أستاذ باحث في تخصصات شتى ولاسيما الأدبية والفنية والفكرية منها.
عضو المجلس العلمي بالناظور ورابطة علماء المغرب.
مؤسس منتدى الفعل الإبداعي بالناظور.
* البدايات الأولى:
إذا كانت ظاهرة المدارس التعليمية بالشرق قد ظهرت في القرن الخامس الهجري إبان العصر العباسي مع الوزير نظام الملك الذي أسس مدرسته العلمية ببغداد وهي أول مدرسة في الشرق(1)، فإنها تواجدت في المغرب حسب عبد الله كنون في نفس القرن
* البدايات الأولى:
إذا كانت ظاهرة المدارس التعليمية بالشرق قد ظهرت في القرن الخامس الهجري إبان العصر العباسي مع الوزير نظام الملك الذي أسس مدرسته العلمية ببغداد وهي أول مدرسة في الشرق(1)، فإنها تواجدت في المغرب حسب عبد الله كنون في نفس القرن في عهد المرابطين مع مدرسة أجلو التي تأسست قرب تزنيت، أي مدرسة وجاج بن زلو التي تتلمذ فيها عبد الله بن ياسين أحد مؤسسي الدولة المرابطية. ويذهب بعض الباحثين إلى أنها ظهرت في العصر المريني في القرن السادس الهجري كما نجد ذلك عند صاحب القرطاس الذي يرجع بداية تأسيسها إلى يعقوب المنصور الموحدي الذي ينسب له بناء الكثير من المدارس في كل من إفريقيا والمغرب والأندلس.(2)
و"مما يؤكد هذا التضارب حول تاريخ تأسيس المدرسة، أن بعض المصادر التاريخية تنفي ظهورها بالمغرب قبل القرن السابع الهجري، ويأتي محمد المنوني بدوره ليثبت تاريخ تأسيس المدارس بالمغرب في العهد الموحدي، وبالضبط على عهد الخليفة المرتضى، الذي أسس مدرستي القصبة، وجامع المرتضى وهو جامع ابن يوسف بمراكش.
إلا أن المدارس كمؤسسات تعليمية، عرفت في العهد المريني ازدهارا واسعا واهتماما كبيرا من لدن السلاطين الذين أسسوا عدة مدارس في المدن المغربية، وخاصة مدينة فاس التي عرفت في هذا العهد ازدهارا ثقافيا كبيرا، فأصبحت قبلة للعلماء، ولم يقتصر مشروع بناء المدارس على مدينة فاس وحدها، بل استفادت منه مدن أخرى كسلا ومكناس ومراكش وغيرها".(3)
لكننا نرى أن المدارس العتيقة ذات المنحى الشرعي ظهرت في المغرب مع الفتوحات الإسلامية مع عقبة بن نافع، وحسان بن النعمان، وموسى بن نصير. وكان الهدف من هذه الفتوحات هو نشر الدين الإسلامي في المغرب والأندلس وتفقيه الناس في العلوم الشرعية وأصول الدين و اللغة العربية. وكانت المساجد والجوامع بطبيعة الحال فضاءات للتوريق (الوعظ والتذكير والاستغفار والاستتابة) والتدريس والتعليم.
* عصر الفتوح:
برزت المدارس القرآنية إلى الوجود بالمغرب كما قلنا سابقا مع الفتوحات الإسلامية مع عقبة بن نافع أولا، و حسان بن النعمان ثانيا، وموسى بن نصير ثالثا. فأهم تنفيذ فعلي لتشييد هذه المدارس الدينية وتنشيطها وتفعيلها بدأ في عهد حسان بن النعمان الحساني، "أحد ولاة أفريقية من قبل عبد الملك بن مروان. فإنه كان من الممهدين السبيل لتقدم الثقافة العربية واستقرار الحضارة الإسلامية بالمغرب. فدون الدواوين، ورسًم اللغة العربية، أي جعلها لغة الدولة الرسمية، فأوجب بذلك تعلمها على السكان، المسلمين وغير المسلمين. ثم بعد ذلك، أنزل عمر بن عبد العزيز بإفريقية والمغرب عشرة من الفقهاء يعلمون الناس القرآن ويفقهونهم في الدين". (4)
واستصحب موسى بن نصير معه أثناء توغله في شمال أفريقيا الكثير من الفقهاء ليعلموا البرابرة تعاليم الدين الإسلامي والقرآن والحديث النبوي. وتستلزم هذه العملية التعليمية بطبيعة الحال أن تتم داخل المساجد والجوامع والزوايا والمدارس والروابط الدينية. وأدت هذه السياسة التنويرية التعليمية فعلا إلى نتائج إيجابية ومثمرة كتليين قلوب البرابرة واستدماجهم في الدولة الإسلامية والاستعانة بهم في الفتوحات الإسلامية ولاسيما في فتح الأندلس كتعيين طارق بن زياد من قبل موسى بن نصير قائدا للجيوش البربرية التي ستتجه حيال الأندلس لفتحها سنة 92ﻫ.
ويقول عبد الله كنون في هذا الشأن: "إن المغاربة لم يعادوا الإسلام في أول الأمر. ولم يقاوموه تلك المقاومة العنيفة إلا لجهلهم بحقيقته، وعدم إحاطة علمهم بمحاسنه ومزاياه. وقد فطن لذلك الولاة العرب بعد حين؛ فرتبوا لهم الفقهاء والقراء يلقنونهم العربية ويبصرونهم بالدين. فلما اكتنهوا كنهه، وعرفوا حقيقته، وتمرسوا بتعاليمه السامية وآدابه العالية، أصبحوا من أكبر دعاته وأحمى أنصاره. فجاهدوا في سبيله الجهاد الأكبر، وبذلوا النفس والنفيس لإبلاغ دعوته إلى أقاصي البلاد. فهم الذين فتحوا الأندلس وسهلوا طريقها للعرب، ومازالوا بعد ذلك حاميتها وذادتها إلى آخر العهد بها. وهم الذين اقتحموا مجاهل إفريقية، وحملوا الهداية الإسلامية والثقافة العربية إلى السًوادين كما هو معلوم". (5)
ومن الجوامع الدينية الإسلامية التي تأسست إبان تأسيس دولة الأدارسة بالمغرب جامع القرويين الذي يعد أقدم جامعة إسلامية في العالم، فقد بني في فاس سنة 245ﻫ من قبل سيدة كريمة فاضلة هاجرت مدينتها القيروان متجهة نحو المغرب، فاستقرت بفاس، وتسمى هذه المحسنة أم البنين الفهرية. وفي هذا يقول المؤرخ المغربي علي بن أبي زرع في كتابه: "الأنيس المطرب": "كانت فيهم [أي في وفد القيروان] امرأة مباركة صالحة اسمها فاطمة، وتكنى أم المؤمنين، بنت محمد الفهري القيرواني، أتت من إفريقية... فورثت مالا جسيما.... فأرادت أن تصرفه في وجوه البر وأعمال الخير، فعزمت على بناء مسجد... فاشترت موضع القرويين.... ثم شرعت في حفر أساسه وبنائه وذلك يوم السبت مهل رمضان المعظم سنة خمس وأربعين ومائتين(2 دجنبر 859م)". (6)
وقد ساهم هذا الجامع الإسلامي الكبير في تعليم الكثير من المغاربة والأجانب مختلف العلوم السائدة آنذاك كالعلوم الدينية والشرعية واللغوية والأدبية والعقلية، كما أدى دورا كبيرا في نشر الدين الإسلامي بين زواره والمتعطشين للتعلم بين أروقته وفضاءاته الزاهية. ويعني هذا أن جامع القرويين أنجز مهمتين: مهمة دينية وهي الأساس، ومهمة تربوية تعليمية تكميلية. ويقول عبد الله كنون في كتابه"النبوغ المغربي": "ولما كانت المساجد في المجتمع الإسلامي تؤدي مهمتين: مهمة دينية، ومهمة ثقافية. إذ تلقى في أروقتها دروس في مختلف العلوم والفنون، فإنا نعتقد أن جامع القرويين منذ إنشائه كان مركزا للدراسات الدينية والأدبية، التي لم تنقطع منه أبدا، وأن تأسيسه كان مبدأ الارتكاز للحياة الفكرية في المغرب، بالرغم من وجود مساجد أخرى سابقة له في فاس وغيرها. ولا أدل على ذلك من أن كبار علماء المغرب الذين عرفناهم، إنما نبغوا بعد التاريخ الذي شيد فيه ذلك المسجد العامر.
على أن مراكز ثقافية أخرى كانت تقوم في كل من سبتة وطنجة والبصرة(7) وأصيلا. وهي باستثناء سبتة قد عرض لحركتها فتور أو اضمحلت بالمرة أثناء هذا العصر نفسه، وإن تخرج منها أعلام لهم مكانتهم في تاريخ الحركة الفكرية بالمغرب. إذا، فقد كانت هناك دروس، وكانت هناك هيئة علمية، وإن كنا لانعرف من خبر هذه الهيئة وأثر ذلك التدريس إلا الشيء القليل".(8)
وتأسس في المغرب العديد من المدارس التعليمية والمؤسسات التربوية الدينية التي تعنى بمدراسة الفقه المالكي وتعليمه وشرح مؤلفاته وتفسير متونه على يد مجموعة من العلماء الذين ارتحلوا إلى الأندلس والحجاز ومصر من أجل الحج أونهل العلم أوالتفقه في المذهب المالكي. ومن المعروف أن جامع القرويين منذ عهد الأدارسة أخذ على عاتقه مهمة تدريس المذهب المالكي وتقييد شروحات مدوناته وهوامشه وحواشيه.
ولما عاد العلماء الرحالون إلى المغرب بدأوا في نشر المذهب المالكي وتفسيره والحكم به في الفتيا والقضاء والعدالة والتوثيق، وقاموا بتأسيس قواعد العلم ومعاهد الدين في مختلف أنحاء البلاد. وهؤلاء أمثال: أبي هارون البصري، الذي كان أول من أدخل كتاب ابن المواز إلى الأندلس، وأحمد بن الفتح المليلي، ودراس بن إسماعيل، وجبر الله بن القاسم الفاسي، وأبي جيدة بن احمد، وأبي محمد الأصيلي، وابن أبي غافر، وعيسى بن علاء السبتيين، وعيسى بن سعادة الفاسي الذي تنازعه الفقهاء والمحدثون لما توفي بمصر، كلهم يدعيه ويقول أنا أحق بالصلاة عليه، وابن سمحون الطنجي بالحاء المهملة، ومحمد بن يحيى الصديني وأولاده، وابن الزريزي الذي كان يضرب به المثل في صحة الفتيا، يقولون: لا أفعله ولو أفتاك به ابن الزويزى، والقاضي ابن محسود، والحسن بن علي الفاسي، وأحمد بن العجوز وولده عبد الرحيم وأحفاده، وخلف بن مسعود الرعيني المعروف بابن أمنية، وابن أبي مسلم الصدفي، وأحمد بن قاسم السبتي، وسليمان بن أحمد الطنجي الأستاذ في القراءات، وعثمان بن مالك فقيه فاس وزعيم الفقهاء في وقته. كتب عنه تعليق على المدونة هو من أقدم ماكتب المغاربة عليها، وأبي بكر بن زوبع السبتي، وابن حمود الطنجي، له شعر في مناسك الحج، وعلي الهواري الفاسي، والحسن القرشي من أهل فاس، له كتاب سماه التصنيف، وحمزة بن يوسف الحرار منها، وابن التبان كذلك، وابن يربوع السبتي، وابن أبي الربيع المكناسي، وعلي وسليمان بن عذراء فقيهي المرابطين، وتونارت بن تيدي من فقهاء المصامدة أيضا، ولمتاد بن بلين اللمتوني، الذي كان المثل يضرب بفتواه في الصحراء، وعثمان بن سعيد البصري، وكان يتفقه على طريقة أهل العراق، وسعيد بن خلف الله البصري أيضا، له جزء في مسائل من سؤالات أبي هرون البصري وصاحبه عبد الله بن يعيش لأحمد بن ميسر الاسكندراني، وقاسم بن محمد المعروف بابن الماموني، له كتاب المناسك، وموسى بن ياسين له كتب حسان في الحساب والفرائض، وغيرهم ممن يطول تتبعهم".(9)
ويتبين لنا من خلال هذه الجرد أن المدارس الدينية والجوامع القرآنية ظهرت مع عصر الفتوح، وبدأت في تقديم العطاء عن طريق تخريج العديد من العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء ورجال الدين والقضاء وأصحاب القراءات. كما برز إلى حيز الوجود في هذا العهد مايسمى بالتأليف المدرسي وكتابة المصنفات العلمية وتحرير الكتب الثقافية.
* عصر المرابطين:
اهتم المرابطون كثيرا بالعلوم والفنون والآداب، وأسسوا عدة مدارس لتلقين المعارف والآداب وتدشين الجوامع الدينية لتدريس العلوم الشرعية والفقهية. كما تحققت في هذا العصر أيضا نهضة فكرية وفلسفية يشهد بذلك المؤرخون العرب والأجانب.
ومن أهم المنجزات في هذا العهد توسيع جامع القروين وتزيينه والاهتمام به اهتماما كبيرا، كما تم تأسيس جامع ابن يوسف بمراكش ليكون مثل جامع القرويين بفاس.
أضف إلى ذلك أن ثمة العديد من المدارس التي تم تشييدها في العصر المرابطي كمدرسة الصابرين التي أسسها يوسف بن تاشفين. ويقول عبد الله كنون مشيرا إلى هذه النهضة التربوية التي قامت على أكتاف المعاهد والمدارس الدينية الإسلامية: "وإن ننس لاننس جامع ابن يوسف وهو بمراكش مثل القرويين بفاس، فهو من منشآت هذا العصر. ومنذ بناه علي بن يوسف لم يزل المركز الثاني للدراسات العلمية والأدبية بالمغرب. على أن القرويين لم تفتأ تحاط بالعناية الكاملة من الزيادة فيها كلما ضاقت أرجاؤها، وتحديد معالمها التي يتسور إليها الدثور. وقد نقض بناؤها في أيام علي بن يوسف وعمل على توسعتها من جميع الجهات فبلغت بلاطاتها من الصحن إلى القبلة عشر بلاطات. واحتفل في عمل القبة التي بأعلى المحراب وما يحاذيها من وسط البلاطين المتصلين بها فصنع ذلك بالجص المقربص الفاخر الصنعة، ونقشت واجهة المحراب بالنقوش المذهبة الجميلة، وركب في شمسياته أنواع الزجاج الملون البديع، إلى غير ذلك من فنون الزخرفة وضروب الزينة. وكان كل ما أنفق في ذلك من تبرعات المحسنين، إذ لم يزل هذا المسجد العظيم منذ تأسيسه من الشعب وإليه، وذلك هو سر عظمته الخالدة.
لكن الذي يلفت الأنظار من اهتمام الدولة بالقرويين وتعزيز مركزها كمعهد دراسي عال هو بناء المدارس التي تتخذ لإيواء الطلبة وتدريس بعض العلوم التي يكون المسجد غير مناسب لتدريسها بسبب ما تقتضيه من إجراء بعض التجربات واستعمال بعض الآلات. وقد بدأ ذلك في هذا العصر إذ ثبت أنه كانت هناك بفاس مدرسة من بناء يوسف بن تاشفين تعرف بمدرسة الصابرين ومن الجائز أن يكون هناك غيرها. والغريب هو أن يتوافق المغرب والمشرق في وقت إنشاء المدارس، لأن هذا التاريخ هو الذي أنشأ فيه الوزير نظام الملك مدرسته العلمية ببغداد وهي أول مدرسة في الشرق كذلك".(10)
ويعد عصر المرابطين عصر انبثاق المدارس الإسلامية الأصيلة وانتشار المراكز الثقافية في فاس ومكناس ومراكش وفي جميع ربوع سلطنة حكام الدولة المرابطية وخاصة في عهد يوسف بن تاشفين وأبنائه.
هذا، وقد بنيت "عدة مدارس ملحقة بالمساجد لإيواء الطلبة تحتوي على مرافق للسكنى والدراسة والمطالعة والصلاة مع أعطيات وأرغفة للتشجيع على طلب العلم ومرتبات في كل شهر. ولم يكن ابن مرزوق مصيبا حين زعم أن أبا يوسف يعقوب المريني أول من أسس بفاس مدرسة الحلفاويين سنة670ﻫ، إذ الواقع أن بناء المدارس، كان معروفا قبل هذا الوقت بكثير، وإن كان يظهر أنه اعتمد على ماذكره المؤرخون من أن المفضل العذري صاحب الشرطة والحسبة هو أول من سن بناء المدارس، وعلى يديه بنى يعقوب المريني المدرسة المذكورة. وذكر مؤلف القرطاس أن أول مدرسة عرفت بفاس هي مدرسة المرابطين [ أي أكلو أو الرباط بضواحي تزنيت]، بناها واجاج بن زلو اللمطي". (11)
وقد خرجت المدارس التي بناها المرابطون في المدن والبوادي وخاصة في منطقة سوس مجموعة من العلماء النابهين في تخصصات عدة رفعتهم إلى مصاف رجال الفكر في العالم الإسلامي. وقد بلغت مدارس سوس نحو أربعمائة مدرسة، تحدث محمد المختار السوسي في كتابه: "سوس العالمة" عن خمسين مدرسة منها (12)، وفي "مدارس سوس العتيقة" عن مائة مدرسة منها. (13)
وكانت القبائل هي التي تمول هذه المدارس عن طريق تخصيص بعض أعشار محصولاتها الزراعية لها، وتحبيس بعض الأملاك من أجل الصيانة والتموين وتحمل تكاليف المدرسة، وكانت القبائل السوسية تتنافس في بناء المدارس بالجبال والسهول، وكانت لكل قبيلة مدرسة أو مدرستان أو ثلاث مدارس.
ومن أبرز المدارس التي شيدت في عصر المرابطين إضافة إلى ما سبق نذكر "مدارس سبتة، ويذكر ابن الآبار عدة مدارس أخرى كانت بطنجة، وأغمات وسجلماسة، وتلمسان، ومراكش. وكانت هذه المدارس تأوي علم القيروان وثقافة الأندلس المشهورة، حيث نبغ فيها أعلام كبار، منهم في علم الفقه والحديث أبو علي كما نبغ منها القاضي عياض، وأبو الوليد ابن رشد مؤلف كتاب المقدمات الأوائل للمدونة، والبيان والتحصيل، إلى آخر كتبه القيمة". (14)
وهكذا، يتبين لنا بأن عصر المرابطين هو عصر انبثاق المدارس العتيقة التي بدأت تعتمد على طرائق عدة في مجال التعليم والتدريس كالطريقة القيروانية، والطريقة الأندلسية، والطريقة المشرقية، والطريقة المغربية.
* عصر الموحدين:
يعد عصر الموحدين عصر انتشار العلم ورواج الثقافة ونهضة الفكر والفلسفة وبناء المعاهد والمدارس الدينية وظهور بيت الطلبة الذي كان يسهر عليه رئيس متميز منتقى من الطلبة المجتهدين المتفوقين تدبيرا وتسييرا وإشرافا. وهذا البيت كان بمثابة مجمع علمي يؤمه الطلبة من كل حدب وصوب، كما كان يدرس فيه فقهاء راسخون في العلم لهم صيت كبير في الدولة بمؤلفاتهم المشهورة ومصنفاتهم الموسوعية العديدة. ومن هنا، فقد عرف هذا العصر بناء: "عدة مساجد ومدارس في كل من أفريقية والأندلس والمغرب، ومنها المسجد الأعظم بمدينة سلا ومدرسته الباقية إلى الآن شاهدة بأن هذا المسجد يضاهي القرويين في الضخامة والجفوة كان من معاهد العلم المقصودة حتى احتيج إلى بناء مدرسة حوله. ويعد بناء المدارس في هذا العهد من مظاهر التقدم العلمي، وقد أصبح تقليدا متبعا حتى من أفراد الشعب. ونشير هنا بالخصوص إلى مدرسة الشيخ أبي الحسن الشاري من أعلام هذا العصر التي أنشأها في مدينة سبتة وكان لها صيت بعيد.
وفي مراكش كان يوجد مجمع علمي يسمى بيت الطلبة، وهو يذكرنا ببيت الحكمة الذي كان في بغداد على عهد المأمون. وكان مألفا لأهل العلم من أصليين وطارئين. وإذا علمنا أنه كانت هناك وظيفة يسمى صاحبها رئيس الطلبة، فغير بعيد أن يكون هو عميد هذا البيت. وكان الموحدون يطلقون اسم الطلبة على أهل العلم عامة وأهل الحديث خاصة ولا يولون هذه الوظيفة إلا العلماء الراسخين أمثال المحدث ابن القطان والقاضي ابن المالقي. وفي هذا البيت استقبل أبو عمر بن عات، وألقيت عليه أحاديث من صحيح مسلم محولة المتون والأسانيد فأعادها إلى أصلها. فإن لم يكن بيت الطلبة هذا مدرسة للحديث كالتي أنشأها نور الدين محمود بن زنكي في دمشق، فهو في أقل تقدير مجمع علمي كما قلنا، تفردت به مراكش الموحدية عن سائر عواصم المغرب وأفريقية والأندلس".(15)
وما يعرف به هذا العصر أيضا ظهور فكرة المنظومات اللغوية التعليمية لتسهيل الحفظ والضبط والاستظهار على الطلبة على غرار ما انتشر في الشرق في القرن الخامس إبان الدولة العباسية والقرن السادس الهجري. ومن أمثلة ذلك: "أرجوزة العلامة ابن المناصف المسماة بالمذهبة في الحلى والشيات. وقد نظمها بمراكش في جمادى الأولى عام 620 ﻫ فحملت عنه وسمعت عليه كثيرا: ومنه نظم العلامة ابن معط لجمهرة ابن دريد ونظمه لصحاح الجوهري وهي محاولة جريئة كما لايخفى.
ولا نذكر هنا النحويين واللغويين كأبي علي الشلوبين وابن خروف وابن عصفور وابن مضاء وابن مالك وغيرهم ممن أظلهم عصر الموحدين إلا على سبيل التذكير بما كان لعلوم العربية نحوا ولغة من عظيم الازدهار في هذا العصر، ولاسيما وأكثر هؤلاء ممن زار المغرب وأقام فيه فأخذ عنه الطلاب ونشر معارفه بكل مكان.
وبخصوص علم العروض من العلوم الأدبية نذكر أنه في هذا العصر نبغ العلامة ضياء الدين الخزرجي السبتي صاحب القصيدة الشهيرة بالخزرجية في هذا الفن والتي يسميها المشارقة بالرامزة... وكذلك العلامة ابن أبي الجيش الأنصاري صاحب العروض المعروف باسمه فإنه من نوابغ هذا العصر. وليس هو صاحب الخزرجية ولا هذه هي عروضه كما يخلط بينهما بعض الكتاب. ولابن معط أيضا نظم في العروض ذكر في ترجمته. هذا إلى ما وضعه الأندلسيون من تآليف عديدة أخذت عنهم بالمغرب والأندلس وكان لها رواج يستتبع بالطبع رواج فنها". (16)
وعلى أي، فظاهرة المدارس لم تقتصر على الدولتين: الإدريسية والمرابطية فقط، بل تعدتهما إلى الدولة الموحدية التي اهتمت بدورها بتشييد المدارس والمساجد والجوامع الدينية في معظم أرجاء المغرب ونواحيه.
* عصر المرينيين:
من المعلوم أن الدولة المرينية اهتمت اهتماما كبيرا بالعلماء والفقهاء والأدباء وطلبة العلم، وبنت مدارس وجوامع عديدة إلى درجة التخمة، أخضعتها للزخرفة والنقش والتزيين والتوسيع والمساعدات المادية والمعنوية. كما اهتمت هذه المدارس والجوامع والروابط بأنواع ثلاثة من العلوم وهي: العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير، والعلوم الأدبية التي تتمحور حول الشعر وروايته، والعلوم الكونية من فلسفة ومنطق ورياضيات وفلك...
وامتاز هذا العصر بتفريع العلوم والتوسع فيها تبسيطا وتحشية وتقييدا واختصارا وتدوينا واستنباطا. "أضف إلى ذلك أن الطلبة في هذا العصر، كانوا لايستنكفون من الطلب ولو بعد بلوغ المرتبة العليا في التحصيل. فقد كانت هناك طبقة منهم لايمكن أن يقاس بها أكابر علمائنا الآن، لاتفتر عن الطلب، وهي بعد من كبار العلماء. واعتبر بما حكي عن الكانوني، وكان من أئمة الفقه، الذين لايشق لهم غبار، أنه كان يدرس المدونة بالقرويين، ويأتي عليها بأبحاث وتعاليق وشروح مستجادة، فكان يجلس إليه أكثر من مائة معمم، وهم حفاظ المدونة إذ ذاك. وهذا حافز قوي لما ذكرناه كان من نتيجته أن اتسعت دائرة هذه العلوم اتساعا عظيما". (17)
وكان للعلماء وطلبة العلم مكانة كبيرة في المجتمع ولدى سلاطين الدولة المرينيين ؛ لأنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويناصرون الحق ويحاربون الظلم،. لذا، سمت في هذا العصر منزلتهم عند الخاصة والعامة، "بسبب وقوفهم مع الحق، وسيرهم على الجادة؛ فكان أن عظمت سلطتهم على النفوس وقوي نفوذهم في رجال الدولة. فالفتوى والقضاء، ومناصب الشرع كلها كانت مستقلة عن التدخل الحكومي أو التعرض لها من الرؤساء، وكلمة القاضي كانت نافذة في أكبر كبير، كأصغر صغير. وحسبك أنه لما وقع الشجار بين القاضي أبي الحسن الصغير، والوزير ابن يعقوب الوطاسي، بسبب تعقب هذا الأخير لحكم القاضي، لم يكن من السلطان إلا أن سخط على وزيره وعزله شر عزل.
وهذه المكانة التي كانت لرجال الدين عند الشعب، هي التي جعلت العلامة عبد العزيز الورياغلي يثور على آخر سلاطين بني مرين، ويقلب الدولة المرينية رأسا على عقب، لما سول للسلطان أن يولي على فاس رجلا يهوديا يسوم أهلها سوء العذاب". (18)
وكان علماء عصر بني أمية متبحرين في مختلف العلوم يرحلون إلى الشرق من أجل استرفاد العلوم والفنون، فكانت الموسوعية سمة هؤلاء العلماء الراسخين في العلوم الشرعية والأدبية واللغوية والكونية. وكانت حلقاتهم في المساجد غاصة بالطلبة ورجال العلم وعموم الناس، يتسابقون إلى المساجد من أجل أن يستفيدوا من علمائهم وينهلون من ثقافتهم العميقة والأصيلة والمتنوعة. فالعالم العبدوسي الفقيه الموسوعي الفاسي، وقد رحل إلى تونس، "ودرس بها فقضى التونسيون العجب من وعيه للعلوم وكثرة حفظه. وكثير من علمائهم أوقفوا دروسهم وحضروا عنده رغبة في الأخذ عنه، واتصال السند به. وكان الناس يستبقون إلى المسجد ويأخذون مجالسهم فيه قبل صلاة الصبح، وتغص بهم رحاب المسجد فيجلسون خارجه حتى يكون من بخارجه أكثر ممن بداخله. وكان هو يسمع الكل بصوته الجهير. ولما رأوا تفرده بإتقان علوم الشريعة من فقه وحديث وتفسير، قالوا إنه لايحسن غيرها، فاقترحوا عليه أن يقدم لهم درسا في العربية فدرسها أيضا وبهرهم ما شاهدوه مما هو فوق الطاقة، فأجمعوا حينئذ على إمامته وتفوقه في العلوم، وأنه لايضاهيه في جمعه وتحصيله أحد من المعاصرين سواء بإفريقيا والمغرب". (19)
وكانت ظاهرة الكراسي العلمية معروفة في العصر المريني كما هو موجود بجوامع فاس، وكان لموسى العبدوسي كرسيا في الفقه وآخر في التفسير وآخر في تدريس مادة علوم الآلة أو مواد اللغة العربية من نحو وصرف وبلاغة كما هو حال جامع الأزهر في عصرنا الحديث وحال الجامعات المغربية المعاصرة التي تنبني على الكراسي العلمية.
وقد امتاز هذا العصر بظاهرة الشروح والاختصارات واعتماد المتون وخاصة اللغوية منها التي قدر لها "الذيوع والانتشار في زمنها ثم فيما بعد ذلك مثل ماكان لمتونهم في القراءات والرسم، وأشهرها إطلاقا، المقدمة، في النحو لابن آجروم، وشرح المكودي على الألفية، وبذلك يكون العصر المريني العصر الذي تم فيه وضع المتون في شتى العلوم. وهي متون طبقت شهرتها الآفاق، على أن آفة العلم المتون، وازدهار التأليف فيها دليل على تحجر الفكر وانحسار الطموح، ولابن خلدون رأي مشهور فيها، بسطه في فصل خاص بعنوان: "فصل في أن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم، وكانت لهذه المختصرات دون شك أثرها السلبي على شعراء العصر، وقد بدت بعض أساليب المنظومات التعليمية في شعر شعرائه، وظهر ذلك جليا في شعر المديح عندهم بشكل خاص". (20)
ويتبين لنا بأن مستوى التعليم في العصر المريني قد انحدر في هذه الفترة بسبب كثرة التآليف و المختصرات والمتون وكثرة الشروح والتخلي عن الرحلة العلمية للاستفادة من شيوخ الشرق وعلماء المغرب. كما ساهمت كثرة المدارس في التقاعس والركود الثقافي بالاكتفاء بما لدى مدرسيها ومؤطريها من معارف وعلوم. لذا لانعرف من علماء هذا العصر إلا القليل منهم. وقد يعود الحال إلى ما آل إليه الشرق في ظل التقاعس والتراجع الحضاري والميل إلى التقليد والاجترار والعناية بالمتون التعليمية وحواشيها وتعاليقها المتنوعة. ونقل أحمد بابا السوداني في كتابه القيم: "نيل الابتهاج" عن المقري الجد أن الإمام الآبلي كان يقول: "إنما أفسد العلم كثرة التآليف وأذهبه بنيان المدارس... وذلك أن التأليف نسخ الرحلة التي هي أصل جمع العلم، فكان الرجل ينفق فيها مالا كثيرا وقد لايحصل له من العلم إلا نزر يسير... وأما البناء(أي بناء المدارس) فإنه يجذب الطلبة لما فيه من مرتب الجرايات، فيقبل على ما يعنيه أهل الرئاسة للإجراء والإقراء منهم، أو من يرضي لنفسه دخوله في حكمهم، ويصرفهم عن أهل العلم حقيقة..."(21)
وقد تأسس في العصر المريني أكثر من خمس وثلاثين مدرسة في كل من أزمور، وآسفي، ومكناس، وفاس، ومراكش، وقصر كتامة، وأغمات، وآنفا، والرباط، وتلمسان، وتازة، وسبتة، وسجلماسة، وشالة، وسلا. وفي فاس وحدها تأسست إحدى عشرة مدرسة. ومن الملوك الذين أسسوا هذه المدارس نذكر: أبا الحسن وأبا عنان المرينيين.
هذا، وقد أسس أبو الحسن الشاري بسبتة حسب الدكتور الحسين أسكان أول مدرسة سنية عتيقة في المغرب سنة635ﻫ وأول خزانة وقفت بالمغرب على أهل العلم. (22)
* عصر السعديين:
على الرغم من قوة الدولة السعدية وقوة اقتصادها وعظمة حضارتها، إلا أن الجمود كان هو الطابع الغالب على الحياة الفكرية والمظهر الثقافي على غرار الشرق الذي دخل مرحلة الركود والانحطاط مع الوجود التركي في العالم الإسلامي. ومن ثم، فقد أصبح التعليم الشرعي في هذا العصر يعتمد على الشروح والمنظومات التعليمية والمختصرات العقيمة والتلاعب بالمصطلحات والمفاهيم والتعمية في الحواشي والتقييدات، وتعقيد العلوم والمعارف والفنون. كما أصبح "العلماء وأكثرهم نشاطا وأعظمهم اجتهادا هو من يقف عند الغاية التي وصل إليها من قبله في هذا العلم أو ذاك ومن يجتر المقررات التي وقع الفراغ منها قبله. فإن أظهر براعة, أبدى تفوقا ففي هذه الظاهرة التي عمت فأعمت، وهي ظاهرة الاختصار والتعمق فيه التي أشرنا في العصر السابق على مضارها الجسيمة، حتى أفضى الأمر إلى أن أصبحت العلوم في حالة من الغموض والإبهام تصد عنها كثيرا من الطلاب. وهذا إن لم يكن أخرها كثيرا، فقد عاقها عن التقدم والانتشار طوال المدة التي بقيت فيها قيد الإنشاء والإعادة". (23)
وهكذا، يتبين لنا أن السعديين اهتموا بدورهم بالمدارس العتيقة، وتخرج منها سلاطين الدولة كأحمد المنصور الذهبي إلا أن الوضع التعليمي بالدولة في تلك الفترة كان كاسدا بسبب الجمود والاجترار والتقليد وحشو عقل المتعلمين بالمنظومات والمختصرات العقيمة.
* عصر العلويين:
يمتاز عصر العلويين بكونه عصر انتشار المدارس العتيقة وبناء المساجد والمعاهد الدينية والروابط التربوية والكتاتيب القرآنية واتساع شأن الزوايا في التهذيب الروحي والتثقيف الديني.
ومن مآثر السلطان العلوي المولاي رشيد أنه بنى بفاس مدرسة الشراطين "المحكمة البناء الجميلة الشكل الأنيقة الوضع، وقد أسسها لدراسة العلم وسكنى طلابه، وجعلها ثلاث طبقات تشتمل على مائتي بيت واثنين وثلاثين بيتا وقبة للصلاة".(24)
زد على ذلك أن المولاي رشيد سمح لطلبة العلم بقيام نزهة ربيعية لمدة أسبوع كامل على ضفاف وادي الجواهر بمدينة فاس لتمثيل مجموعة من المشاهد الدرامية الهزلية احتفاء بسلطان الطلبة، وكان يحضره سلطان البلاد المولاي رشيد كما يحضرها الأهالي، وكان السلطان يحفز طلبة العلم على العمل والاجتهاد ويجازي المتفوقين منهم. (25)
وقد شهد جنوب المغرب أيضا في عصره نهضة علمية مباركة في الآداب والعلوم واللغويات والفنون والشرعيات.
أما السلطان محمد بن عبد الله العلوي فقد أدخل إصلاحا على التعليم، فركز على العلوم النقلية والتوجه العقائدي السلفي، والعناية بنشر كتب السنة وتعويضها عن كتب الفقه، ومنع تدريس الفروع والعلوم العقلية كعلم الكلام والفلسفة والمنطق وتصوف الغلاة والقصص الإخبارية. لذا، أصدر السلطان نصا إصلاحيا موجها إلى عموم المجتمع لتنفيذه ينظم القضاء وإمامة المساجد والتعليم سنة 1203ﻫ، وإليكم نصه:
"ليعلم الواقف على هذه الفصول، أننا أمرنا باتباعها والاقتصار عليها ولا يتعداها إلى ماسواها:
الفصل الأول: في أحكام القضاة، فإن القاضي الذي ظهر في أحكامه جور وزور وما يقرب من ذلك من الفتاوى الواهية مثل كونها من كتب الأجهورية ولم يبلغ سندها إلى كتب المتقدمين فإن الفقهاء يجتمعون عليه ويعزلونه عن خطة القضاء ولا يحكم على أحد أبدا.
الفصل الثاني: في أئمة المساجد، فكل إمام لم يرضه أهل الفضل والدين من أهل حومته يعزلونه في الحين ويأتون بغيره ممن يرضون إمامته.
الفصل الثالث: في المدرسين في مساجد فاس، فإنا نأمرهم أن لايدرسوا إلا كتاب الله تعالى بتفسيره وكتاب دلائل الخيرات في الصلاة على رسول الله (صلعم)، ومن كتب الحديث المسانيد والكتب المستخرجة منها والبخاري ومسلما من الكتب الصحاح، ومن كتب الفقه المدونة والبيان والتحصيل، ومقدمة ابن رشد والجواهر لابن شاس والنوادر والرسالة لابن أبي زيد وغير تلك من كتب المتقدمين، ومن أراد تدريس مختصر خليل فإنما يدرسه بشرح بهرام الكبير والمواق والحطاب والشيخ علي الأجهوري والخرشي الكبير لاغير. فهذه الشروح الخمسة بها يدرس خليل مقصورا عليها، وفيها كفاية، وماعداها من الشراح كلها ينبذ ولا يدرس به، ومن ترك الشراح المذكورين، واشتغل بالزرقاني وأمثاله من شراح خليل يكون كمن أهرق الماء واتبع السراب. وكذلك قراءة سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم كالكلاعي وابن سيد الناس اليعمري، وكذا كتب النحو كالتسهيل والألفية وغيرهما من كتب هذا الفن، والبيان بالإيضاح والمطول، وكتب التصريف، وديوان الشعراء الستة، ومقامات الحريري، والقاموس ولسان العرب وأمثالهما مما يعين على فهم كلام العرب لأنها وسيلة على فهم كتاب الله وحديث رسول الله (صلعم) وناهيك بها نتيجة.
ومن أراد علم الكلام فعقيدة ابن أبي زيد رضي الله عنه كافية شافية يستغني بها جميع المسلمين. وكذلك الفقهاء الذين يقرأون الإسطرلاب وعلم الحساب فيأخذون حظهم من الأحباس لما في تلك من المنفعة العظيمة والفائدة الكبيرة لأوقات الصلاة والميراث، وعلى هذا يكون العمل إن شاء الله.
ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة وكتب غلاة الصوفية وكتب القصص فليتعاط ذلك في داره مع أصحابه الذين لايدرون بأنهم لايدرون، ومن تعاطى ماذكرنا في المساجد ونالته عقوبة فلايلومن إلا نفسه، وهؤلاء الطلبة الذين يتعاطون العلوم التي نهينا عن قراءتها مامرادهم بتعاطيها إلا الظهور والرياء والسمعة، وأن يضلوا طلبة البادية فإنهم يأتون من بلدهم بنية خالصة في التفقه في الدين وحديث رسول الله (صلعم)، فحين يسمعونهم يدرسون هذه العلوم التي نهينا عنها يظنون أنهم يحصلون على فائدة بها فيتركون مجالس التفقه في الدين واستماع حديث رسول الله (صلعم ) وإصلاح ألسنتهم بالعربية فيكون ذلك سببا في ضلالهم". (26)
بيد أن هذا المنشور الإصلاحي السلفي سيوقفه ابنه مولاي سليمان ليعود العلماء إلى ماكانوا عليه من كتب ومؤلفات ومصنفات سابقة، ليتم تجديد هذا النص القانوني الإصلاحي مرة أخرى مع المولى عبد الرحمن بن هشام، إلا أن العلماء لم يأخذوا بهذا المنشور ماداموا يفضلون كتبهم التي تعودوا عليها في التدريس والإقراء.
وكان للنساء مثل الرجال حظ في التعلم والتعليم والتدريس وخاصة تعليم الصغار والولدان والبنات في أمكنة تسمى ﺒ "دار فقيهة"، وفي هذا يقول عبد الله كنون الباحث المغربي: "وفي ميدان التعليم الأولي كان هناك معلمات يقمن بتعليم البنات والأولاد الصغار الكتابة والقراءة والقرآن الكريم ومبادئ العلوم الضرورية، فلم يكن يخلو حي من أحياء المدن الكبيرة من دار فقيهة تعتبر بمثابة مدرسة أولية، ولقد أدركنا نحن منها العشرات مما يدل على ماكانت المرأة المغربية تقوم به من دور عظيم في نشر المعرفة وتثقيف النشء.
وهناك نوع آخر من التعليم وهو التربية الدينية، وكان للنساء بها اهتمام كبير، إذ كان بعضهن ينتصبن لتلقين النساء المتقدمات في السن واجباتهن الدينية، ويندبنهن إلى التوبة ويعلمنهن بعض الأدعية والأذكار مما يقوم به شيوخ التصوف، وقد أدركنا نحن الكثيرات من السيدات اللائي كن ينهضن بهذه المهمة الروحية خير نهوض، وبذلك كان النساء على جانب عظيم من العفاف والطهارة وحسن التبعل، وكان وكانت السعادة الزوجية تغمر البيت والأسرة والمجتمع بالرضى والطمأنينة والحبور".(27)
وتابع الملوك العلويون سياسة بناء المدارس العتيقة والمعاهد الإسلامية إلى يومنا هذا. إلا أنه في مرحلة الحماية الأجنبية على المغرب(1912-1956م) كان هناك نوعان من المدارس: مدارس عصرية تدرس فيها اللغات والعلوم الدنيوية الحديثة من آداب ورياضيات وفيزياء وفلسفة ومنطق وتاريخ وجغرافيا بمناهج أكثر حداثة وتخصصا وتعميقا وتدرجا في المعارف على ضوء معطيات علوم التربية ومقاييس السيكولوجيا، ومدارس تقليدية أصيلة تتمثل في جامع القرويين وجامع ابن يوسف والمساجد والجوامع والزوايا والروابط تتخصص في تدريس العلوم الشرعية واللغوية والأدبية بطرائق عتيقة أكل عليها الدهر وشرب.
وبعد الاستقلال، أخذ المغرب يشيد المدارس العصرية العمومية على ضوء الفلسفات التربوية الغربية مع الاستفادة من تطور التعليم الفرنسي والإسباني. وفي نفس الوقت، ترك المدارس العتيقة لتقوم بأدوارها التربوية والدينية المعهودة إلى جانب إيجاد ما يسمى بمدارس التعليم الأصيل التي كانت تدرس فيها العلوم الشرعية واللغوية والأدبية واللغات والعلوم الحديثة.
ومع ظهور الظهير الشريف 13. 01 في29 يناير 2002م، ارتأت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتنسيق مع وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي أن تقوما بالإشراف على المدارس العتيقة تدبيرا وتسييرا وتأطيرا ومراقبة وتمويلا حسب الإمكانيات والظروف مع خلق جسور منفتحة بين التعليم العتيق والتعليم الأصيل والتعليم العمومي.
ويلاحظ اليوم أن ثمة الكثير من المعاهد الدينية والمدارس العتيقة التي تتولى تدريس المواد الشرعية، وتقوم بتلقين العلوم القرآنية والدراسات الحديثية وعلوم اللغة من أجل تفقيه التلاميذ والطلبة في مجال الدين الإسلامي والشريعة الربانية لتكوين حفظة القرآن وأئمة المساجد والخطباء.
وهكذا، نستشف أن ملوك الدولة العلوية في عصرنا هذا قد اهتموا اهتماما كبيرا بالمدارس العتيقة والمعاهد الدينية والزوايا الصوفية وخاصة في عهد الملوك الثلاثة الصلحاء: محمد الخامس، والحسن الثاني، ومحمد السادس.
وقد مرت المدارس العتيقة بمجموعة من المراحل بعد استقلال المغرب، فقد "كان التعليم العتيق، مندمجا عبر جسور بالتعليم الرسمي، لكن تم وضع حاجز بين المجالين، بقرار تحديد السن في المعاهد التي كان لا ينخرط فيها إلا من حفظ القرآن، وكان سن الذين يستظهرونه غالبا بين 10 و 15 سنة، وهو القرار الذي تضمنه التصميم الخماسي 1960 - 1964 وكان علماء المغرب ضد قرار تحديد السن، لأنه يحرم حفظة القرآن من الالتحاق بالتعليم العربي الإسلامي في المعاهد التي تنضوي تحت جامعة القرويين.
وفي اجتماع لرؤساء المعاهد بما فيها القرويين وابن يوسف بمقر وزارة التعليم، بحضور بعض أعضاء رابطة علماء المغرب تم تدارس وضعية المعاهد، خاصة بعد فشل الأقسام النموذجية في حل مشكل حفظة القرآن، وأُعلن في الاجتماع عن قرارات الوزارة بتوحيد الابتدائي وأولى الثانوي وجعل السلك الثاني ثلاث شعب توجيهية كروافد للكليات الثلاث التي ستنضوي تحت جامعة القرويين، كما أُعلن عن قرار إحداث سلك الإنقاذ لمن لا تتجاوز أعمارهم 15 سنة، وقبول 4000 تلميذ في فاس ومراكش وتطوان وتارودانت وتخصيص ميزانية لمطاعم هذه المراكز، وبدأ التسجيل، لكن تم إلغاء المشروع ذلك الموسم (61 - 62) لانعدام الإمكانيات المالية للإيواء، ليتم التخلي عن الأقسام النموذجية موسم 64 - 65، وإدماج الفروع، وإلغاء الروافد الابتدائية وضمها للتعليم العصري، واستمرت خطة عصرنة المعهد الإسلامي بتارودانت في نونبر1965 وتم استبدال اسم المعهد بثانوية. وهكذا بقي التعليم الأصيل محصورا في بعض المعاهد الثانوية في انتظار تصفيتها بدورها، إلى أواخر 1972 حيث بدأ التفكير من جديد في إحياء هذا التعليم الأصيل، وتوسيع قواعده الابتدائية والثانوية. والإبقاء عليه تابعا لوزارة التربية الوطنية فأعيدت الحياة إلى جامعة القرويين".(28)
لكن العاهل المغربي الحسن الثاني رحمه الله سيعيد للتعليم الأصيل والتعليم العتيق مكانتهما الكبرى عن طريق إيلائهما الأهمية الكبرى من خلال إنشاء مؤسسات دينية جديدة تابعة للجوامع مع الإشراف المادي والمعنوي على بعض المؤسسات الدينية التي كان لها باع كبير في نشر العقيدة الإسلامية، وتكوين الناشئة وتحفيظ المغاربة القرآن الكريم وتأطيرهم في مجال العلوم القرآنية. وهذه السياسة المجيدة التي سنها الحسن الثاني اتبعها الابن محمد السادس نصره الله من خلال تشجيع التعليم العتيق وتقنينه بظهير شريف قصد إعادة الاعتبار للمدارس التقليدية على ضوء قوانين تنظيمية جديدة.
ومن هنا، يجب علينا أن نتذكر تاريخيا أنه "في عام 1988 م أمر المرحوم الحسن الثاني بإعادة الحياة إلى جامع القرويين وإعادة الدراسة به حسب النظام القديم، كتعليم عتيق تابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى جانب جامعة القرويين للتعليم الأصيل. وفي عام 1995م، أنشأ جلالته المدرسة الملحقة بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، وازداد الإحساس بالحاجة لتحصين هذا المجال بعد أن تزايد فتح مدارس للتعليم العتيق لا تحترم المذهب الرسمي للدولة وقد تم إغلاق كل هذا الصنف من المدارس، وفي يناير2002 م، أمر جلالة الملك محمد السادس بموجب الظهير الشريف رقم 1. 02. 09 بتنفيذ القانون رقم 13. 01 في شأن تطوير وتأهيل التعليم العتيق وتواصل العمل في هذا الاتجاه بإصدار المرسوم 1273*05*2 في دجنبر 2005م، ثم صدور ست قرارات تطبيقية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في ماي 2006 م لتنطلق عملية التأهيل والإدماج تدريجيا.
هذا، وينقسم التعليم العتيق من حيث تمويله إلى أصناف ثلاثة:
1- تعليم عتيق عمومي ويشمل خمسة مدارس فقط، وهي إما مدارس عتيقة توفر لها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ميزانيتها 100%، ومنسجمة مع القانون الإطار، وهما مدرستان: جامع القرويين والمدرسة القرآنية لمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء. أو مدارس توفر لها الوزارة الميزانية 100%، ولكنها تحتاج إلى تأهيل، ويتعلق الأمر بثلاثة مدارس هي: مدرسة سيد الزوين، ومعهد ابن عطية بطنجة، ومدرسة سيدي محمد (زهيرو سابقا) بطنجة.
2- تعليم عتيق خاص. وهو على صنفين:
أ- تعليم خاص بمدارس محتضنة، وتعني حوالي 156 مدرسة عتيقة، تسلم الوزارة منحا لبعض تلاميذها وطلبتها، كما تخصص مكافآت لأساتذتها، وتوفر رابطة علماء المغرب والسنغال منحا لطلبتها خاصة الأفارقة من السنغال وساحل العاج والغابون وغينيا وغيرها، كما يوفر المحسنون بقية الحاجيات المادية لها، لتغطية خصاص ميزانيتها ومنحا لطلبتها المغاربة وبهذه المدارس المحتضنة 6795 طالبا ممنوحا، و467 أستاذا مكافئا.
ﺒ تعليم عتيق خاص يتولاه المحسنون يوفرون ميزانيته كاملة، ويتعلق الأمر بحوالي 338 مدرسة عتيقة لا تتوصل بأية منح أو مكافآت، بها 14856 طالبا غير ممنوح، و 1064 أستاذا بدون مكافأة".(29)
وعليه، فقد تأسست في السنوات الأخيرة الكثير من المدارس العتيقة والمعاهد الدينية بمعظم الجهات المغربية ولاسيما في وجدة، والدار البيضاء، والناظور، وطنجة، وتطوان، وتارودانت... وبدأت هذه المدارس العتيقة تخضع بشكل أو بآخر لشروط الظهير الشريف 13. 01.
وعلى العموم، فقد تكلفت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالسهر على تسيير هذه المؤسسات الدينية العتيقة والإشراف عليها من حيث اختيار البرامج والمحتويات والمناهج وتنظيم الدراسة وتحديد الشواهد والمكافآت.
ومن هنا، فقد "قامت الوزارة بإعداد برامج دراسية تتضمن بالإضافة إلى مواد اللغة العربية والشرعية مواد اللغات الأجنبية والعلوم العصرية، وعملت على تعميمها على جميع المدارس العتيقة بالمملكة من أجل تطبيقها بحسب الإمكان.
ويبلغ عدد المعاهد الدينية والمدارس العتيقة بالمملكة 423 مدرسة يدرس بها 18468 طالبا منهم 6540 طالبا ممنوحا ويؤطرها 932 أستاذا يستفيد 460 منهم من مكافأة شهرية من الوزارة.
وأما شروط ولوج المدارس العتيقة، فإنه بالنسبة للمدارس العتيقة التي تتوفر على طور أولي فإنها تشترط ألا يتجاوز الطفل سنا معينة تتراوح ما بين 7 و10 سنوات. وأما بالنسبة للأطوار الأخرى فإنها تشترط حفظ القرآن الكريم وألا يتجاوز سن الطالب 18 سنة، هناك بعض المدارس التي لا تشترط أي سن لولوج المدرسة، وهذا ما سيتم تنظيمه في إطار النصوص التنظيمية لقانون للتعليم العتيق التي تعتزم الوزارة استصدارها قريبا بحول الله".(30)
بيد أن المدارس العتيقة بالمغرب منذ الاستقلال إلى يومنا هذا لم تأخذ مكانتها الاجتماعية الحقيقية وأهميتها في أجندة الحكومة المغربية بسبب اهتمام الدولة بالتعليم العصري على حساب التعليم التقليدي والأصيل، ونظرا لانسداد آفاق الشغل أمام طلبة المدارس العتيقة.
cdabcd
1-عبد الله كنون: النبوغ المغربي في الأدب العربي، ص: 75؛
2-انظر ابن أبي زرع: الأنيس المطرب بروض القرطاس من أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، نشر عبد الوهاب بن منصور، دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط، سنة 1973 م؛
3-رشيدة برادة: (التعليم العتيق والبنية التقليدية في المغرب)، مجلة علوم التربية، الرباط، العدد 33، مارس 2007م، ص: 135؛
4-عبد الله كنون: النبوغ المغربي في الأدب العربي، الأجزاء 1-3، بدون تاريخ أو مكان للطبعة، ص: 42؛
5-عبد الله كنون: النبوغ المغربي في الأدب العربي، الأجزاء 1-3، بدون تاريخ أو مكان للطبعة، ص: 41؛
6-علي بن أبي زرع: الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، دار المنصور، الرباط، 1973م، ص: 54؛
7-مدينة البصرة بيت في عهد الأدارسة قرب مدينة القصر الكبير.
8-عبد الله كنون: النبوغ المغربي في الأدب العربي، ص: 47؛
9-عبد الله كنون: النبوغ المغربي في الأدب العربي، ص: 48-49؛
10-عبد الله كنون: النبوغ المغربي في الأدب العربي، ص: 75؛
11-الحسن السايح: الحضارة المغربية، الجزء الثاني، منشورات عكاظ، الرباط، الطبعة الأولى 2000م،
12-محمد المختار السوسي: سوس العالمة، ص: 154-167؛
13-محمد المختار السوسي: مدارس سوس العتيقة، ص: 93-134؛
14-الحسن السائح: الحضارة المغربية، الجزء الثاني، ص: 64؛
15-عبد الله كون: النبوغ المغربي في الأدب العربي، ص: 138؛
16-عبد الله كنون: المرجع السابق، ص: 128؛
17-عبد الله كنون: نفس المرجع، ص: 198؛
18-عبد الله كنون: نفس المرجع، ص: 190؛
19-عبد الله كنون: نفس المرجع، ص: 191؛
20-الدكتور عبد السلام شقور: الشعر المغربي في العصر المريني: قضاياه وظواهره، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1996م، ص: 48؛
21-أحمد بابا السوداني: نيل الابتهاج، تحقيق عبد الحميد عبد الله الهرامة، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، ليبيا، ص: 246؛
22-الحسين أسكان: نفس المرجع، ص: 60؛
23-عبد الله كنون: نفس المرجع السابق، ص: 239-240؛
24-عبد الله كنون: نفس المرجع، ص: 274؛
25-عبد الله كنون: نفس المرجع، ص: 275؛
26-عبد الله كنون: نفس المرجع، ص: 276-277؛
27-عبد الله كنون: نفس المرجع السابق، ص: 282؛
28-www.islam-maroc.ma/ar/detail.aspx?id=2469&z=1&p=11
29-www.islam-maroc.ma/ar/detail.aspx?id=2469&z=1&p=11
30-www.islam-maroc.ma/ar/detail.aspx/ID=554&p=11.a