في وطننا العربي حاجة ماسة لمعالجة موضوع التنمية بصورة عامة والتنمية البشرية بصورة خاصة ومن ثم ترسيخ مفاهيم ثقافة التنمية وقيمها ومرتكزاتها ومعطياتها، ويبدو الإلحاح الكلامي الذي يلامس المشكلة من آن لآخر، وكذلك محاولات لفت الانتباه أو تركيز الاهتمام على هذا الموضوع، أمراً حيوياً للغاية، لأن ما تعانيه الأمة من نقص في كل مجال من مجالات الحياة والعمل والتكوين والتخطيط والتنفيذ شديد الخطورة، وهو معوِّق لنهضتها ويكاد يكون قتالاً لتطلعاتها وطموحاتها وآمال أجيالها واستشرافها لمستقبلها.
وكل جهد ومال يبذلان في التنمية الشاملة والمشاريع الاستثمارية والخدمية المتنوعة يبقيان عرضة لضياع الإنتاجية والجدوى والمردود وحتى رأس المال إن لم يترافق ذلك مع وجود عناصر بشرية ذات قدرات معرفية وعلمية، ومهارات تقنية ومهنية، ووجدان مسلكي وحس وطني، أي بنية ذاتية متكاملة تشكل رصيداً للمشاريع والتنمية والنهضة في آن معاً. ولا يتأتي تكوين هذه العناصر الحيوية إلا من خلال تنمية وعي الإنسان ومعارفه وقدراته ومهاراته وإحساسه العميق بالبعد الأخلاقي والانتماء والمواطَنة، وتعاونه مع الآخر الشريك في المكانة والدور والموقف من التحديات الملقاة على عاتق الوطن والأمة، وأبعادها ونتائج عدم التصدي لها في الوقت المناسب والصيغ المجدية، ومن ثم تطوير المشاريع والقدرات وصنع النهضة واستعادة الدور الحضاري للأمة.. ذلك لأن كل مشروع تنموي وخدمي يؤول إلى التآكل والضياع على يد الإنسان الذي لا يعرف قيمته ولا يتقن التعامل معه ولا يحافظ عليه ولا يدرك ضرورته وأهميته، ومن ثم لا يستطيع تطويره والبناء عليه وتثمير مردوده الحيوي، وتقدير انعكاسات ذلك على الشركاء في الوطن وصولاً إلى المشاركة في الشرط الإنساني والمصير الإنساني مع كل الناس، بوصفهم شركاء في التنمية والحضارة ونتائجهما.
والتنمية البشرية أساس كل تنمية ولكن عصبها تنمية ثقافية بالمعنى العميق والدقيق والشامل للكلمة، وهي تنمية علوم ومعارف نظرية وعملية، وتنمية قدرات ومهارات تقنية وتطبيقية وصولاً إلى الإبداع في كل مجال من المجالات التي يصل إلى الإبداع فيها متميزون ثقافياً. ويبدو أن كل تكوين وتنمية لفكر وعلم وقدرة ومهارة وإبداع في أي مجال ينبغي أن يترافق مع برامج مستمرة لتطوير قدرات وتنمية استعدادات وطموحات من جهة ولتنمية روحية في إطار الصحة الجسدية والنفسية والخلقية من جهة أخرى، من أجل ترسيخ مفاهيم وطنية وقومية وحضارية وإنسانية، وقيم خلقية ومعايير سليمة يقاس عليها الفعل والسلوك وتساهم في تحديد مراتب الأفعال والأعمال والأشخاص.. لأن الإنسان الذي يخوض في أي ميدان: علمي أو عملي، نظري أو تطبيقي، تشكِّل له القيم الروحية والخلقية والإنسانية والمعايير الوضعية السليمة تراتبيّة حماية، وحوافز، وبوصلة يهتدي بها إلى الهدف والمصلحة والأسلوب والأداة من جهة ومسباراً يحدد حجم التقدم والإنجاز ومداهما والفائدة المتحققة منهما من جهة أخرى.
جاء في الحديث الشريف، عن أبي هريرة: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يُسمع، ومن قلب لا يَخشع، ومن نفس لا تَشبع" رواه ابن ماجة، وهو ما أصبح قولاً شائعاً عن ابن خلدون حيث يقول" لا بارك الله في علم لا ينفع".. فالمعرفة التي لا توضع في خدمة الناس ولا ترتدّ عليهم مكاسب ملموسة في المدى القريب أو البعيد، هي نوع من حجب حاجة عامة أو التغاضي عنها وإضاعة جهد فيما لا يفيد، مثلها في ذلك مثل كنز المال وحجبه عن التداول وعدم استثماره فيما يعود على أصحابه وعلى الناس كافة بالفائدة.
ويفيد في تبين النافع من الضار والصحيح من المعتل في هذه المجالات وعيٌ فرديٌ وجمعي عميق وشامل، وعيٌ قادر على التمييز والتقدير والمبادرة، والقيام بالتصحيح، والدفع باتجاه التطوير، وفق معايير لتقدير الضرورات والحاجات والجهد من جهة ولرفع المستحقين من المنتجين والمبدعين إلى المراتب التي يستحقونها من جهة أخرى، ليبقى هناك تقدير وحافز ولكي يبقى بموازاة ذلك وفي إطار حاكميّة المعايير ما ينفع الناس وما يحتاجون إليه وما تستدعيه ضرورات البقاء والتطور والأمن من جوع وخوف والاستقرار والازدهار، وصولاً إلى بلوغ ما يحقق السعادة وفق أسس ورؤى ومعارف وقيم وذوق.
إن ما هو في مصلحة صحة الإنسان جسدياً ونفسياً واجتماعياً هو أخلاقي، وترتبط صحة الإنسان بصحة المجتمع، أي بسلامته نهجاً ومعياراً وسلوكاً. وسلامة أي مجتمع مرتبطة إلى حد ما بسلامة المجتمعات الأخرى لا سيما المجاورة منها أو التي تقيم معها تعاوناً ومصالح متبادلة واعتماداً متبادلاً، فالعدوى من أي نوع تنتقل في كل اتجاه. وسلامة المجتمع منوطة بالسياسات وأهدافها وتوجهاتها ومعاييرها وأحكامها ووسائلها وتطبيقها، وينبغي ألا يبعدنا هذا عن الأخلاقي وارتباطه بصحة الاجتماعي والسياسي وبمعيار سليم وعملي للأخلاق وما هو أخلاقي.
وما لم تحرص الدول والحكومات والمجتمعات والأشخاص على القيمة الأخلاقية والإنسانية للفعل والقرار والتصرف السياسي، فإن الضرر متوقع ويمكن أن يكون شاملاً، ومن ثم تأتي ردة الفعل على ذلك النوع من الفعل الذي ربما يكون سلبياً وعنيفاً. والسياسات والأحكام والتنظيمات التي تنطوي على احترام الإنسان والوجود والحقوق والقيم وما يبني الإنسان والمجتمع والمعرفة تخلق مناخاً سليماً وتسير باتجاه تنمية شاملة، وعندما تبتعد عن ذلك كلياً تخلق مناخ غابة لا تزدهر فيها حضارة ولا يستشعِر فيها الإنسان سعادة و يأكل فيها البشر بعضهم بعضاً.
ونحن أحوج ما نكون إلى ما يخرجنا من فوضى الغابات وقوانينها وتقاليدها وظلماتها ويضعنا في الاستقرار والنظام والأمن والنور وسلامة السياسات التي تبقي على حياتنا وقدراتنا وآمالنا وأحلامنا في تطور ونمو وازدهار.. نحن بحاجة إلى تنمية بالمعنى الشامل تعتمد على تنمية ثقافية بالمعنى العميق وعلى ثقافة تنمية عصرية متأصلة، ولاستخدام طاقاتنا وأموالنا وإبداعنا في خدمة بلداننا ومجتمعاتنا بما لا يلغي إنسانيتنا من جهة ولا يجعلنا أسرى التطرف وردات الفعل على التطرف الذي قد تمارسه مجتمعات ودول وحكومات وفئات تأخذها العزة بالإثم وفورة التجاهل أو الجهل من جهة أخرى، فتقتحم على الآمنين بيوتهم وأوطانهم وتلغي مصالحهم ووجودهم.
إن كل تنمية تحتاج إلى الوعي والمعيار والقيمة والإمكانيات والأموال، ولا يوجد أفق عام واسع لأي تنمية لا تضع التنمية الثقافية: الروحية والمادية، المعرفية والسلوكية، النظرية والتطبيقية على رأس اهتماماتها في الاعتبار، لأن ما نبذل فيه الجهد والمال يحتاج إلى من يحفظه ويستثمره ويطوره.. وذلك هو العنصر البشري.. الإنسان. ولا يوجد تنمية من دون قرار سياسي حكيم وحازم، واستراتيجي بعيد النظر، ومشاركة غيورة من القادرين والمبادرين.. تنمية يغذي دوافعها الانتماء والشعور بالمسؤولية والغنى الروحي الأصيل الذي يربط الناس بعقيدة وهوية وأمة وواقع ويجعلهم يدخلون من خلال تمثّل ذلك كله باقتدار وإخلاص إلى دوائر متداخلة متكاملة، دوائر: الوطني والدولي، القومي والأممي، الفردي والجماعي، الإنساني والحضاري.
إننا نتطلع إلى ذلك ونعمل على تحقيقه، ونعلّق آمالنا عليه بتنمية شاملة عمادها تنمية ثقافية عميقة وثقافة تنموية دقيقة، نحتاج إليهما أشد الحاجة ونوظف لهما أموالنا وأفكارنا وطاقاتنا، ونحتاج فيهما إلى قدراتنا وعقول أبنائنا المتوطِّنة في أرضنا والمهاجرة بعيداً عن هذه الأرض، لكي نقوم بأعبائنا ونتحمل مسؤولياتنا بجدارة، ولكي نواجه التحديات الكبرى ومنها تحديات العصر: "علمية ومعرفية وتقنية وأمنية وتنموية"، وأملنا كبير بالنجاح استناداً منا إلى إمكانياتنا وهي كبيرة، وحوافزنا التاريخية وتطلعاتنا المستقبلية وهي قوية ومثيرة، وتلبية لضرورات البقاء والتقدم والشراكة الفعلية في الأداء الحضاري مع شركائنا في الحضارة الإنسانية.