة الإمامة، والخطابة. ويحرمون من التدريس في المدارس العمومية والخاصة، ومن ممارسة الفتوى أو أداء مهنة العدالة والقضاء والتوثيق، وتولية المناصب الإدارية الأخرى التي أصبحت اليوم مقننة بقوانين عصرية صارمة لايلجها إلا الحاصلون على الشواهد العصرية من المدارس والمعاهد والجامعات العصرية.

بيد أن الوزارات الوصية على التعليم العتيق أو التعليم الأصيل حاولت تحديثه بمناهج أكثر انفتاحا وعصرنته بالعلوم الحديثة مع ربطه بمسالك التعليم العمومي كما ينص على ذلك الميثاق الوطني للتربية والتكوين في مادته 88 من المجال الثاني المتعلق بالتنظيم البيداغوجي:

"تحدث مدارس نظامية للتعليم الأصيل من المدرسة الأولية إلى التعليم الثانوي مع العناية بالكتاتيب والمدارس العتيقة وتطويرها وإيجاد جسور لها مع مؤسسات التعليم العام.

- تنشأ مراكز متوسطة لتكوين القيمين الدينيين، وتراجع التخصصات بناء على المتطلبات الآنية والمستقبلية؛

- يقوى تدريس اللغات الأجنبية بالتعليم الأصيل؛

- تمد جسور بين الجامعات المغربية ومؤسسات التعليم العالي الأصيل وشعب التعليم الجامعي ذات الصلة على أساس التنسيق والشراكة والتعاون بين تلك المؤسسات والجامعات".(2)

وقد قررت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الاهتمام بالمدارس العتيقة وتنظيمها قانونيا. لذا، أصدرت ظهيرا شريفا في ثمانية أبواب وست وعشرين مادة قانونية مصدرة بالمؤشرات التالية: ظهير شريف رقم 1. 02. 09 صادر في 15 ذي القعدة 1422 (29 يناير2002) بتنفيذ القانون رقم 13. 01 في شأن التعليم العتيق. والهدف من هذا الظهير هو التحكم في المدارس العتيقة قانونيا وتدبير شؤونه بطريقة عقلانية منظمة وممنهجة تحت إشراف الدولة. ومن ثم، فوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية هي التي تحدد برامج التعليم العتيق ومناهجه بتنسيق مع وزارة التربية الوطنية، وهي التي تسهر على رخص هذه المدارس وأنظمتها الإدارية والتعليمية وشهاداتها ومواردها المالية وتخرج متعلميها وتأمين نفقات مدرسيها إلى جانب الموارد الأخرى التي تأتي عن طريق المحسنين والمؤسسات الراعية.

وتحدد المادة الرابعة من الظهير الشريف الفضاءات التعليمية لهذا النوع من التعليم التقليدي، وطبيعة المناهج والبرامج الدراسية التي ينبغي للمدارس العتيقة الأخذ بها. يقول القانون المنظم:" تدرس برامج التعليم الأولي العتيق بالكتاتيب القرآنية، وبرامج التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي بالمدارس العتيقة، وبرامج التعليم النهائي بجامع القرويين والجوامع الأخرى ومؤسسات التعليم النهائي العتيق.

ويجب أن تتضمن البرامج الدراسية المطبقة بمؤسسات التعليم العتيق حصصا إلزامية من المواد المقررة بمؤسسات التعليم العمومي في حدود الثلثين من الحصص المخصصة لهذه المواد بما في ذلك مادتي اللغات والرياضيات والرياضة البدنية كلما أمكن ذلك.

وتتوج الدراسة بطور التعليم الابتدائي بشهادة التعليم الابتدائي العتيق، وبطور التعليم الإعدادي بشهادة التعليم الإعدادي العتيق، وبطور التعليم الثانوي بشهادة باكالوريا التعليم الثانوي العتيق، وبطور التعليم النهائي بشهادة العالمية في التعليم العتيق".(3)

ويقسم الظهير الشريف المدارس العتيقة إلى قسمين: مدارس عتيقة عمومية ومدارس عتيقة خصوصية، حتى أصبح التعليم العتيق اليوم لايختلف في جوهره عن التعليم الأصيل العمومي. ومن ثم، تقول المادة الخامسة من الظهير الشريف:" يشتمل التعليم العتيق على تعليم عتيق عمومي وتعليم عتيق خاص.

ويخضع التعليم العتيق العمومي لتنظيم وتسيير السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف والشؤون الإسلامية والتي يشار إليها بالإدارة في مواد هذا القانون.

ويخضع التعليم العتيق الخاص للمقتضيات المنصوص عليها في هذا القانون".(4)

ويتبين لنا من خلال هذا العنصر أن نظام المدارس العتيقة كان يتغير من فترة إلى أخرى ومن عهد إلى آخر حسب مستجدات الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للدولة أو السلطنة، على الرغم من وجود مجموعة من الثوابت المشتركة أو الأعراف السائدة مازالت تتحكم في تسيير هذه المدارس العتيقة وتدبيرها إداريا وتعليميا وتربويا من أقدم فترة تاريخية إلى عهدنا هذا.

cdabcd

الهوامش

1- عبد السلام الأحمر: (حوار مع الدكتور اليزيد الراضي الفقيه الشاعر حول واقع التعليم العتيق)، مجلة تربيتنا، المغرب، عدد 5، ربيع الثاني 1426هـ، ماي2005م، ص:41؛

2- انظر: المدونة القانونية للتربية والتكوين، سلسلة الإدارة والقانون، 1، إشراف: المهدي بنمير، ص:242؛

3- www. islam-maroc. ma/ar/detail. aspx?ID=554&z=240&p=11

4- www. islam-maroc. ma/ar/detail. aspx?ID=554&z=240&p=11