Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
التجديد العربي - http://www.arabrenewal.org
حوار آخر.. فشل آخر
http://www.arabrenewal.org/articles/19334/1/IaeCN-AIN-YOa-AIN/OYIE1.html
عبد الحليم قنديل
 
 عبد الحليم قنديل
نشر في 10/6/2008
 

لا تحتاج إلى كثير من المخاطرة إن توقعت - للأسف- فشل الحوار الفلسطيني المقرر تتويجه في القاهرة أوائل تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
دعك من التصريحات التي تبدو داعية لتفاؤل، والتي تصدر عن قيادات في فتح أو في حماس، ومن عينة تصريحات إسماعيل هنية - رئيس وزراء غزة- في صلاة العيد، أو تصريحات


حوار آخر.. فشل آخر

لا تحتاج إلى كثير من المخاطرة إن توقعت - للأسف- فشل الحوار الفلسطيني المقرر تتويجه في القاهرة أوائل تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

دعك من التصريحات التي تبدو داعية لتفاؤل، والتي تصدر عن قيادات في فتح أو في حماس، ومن عينة تصريحات إسماعيل هنية - رئيس وزراء غزة- في صلاة العيد، أو تصريحات المقربين من محمود عباس رئيس سلطة الضفة الغربية، وكلها تعبر عن نوايا حسنة في الاتجاه للحوار، وعن رغبة في التوصل لاتفاق ومصالحة، وإن بدت تصريحات قادة حماس - على أي حال- أكثر تحفظا، ومنددة بارتباطات سلطة عباس مع الأمريكيين والإسرائيليين، وربما بخطط شريرة للإطاحة العسكرية بحماس في كانون الثاني (يناير) المقبل مع موعد نهاية رئاسة عباس.

صحيح أن قيادات في فتح، ومن نوع أحمد عبد الرحمن أحد مستشاري الرئيس عباس، مالت إلى استبعاد مخاطر صدام قوة جديد، ووصفت الكلام عن خطط الإطاحة بحماس بأنه من اختراع المخابرات الإسرائيلية، وكان عبد الرحمن - في حوار مع "القدس العربي"- يشير ضمنا إلى تقرير خطير نشرته صحيفة إسرائيلية، وفحواه - دون الدخول في التفاصيل- أن خططا يجري إعدادها لإطاحة حماس بمشاركة إسرائيلية عربية، وأن جهاز الأمن الوقائي في الضفة يجري تطويره وتسليحه كجيش محترف، وأن الصلة وثيقة جدا مع القيادة العسكرية الإسرائيلية، وأن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وفرت معلومات قيمة لتسهيل اقتلاع نفوذ حماس في الضفة، وساعدت في تزويد سلطة عباس بمعلومات عن أسماء الجمعيات التابعة لحماس، وعن أرقام الحسابات البنكية السرية، وأن سلطة عباس نفذت المطلوب بما يكفي وزيادة، وأنها نزعت أسنان حماس في الضفة كتوطئة لنزع حكومتها في غزة بمعركة كبرى حاسمة.

وبصرف النظر عن مدى دقة التقرير الإسرائيلي، أو عن الهدف الضمني من وراء نشره، فإن فرص نجاح الحوار تبدو محدودة، وحتى لو جرى الإعلان عن التوصل لاتفاق، فسوف يتعثر الاتفاق في التنفيذ، وكما جرى مع اتفاق مكة ووثيقة الأسرى ووثائق أخرى سابقة منسوبة كلها للقاهرة، وربما يكون السبب في توقع الفشل ظاهرا، فالثقة تكاد تكون معدومة بين عباس وحماس، فوق أن المأزق الفلسطيني الراهن أكبر وأعمق من أن تجدي معه وصفات تعدها رئاسة المخابرات المصرية، بدت الوصفة ظاهرة في المشاورات التي جرت تباعا مع "فتح" والعديد من الفصائل الوسطى والصغرى، ويجري استكمالها مع "حماس"، وتتلخص الوصفة - على ما يبدو- في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة بحلول 9 كانون الأول (يناير) المقبل، وهو ما يبدو خلاصا شكلانيا من المأزق، فالمعروف أنه بحلول هذا التاريخ تنتهي مدة رئاسة عباس، لكن مدة المجلس التشريعي ليست منتهية، والوصفة تقترح تشكيل حكومة انتقالية إلى التاريخ المرصود، وبطريقة لا تبدو متفقا عليها بالكامل إلى الآن، فالخيارات مفتوحة، وتتراوح بين تشكيل حكومة من فتح وحماس أساسا، أو تشكيل حكومة تكنوقراط بلا هوى سياسي تعد للانتخابات، لكن المشكلة الكبرى تظل في حكاية الانتخابات نفسها، فحماس لا تبدو مستعدة لانتخابات برلمانية مبكرة، وتخشى أن تفقد أغلبيتها الساحقة في المجلس التشريعى، وهو ما قد يريده عباس، فهو يأمل أن تأتي الانتخابات بأغلبية معقولة لفتح، وبفوزه بالرئاسة مجددا، أي أن تكتمل "الشرعية" الشكلانية الإجرائية لعباس، فيما تفقد حماس "شرعيتها" المدعومة بزمن إضافي مستحق إجرائيا.

وهذه العقبة وحدها كفيلة بإفشال الوصفة المقترحة، لكنها - على أي حال- ليست العقبة الوحيدة، فحماس - رغم تحفظ التصريحات العلنية- لا تشعر أن الوسيط المصري على مسافة متساوية بين الطرفين المتنازعين، ولديها إحساس ريبة من خطط روجت لها الإدارة المصرية من نوع نشر قوات عربية - مصرية أساسا- في غزة، ولديها خشية من استخدام الحوار السياسي كغطاء لتدبير عسكري قد يكون الإسرائيليون طرفا فيه، ولا يبدو تخوف حماس من فقدان السلطة هو الهاجس الوحيد، فحماس تتخوف أكثر مما يجري تدبيره عسكريا، ولديها - بطبائع الأحوال- معلومات ضافية مفصلة، وهي تعرف - يقينا- أن الفيتو الأمريكي قائم على مبدأ المصالحة بين فتح وحماس، وأن الهدف الذي يجمع سلطة عباس والإسرائيليين والأمريكيين قائم، وهو تصفية خطر حماس في غزة بالذات، وفي حوار نشرته "معاريف" مؤخرا مع الجنرال الإسرائيلي يوآنت جلانت - قائد الجبهة الجنوبية- ما يلفت النظر بشدة، الجنرال مرشح لمنصب نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلى، وطموحه ظاهر لخلافة جابي آشكنازي في رئاسة الأركان، وفي الحوار مع الجنرال المواجه لحماس على خط النار المحتملة، قالها الجنرال بوضوح: أن حماس تستفيد من التهدئة الحالية، وأن حركة حماس تحولت من تنظيم "إرهابى" إلى جيش حرب عصابات محترف، وأنها تحصل على كميات هائلة من السلاح المتطور، وانها طورت راجماتها وقدراتها التقنية، وأنها صارت جيشا حقيقيا بتسلسل مركب وتخصصات مهنية، ورغم أن "جلانت" بدا متحفظا في الحوار، إلا أنه اعتبر خيار اقتحام غزة مما لا يمكن تجنبه، وإن وضع الأمر - بالطبع- في عهدة المستوى السياسي، وتقديره أن تكلفة اقتحام غزة أكبر مما كانت عليه قبل عام، لكنها أرخص من تكلفة واردة بعد عام آخر، وتقديره أن جيش حماس قد يصل تعداده المحترف الآن إلى 20 ألف مقاتل، وأن الحرب ستكون مريرة ومكلفة، وهكذا تبدو الصورة بلا رتوش، فموقف حماس يزيد قوة على الأرض، وإسرائيل اضطرت للتفاوض معها عبر الوسيط المصري، وعندما سئل الجنرال الإسرائيلي عن رأيه في إمكانية نجاح خطط سلطة عباس لإطاحة حماس عسكريا، بدا الجنرال ميالا إلى التهكم، وقال: أن أفضل جيش يملكه عباس هو الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية (!)، ومغزى كلام الجنرال الإسرائيلي أن مخاوف حماس لها أساس جدي، وليست فقط مجرد هواجس وأمارات قلق زائد. ويصعب على حماس - في كل الأحوال- أن تتنازل عن مركز قوتها الظاهر في غزة، فسلطة السياسة في غزة هي غطاء ضروري لتنمية القوة العسكرية، بينما تبدو سلطة عباس - رغم الدعم الأمريكي والإسرائيلي- غاية في التفكك والضعف، فقد كاد ينتهي العام الموعود دون اتفاق لإقامة الدولة الفلسطينية وعد به بوش، بل أن بوش - في لقائه الأخير بعباس- اعتذر عن عدم إمكانية تحقيق وعده، وهو ما يضيف لقوة حماس سياسيا مع قوتها العسكرية، فهي التي نجحت - وليس عباس- في تفاوض مع الإسرائيليين، وحصلت على اتفاق تهدئة يخفف قليلا من حصار غزة، وهدفها من مواصلة الحوار يبدو ظاهرا، فهي لا تريد قطيعة لا تفيد مع الإدارة المصرية، وتريد من صلاتها بالقاهرة مزيدا من الضغط بالإحراج لفتح معبر رفح، وبصورة دائمة، ولذلك تجد تصريحات إسماعيل هنية والزهار - وغيرهما من قادة حماس- تعطي الأولوية القصوى لفك حصار غزة، وتعد ذلك شرطا ضروريا قبل كل تفاهم آخر، ولدى حماس - بالطبع- أوراق تفاوض أخرى أهمها استمرار احتجازها للجندي الإسرائيلي جلعاد شليط، أي أن لديها عناصر ضغط تفيدها في كسب وقت قد لا يطول قبل أن يحدث الانفجار في كانون الثاني (يناير) المقبل أو بالقرب منه، والانفجار المحتمل وارد الحدوث بين حماس وإسرائيل، وليس بين حماس وعباس ضعيف الحيلة، وإذا حدث الانفجار وجرت وقائع حرب، فربما يضيف ذلك إلى رصيد حماس، ويستعيد صورتها كحركة مقاومة مسلحة، خاصة أن الوضع السياسي الإسرائيلي يبدو غاية في الاضطراب، وقد ينتهي الاضطراب إلى انتخابات مبكرة تزيد الوضع الإسرائيلي حرجا، وتوقف عملية اقتحام غزة - حين تجري- في منتصف الطريق دون إنجاز إسرائيلي ظاهر.

وبالجملة، يبدو الحوار الفلسطيني - مع كل هذه الظروف- مجرد طقس سياسي متكرر، وربما تدرك القاهرة - بالغريزة- هذه الحقيقة، وهو ما يفسر البطء الظاهر في خطوات الإعداد للحوار، ليس على سبيل التأني في طلب النجاح، بل بدواعي الحذر من فشل يرخي سدوله.