بعد ساعات أو أيام ستبدأ أعمال جولة الحوار الفلسطينية الفلسطينية برعاية مصرية، وقبل تحميل الجولة أثقالا زائدة عن الحد، يجدر بنا ملاحظة النقاط التالية:
إن الحوار هو فعلا السبيل الوحيد لإعادة اللحمة الفلسطينية الداخلية، وذلك عندما يكون خالصا في نوايا الأطراف المشاركة، وبعيدا عن المناورات ومحاولات الابتزاز التي تعودنا عليها في الجولات السابقة،
إن الحوار يجب أن يدور ويجري بروح فلسطينية خالصة بعيدا عن الإملاءات والشروط الأمريكية والغربية والصهيونية وعن فرض واقع الاحتلال بالقوة والرضاء به..
إن الحوار أيضا طريق قويم يجب الاعتماد عليه في تحقيق حالة الأمن والأمان الداخلي الفلسطيني،
إن الحوار أيضا يجيء هذه المرة على شكل سباق ماراثوني، استباقا لاستحقاقات التاسع من يناير القادم 2009، وهو موعد نهاية فترة الرئيس أبو مازن الشرعية والقانونية.
إن الحوار أيضا يمثل أملا كبيرا في صدور الفلسطينيين جميعا، بأن يتم من خلاله تلافي احتمالات الصدام الذي يتم الاستعداد له أمريكيا وإسرائيليا، والتي تنبئ الشواهد على التخطيط لوقوعه قريبا..
إن الحوار يجب أن يقرن برفع الحصار عن قطاع غزة، وبالتوقف عن ملاحقة عناصر حماس في الضفة الغربية، وبالتوقف نهائيا عن ملاحقة المقاومين وعن تجريم المقاومة ضد العدو الصهيوني.
إن الأطراف الفلسطينية المشاركة في الحوار تتميز بالتباين الكبير في المواقف التي تحملها والتي تشدد على التمسك بها..
ففتح والسلطة يشددون على قبول حماس لاملاءات الرباعية وبنبذ المقاومة بل وأبعد من ذلك بالقضاء قضاء تاما على الروح الوطنية الفلسطينية لصالح إعلاء بنيان الاحتلال الصهيوني لفلسطين، بما يتميز به من روح التعصب الديني العدواني الجائر ضد العرب والمسلمين خصوصا، وهنا فإننا نلاحظ أن فتح وسلطة الرئاسة تتمادى في تمسكها بالمفاوضات العبثية والمهينة، والتي خسرت القضية الفلسطينية كثيرا بسببها ومازالت تخسر، وبدون إجراء مراجعة جادة لتطوير العمل وتغييره في مواجهة الهجمة الصهيونية الغربية المسعورة التي تهيمن على القرار الرئاسي الفلسطيني في مقاطعة رام الله في محاولة لتعديل ميزان القوة..
وحماس بالعكس تماما تقود نضالا وجهادا ومقاومة شرعية وقانونية، وتقوم بوضوح بحماية هذا الخيار الذي اثبت حتى الآن صموده وجدواه في مواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية والصهيونية على فلسطين وعلى المنطقة العربية والإسلامية بأسرها..
وبين حماس وفتح والرئاسة نستطيع أن نشاهد جمهرة لعدد من التنظيمات الموالية لفتح ولعباس العلماني وتفضيله رغم ما يأخذونه عليهما من تنازل وتفريط بالحقوق الوطنية الفلسطينية وثوابتها، على الخيار الإسلامي الذي تمثله حماس رغم الدور الذي فشلوا هم في القيام به لحماية المبادئ والحقوق والثوابت بشكل معنوي ومادي من خلال ممارسة الجهاد والمقاومة فعلا فوق الأرض
أما بالنسبة للجهاد الإسلامي فواضح أن التقارب العقدي بينها وبين حماس لم يدفعها حتى الآن لترمي بثقلها كله من خلفها، بل نلاحظ لعبها الممجوج مع فتح وعباس من خلال المواقف الضعيفة أو الغائبة ضد ما تقترفه أجهزتهما في الضفة الغربية ضد المقاومة وضد عناصر الجهاد هناك، في الوقت الذي نلمس حراكا دائما بنفس قوي وحساس مضاد للحكومة في غزة..
إن طاولة الحوار في القاهرة لن تحتمل المزيد من المناورات، فالمواقف واضحة أمام الجميع ولا يمكن لأحد المزايدة على احد بتصريحات جوفاء نكرة تهدد جولة الحوار قبل أن يبدأ،
وهنا فإننا نحمل تخوفا شرعيا بان الأطراف الأخرى المحاورة غير حركة المقاومة الإسلامية حماس قد تم التأثير عليها مصريا لتشكل مع موقف فتح وعباس ما يشبه اللوبي بهدف حصار حماس، وتحميلها فشل الحوار والذي يبدوا أنهم يخططون له، وأن جولة الحوار نفسها عبارة عن فخ محكم لحصار حماس وإسقاطها،..
إن التفكير بهذه الطريقة للأسف لن يجلب إلا مزيدا من التوتر والفرقة الداخلية الفلسطينية، لكن تجاهل فتح والمصريين لحقيقة أن حماس اليوم هي سيدة الموقف وقائده الذي يعمل بنشاط وبحيوية، وبأمانة على الحفاظ على الحقوق الفلسطينية وعدم التفريط بها لا بالتصريحات ولا بالاتفاقات.. وتجاهل هؤلاء لحقيقة أن قطاع غزة أصبح الآن ارضا فلسطينية خالصة لا تنتمي لأهواء خارجية ولا تخضع للمزايدات ولا للشروط الاستعمارية لرفع الحصار لن يساعد على نجاح الحوار بقدر ما هو حكم مسبق بفشله الأكيد..
فغزة اليوم تؤكد وتتمسك بحماس حكومة ومقاومة، وهي أبدا لن تبدل هذا الموقف لصالح عباس وفتح والتنازل للصهاينة، الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبدل غزة هو أن يتحول الجميع إلى جهاد ومقاومة، والانخراط الكامل في مشروعها الوحيد بمقاومة الاحتلال بعد نبذ الخيار الاستراتيجي للسلام المهين الذي ثبت فشله بالمطلق كوسيلة وكأداة لتحرير فلسطين؟ والذي يثبت قدرته وإخلاصه من خلال تضحياته وليس بكمية ما يجمع من أموال الشعب الفلسطيني.. حينئد الشعب الفلسطيني يحكم ويقرر بعد أن يكون قد ميز المجاهد عن العابث.
إن نجاح الحوار يعتمد في القاهرة على دور القاهرة نفسها تجاه المتحاورين.. فالقاهرة لم تقف حتى الآن الموقف الحيادي بين أطراف الانقسام الفلسطيني بل اتخذت جانب تأييد الرئيس عباس وفتح مما يضعف من مصداقية القاهرة ومن نقاء إرادتها لإحلال الوفاق الفلسطيني بالعدل بناء على الشرعية والقانون الفلسطيني الذي يحكم الجميع،
على القاهرة اتخاذ عدد من الإجراءات التي تعطيها المصداقية الغائبة مثل.. رفع الحصار عن غزة، الوقوف في منتصف الطريق بين رام الله وغزة، والحديث عن حماس كشرعية شعبية انتخابية وجهادية، والتوقف عن سعيها لإنقاذ عباس وإصرارها على التجديد له..وعليها أن تعلم أن عباس لا يمثل إجماعا اليوم على الإطلاق وهو لن يملك جزءا من أي إجماع بعد يناير القادم لقد انتهى عباس.. ومرحلة أخرى ستحل مكان أخرى.. وعلى القاهرة توطين نفسها على قبول ما يريده الفلسطينيون وليس ما يريده الصهاينة والأمريكان..
إن محاولة الحصار قد فشلت، فلا داعي لتجريب أشكال أخرى لمناهضة حماس.. ولا يجب أن يجيء الحوار كحلقة من حلقات محاربة المقاومة بقيادة حماس، بل يجب أن ينتج عنه رؤية واضحة وطنية فلسطينية حول مقاومة الاحتلال والتمسك الثوابت والحقوق وصيانة العهود..
والأيام القادمة ستنبئنا بما نحس به مقدما.. لكن الأمل بالله دائما أن تنصاع قوى الانهزام والتبعية لأمريكا ولإسرائيل، لصوت الضمير الفلسطيني الوطني الحقيقي والوحيد الذي يجب أن يعلو ويعلو.