ثمة حديث تتردد أصداؤه عما بات يُعرف بأدب السيرة الذاتية، الذي يبدو أن شيئاً من الاعتبار يُرد إليه، على الصعيد العربي بعد طول تجاهل، بل نكران.
ولعل لذلك علاقة بظهور عدد من الكتب التي كانت السيرة الذاتية موضوعاً لها، مع ملاحظة أن هذا النوع من السيرة ما زال مشوباً بالكثير من الحذر والحيطة، لأن ثمة مناطق يعدها كتاب السيرة مناطق يحظر الاقتراب منها.
وما أكثر النقاد والكتاب الذين أشاروا إلى أن الأدب العربي يخسر كثيرا من ثرائه وعمق وسعة تفاصيله بسبب إحجام الكتاب عن الكتابة الشفافة عن جوانب حياتهم غير المعروفة من القراء، خاصة تلك التي تتطلب جرأة في البوح بالتفاصيل التي لفتْ فترات من حياتهم، ما كان سيُقدم مداخل لولوج عوالمهم الإبداعية.
حتى الآن مازالت الرواية هي الشكل الأثير للاعتراف. إن الكاتب غالباً ما يلجأ للرواية وسيلة للبوح ولتسليط الضوء على جوانب من حياته، من دون أن يضطر إلى تسمية الأشياء بأسمائها، متكئاً على أن الأدب هو في الأصل مُخيلة، فذلك يعفيه من احراجات كثيرة.
أحد النقاد قال مرة إن من بين علائم نضوج الرواية العربية في السنوات الأخيرة، إن الكتاب كفوا عن رواية سيرهم الذاتية في أعمالهم، وانصرفوا إلى طرق موضوعات تتطلب مخيلة واسعة ودراسة وتقص في التاريخ والحاضر، بالصورة التي تعكس مقدار التحولات في العالم العربي.
ولعل مع هذا الناقد بعض الحق، ولكن على الصعيد الآخر هناك من يرى ان انتعاش أدب السيرة الذاتية هو في أحد جوانبه تعبير عن رد الاعتبار إلى الإنسان من حيث هو ذات، ومثل هذا الميل يتطلب مناخاً من الحرية تجعل الأديب قادراً على رواية تفاصيل حياته، أو تفاصيل منها، تتصل خاصة بالجوانب الأشد حميمية وخصوصية فيها دون أن يخشى ردود الفعل التي يمكن أن تنشأ جراء ذلك.
والأمر لا يتصل بحقل الأدب وحده، إنما بالسياسة أيضا، فغالبية السياسيين العرب، بمن فيهم أولئك الذين أصبحوا خارج السلطة، مازالوا عاجزين عن كتابة سيرهم الذاتية لأنهم محكومون باعتبارات وتعقيدات كثيرة، وان فعلوا ذلك فإن شهاداتهم التي تأتي منقوصة وقاصرة ومزوقة.
السيرة الذاتية هي إعلان حرية جريء وشجاع، ومثل هذا الإعلان يتطلب مناخ حرية حقيقيا لا وهميا.
drhmadan@hotmail.com