التهنئة بالفوز مفيدة، من باب المجاملة، والتعزية بالفقدان واجب من باب الإنسانية، وكلا الأمرين في العادي من الأوقات، هو مسألة من باب الخلق، وفي القواعد من السلوك، هو من باب المندوب، وهو بالقطع كان سيكون في مثل تلكم الأوقات منا لكم دون تردّد، ولا انتظار.
أما اليوم، وفي مثل هذه الأوقات، فالمسألة تغدو شيئا مختلفاً جداً، فهي يا فخامة الرئيس، ستكون محمولة على حروف الاستقبال، وبلاغة الاشتراط، وليس على حروف الاستهلال، ونفعية الاستهلاك، وأعلم أن من حولكم ألفاً من الخبراء، آمل أن يكون فيهم واحد على الأقل، يتقن العربية، وأعني العربية العربية، التي على وقعها سيفيدكم حتما بما سيبدو لغيره من الناس، وبعضهم من أبناء العربية مولداً ومنشأً هذه الأيام، سيبدو هذا الحديث من المستغلقات.
وإذ بادرتكم بالعربية، وعذراً على ما لا بد منه في هذا الموضع من إيضاح، فإني أعني أيضا العربية التي انفتحت عليها تركيبة اسمكم الكريم، سواء بما تم تحريفه منها، ليغدو زحافاً على وقعها الجميل، أو بما لم يدخله الزحاف، ولم تستطع العلة أن تبلغ منه مبلغاً، فبقيت حروف أوسط اسمكم عنيدة، ولا تلفظ إلا بذكرها كاملة، وليتكم تقفون على معانيها، سواء أتلكم المباشرة، من فقه اللغة والدلالة، أم هاتيكم الخالدة، من فقه البطولة والجلالة، نعم حسين وأيُّ حسين هو.
يا فخامة الرئيس:-
يمنع في المبادرة إلى ما أسلفنا، دون حساب ولا اشتراط، بحور من الدماء التي سفكتها وأراقتها، حكومات إدارات سبقتكم إلى ذات المكتب الذي أنتم على موعد مع دخوله، وقد آذنكم أصحاب الشأن في هذا عبر البطاقات التي حملت توقيعهم لكم بهذا في صناديق الاقتراع، ليكون هذا الفوز الباهر، وآخر هذه الإدارات غير المأسوف لا على ذهابها، ولا على انقطاع ذكرها، هي تلكم التي أنتم تستلمون منها اليوم العنوان، ومفتاح الولوج إلى المكان، فهي يا فخامة الرئيس أشاعت الرعب، وألقت عصيها من نفث وعقد، فدمّرت وأهلكت في الحرث والنسل، وجعلت من مجرّد ذكر اسم بلدكم، مدعاة لمداهمة الكوابيس النهارية، ناهيك عن الليلية منها، هذا عند معظم سكان العالم، ومدعاة لمشاعر الاشمئزاز والنكوص، عند الشعوب والأمم، وهو أمر تعلمون أنه في نهايات الحكايا والقصص الإشارة، وفي سوء العواقب، وبؤس الخواتيم العبارة، فلعلك تعذرنا في بطء الانشراح، وتلكؤ الهشاشة والبشاشة.
دونكم في العراق بصماتها واضحة، وآثار القتل والسحل، وجرائم غياب العدل والعقل، بادية غير خفية، أرسلوا بأبنائكم إلى موضع ولدت فيه واحدة من أولى الحضارات، وإلى بلد ارتقى فارتفعت فيه العقول والهامات، ساهم من أول الأبجدية، إلى آخر أسباب دعم العجلة الصناعية، وتحقيق المدنية والرفاهية، فما كان ذنبه، إلا أنه كان فيه اسم حسين كثير، شنقوا آخرهم بيوم عيد الله، واستغلوا أولهم على غير هداه، ليبثوا في الأرض فساداً، وليخلقوا فيها دماراً وهلاكا عريضا، وبحجج أولها الكذب الصريح، وآخرها الكذب الصريح، فكيف ننهض من فورنا مهنئين، اللهم إلا أن تبرَّ بعهد في الأولين، فتخرج من بطنها وظهرها، المفسدين والأذناب، والضحايا المعتدين.
وللعراق أخوات وشقيقات، بدأت الحكاية في أفغانستان، ولم تكن لتنتهي في إيران، فالأمر في جله الطمع، وفي باقيه الغرور ومجاراة صنّاع الحقد، وأرباب المكائد والخدع، فانظر ما أنت صانع.
يا فخامة الرئيس:-
إن كنت من أتباع الكنيسة والمسيح، فأنت أقرب إلى أن تعلم من أمره ما لا يمكن أن ينكر، ولا من المستطاع أن يستر، فهو فلسطيني أولاً وأخيراً، تماماً كمحدثك هنا، هو من أرض حمل فيها الصليب وسار بدرب آلامها في شوارع القدس الحبيسة، صنعوا له الصليب من أشجار زيتونها التي نشأوا على كراهته، حتى أنهم اليوم وأنت تستيقظ من نومك وتستعد لتناول إفطارك، يحرصون على منع أصحابه من قطف ثماره، وتارة هم لشجره حارقون، وطوراً هم لجذوره مستهدفون، فهي حرب على هذا الزيتون، ودونك من مواطنيك نفر صادق، ومن ولاية كاليفورنيا، جاءوا بغنائهم ورقصهم وألوان لوحاتهم التي تنقشها فراشيهم العفية، يحاولون في المحاولين أو يؤمنوا لعائلات فلسطينية كثيرة، جني محاصيلهم من شجر الزيتون، لكي يجدوا ما يتناولون فطورهم في صباحاتهم به، فنحن يا فخامة الرئيس، ربتنا أمهاتنا على إفطار صباحي لا يخلو من الزيت، وهن لا يخفين أنهن أيضا يستخدمنه في الغذاء، ولا بأس فهن يحببن استخدامه في العشاء، لا عليك، هن تعلمنه عن الجدات يا فخامة الرئيس، فلا تثريب عليهن.
نحن قوم نحرص على شجرة الزيتون المباركة، على شجر صليب المسيح الفلسطيني أخينا الفادي، ولكننا أيضا يا فخامة الرئيس، مثله تماماً، لم نحمل في أول قدوم من جاءنا شريداً، يقول أنه طنيب، إلا فانوساً وخبزاً وملحاً، ما حملنا سيفا، ولا كنا في الظانين بهم غدراً ولا خداعاً، فآوينا وآخينا، لكنهم من باب برآءة الكريم، طعنوا وأوغلوا في جزاء أعتى من كل مثل، وبدل أن يكون لنا من الناس حق نصرة المظلوم، وحق إكرام أصحاب الفضل وأولي الأيدي، تنكّر لنا من في ذلك الزمان أغلبه، ومنهم جزء ممن سبقكم في الإدارات، فلما لم نجد إلا أن ندافع عن حقوقنا، وعن دمائنا، وعن كرامتنا، أمدوا الدخيل بكل حبل، وسلحوه بكل سبب، حتى إذا أدركوا أنهم غير بالغين فيه المحو، وغير حاصدين فيه الإلغاء، آذنوننا بترديد ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا، وما نشأنا عليه في وطننا جيلا بعد جيل، ألا وهي أنشودة السلام، وهل كانت فلسطين إلا مرادف السلام وتجسيده الدلالي، وهل كانت قدسها إلا حرمه وقدسه، وهل كان أبناؤها وأولهم ذكرا، الناصري بن مريم العذراء، أول الصفح وأول السلام! فماذا جنينا منه حتى الساعة غير قلوب ملتاعة، وأمهات ينزفن أرحامهن كل ساعة، مثلما لا تجفُّ لهن مآق مطواعة!
يا فخامة الرئيس:-
لسنا بالذين يهرعون لستمعوا إلى انتصار بلدكم على محظوراتها، ولا على كسر سابق عوائقها، ولا إلى المبشرين في تصالحها مع تاريخها، ولا إلى الصائحين بانتصار التغيير، وأنتم رفعتموه الشعار، ولا نحن بالناظرين إلى العروق، ولا إلى ألوان الأجساد، ولا بالمراهنين على الأسماء، ولا بالمضاربين في بورصة الحظ، وإنما وقد علّمنا الدهر، وأرّقنا القهر، لم نعد نؤمن إلا بما نجد بين أيدينا عيانا بيانا، واعذرنا لأن معاجم التاريخ توقفت عند قضيتنا، فأفردت لها كتابا خاصاً بها، فأصبح شعبنا وكأنه على باب امتحان في حفظ المبادرات والخطط، والزعامات والدول كأنها توالد الأرانب والقطط، حتى أتخمنا الزمان، وأتخمنا الناس في جراب الحظ والأوثان، ونحن أصبحنا أقرب إلى نعمة النسيان، والعودة إلى ما قاله حمورابي في السن والعين، فإن أدركت من هذا الأمر قبل أوانه، فنحن لك في المشجعين، وفي أول المهنئين، لا نريد إلا حقاً مسلوب، ولا نطلب إلا وطناً منهوب، ولا نرجو إلا سلاماً كنا له العنوان، وزيّف في آخر عهده المزيفون، حتى أصبح قريب استسلام وعبودية، ولعمري إنكم لا تقبلون بهذا الأمر تحديداً، فكيف بكم أن لا تكونوا في أول الراغبين القادرين على تصحيح ما أفسد البهلوان؟
نعلم أنكم على أبواب ملفات العالم، يقلكم فيها الكثير، من مختلف الصور والأشكال والأحجام، ومن مختلِف المصادر والمباعث، يهمكم أزمات المال، ويهمكم أزمات العيال، وشؤون الدول والأحلاف والأكلاف، لكنا نقول ما قلناه كل يوم وكل ساعة، جذر الأزمات في هذا العالم، فلسطين، وأصل الجريمة فيها، وسبب العقوبات عائد إلى غيبة العدل عن قضيتها، ومهما طال الزمان، فإن هذه سنة الله في خلقه وفي أرضه، فما نحن به مؤمنون من الذكر الحكيم، أذاع إلى أبد الآبدين" ومن أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى"، ولأول الإعراض وأول النأي وثني العطف، كائن في التنكّر لأمره تعالى في عدالة السماء، فالله هو السلام، وهو تمجّد في الأعالي، وهو الذي أمر بالسلام على هذه الأرض، وأول الأرض وآخرها القدس المقدّس، فكيف تسلب السلام، وكيف يكيدون بتلفّظ اسمه سخرية وزعماً في غير ما هو عدله، وادعاءً في غير ما هو حقه، ولا يكون لله سيفه وانتقامه.!
يا فخامة الرئيس:-
إن أول التغيير، هو التغيير في حملنا صليبنا هذا، وإن جوهر التغيير، هو في التكفير عن ذنب تحميلنا إياه، لأي سبب كان في الأسباب، وإن أول الشروق، خيط فلسطين، فإن استللته كان الذي هو مصدّق لما بين يديه من وعد، وإلا فهو مرة أخرى، تغيير في طريقة تمديد حملنا صليبنا، وحمل العالم وشعوبه ممن لم تنتصر لحق ولا لعدل، ذنوب حملنا وذنوب قهرنا وظلمنا.
ألا يكفي من دمائنا، ومن آلامنا على صليبنا الممدود ؟
هل آن لنا أن نضع الصليب؟ وأن يرتاح الزيتون!
هل لنا من رجاء أخير، أن نوعد فيوفى لنا، وتذكر الأمهات بعد ذلكم اليوم اسما واحداً، تنسى فيه بقية أسماء وأرقام وتواريخ المعاناة والوجع الطويل ؟
ننتظركم يا فخامة الرئيس، وسنكون أول المهنئين، عندها تصبح التهنئة والتعزية واجبا وفرض عين.