لئن كان الهدف من العدوان الذي نفذ ضد العسكريين اللبنانيين في شمال لبنان إبقاء البلد أسيراً للاضطراب الأمني والسياسي، كما يعتقد البعض، فإنه أسفر عن نتائج تتناقض مع هذه الغاية. النتيجة الأهم هنا هي أنه سوف يسرع عملية المصالحات الوطنية التي تحركت عجلتها بعد اتفاق الدوحة.
فالانطباع الأقوى بين اللبنانيين هو أن العملية هي من صنع نفس الجماعات الإرهابية التي نفذت المذبحة ضد العسكريين اللبنانيين وسببت بما دعي ب "حرب مخيم البارد" والقناعة المشتركة بين أكثر الأوساط السياسية أن الجماعات الدينية المتطرفة هي التي نفذت العمليتين، وأنها باتت تركز على المسرح اللبناني بعد أن تراجعت في العراق، وإن لبنان في الوقت الراهن يمثل خاصرة رخوة يمكن للجماعات الدينية المتطرفة أن تعوض فيه خسائرها في المناطق العربية والإسلامية الأخرى.
بصرف النظر عن مدى دقة هذه الانطباعات- والأرجح أنها الأقرب إلى الحقيقة - فإنها تحولت إلى عامل مهم في التعجيل بالمصالحات الوطنية. ذلك أن الوضع الأمني المتأزم في شمال لبنان وفي مدينة طرابلس بصورة خاصة لم يعد يهدد فريقاً واحداً من فرقاء السياسة اللبنانية الرئيسيين، بل بات يهدد الجميع سواء كانوا ينتمون إلى الأكثرية النيابية أم إلى الأقلية. وهكذا فعلى الرغم من الأجواء الساخطة والمستنكرة التي أثارها العدوان على الجيش اللبناني، فإن البعض يقارن هذا العدوان والنتائج التي أسفرت عنه بآلام الولادة أي ولادة مرحلة جديدة من حياة النظام السياسي اللبناني.
تتسم هذه المرحلة بوصول القوى الطائفية والمذهبية إلى ذروة تأثيرها وتحكمها في اللعبة السياسية اللبنانية. فلا ريب أن القوى الطائفية والمذهبية كانت تؤثر تأثيراً كبيراً في هذه اللعبة، إلا أنها لم تكن اللاعب الوحيد على المسرح السياسي.
فإلى جانب هذه القوى، كانت هناك قوى فعالة، خاصة بين قوى الوسط واليسار اللبنانيين، تمتد على مساحة واسعة من الانتشار الوطني العابر للطوائف. بالمقارنة نجد أن كل قوة من الاطراف الرئيسية اللبنانية تمثل جماعة دينية حتى ولو كانت تضم سياسيين من الطوائف الأخرى. فهؤلاء السياسيون ليسوا عادة من اصحاب القرار في التكتل الذين ينتمون إليه. بالمقارنة مع حالة التشرنق هذه كان وضع الموارنة اللبنانيين يشكل استثناء. فبين هؤلاء لبث التنافس السياسي قويًا والتعددية الحزبية مستمرة. هذا الوضع مرشح للتغيير في ضوء النجاح الأولي الذي سجلته مساعي المصالحات المارونية - المارونية، ومع العودة إلى القانون الانتخابي الذي طبق في لبنان عام 1960. إن هذا القانون سوف يمكن عدداً أكبر من الناخبين الموارنة من انتخاب نوابهم ومن ثم يخضع هؤلاء الأخيرون، شأن الطوائف الأخرى، إلى سلطة زمنية او دينية واحدة.
هذه المتغيرات ترجح، كما يعتقد البعض ولادة مجلس نواب لبناني جديد موزع بصورة دقيقة الى كتل ذات طابع طائفي ومذهبي بحت. وحيث ان الحكومات في لبنان هي عادة "برلمانات مصغرة"، فإنها سوف تشكل على صورة مجلس النواب ومثاله، بحيث تختار كل جماعة دينية ومذهبية وزراءها. وهكذا يصل النظام الطائفي في لبنان الى ذروة تبلوره. وإذ يتحدث زعماء الطوائف المرشحة للتحكم بالمجلسين اللبنانيين النيابي والوزاري عن اهمية "تنظيم اللعبة السياسية اللبنانية صراعاً او وفاقاً"، وإذ يفهم هذا الحديث على انه تأكيد على رغبة وإصرار هؤلاء الزعماء على التمسك بالطابع السلمي للصراع السياسي، فإن البعض، خاصة من متبني نموذج الديمقراطية التوافقية، يعتقد أن لبنان في المرحلة الجديدة سوف يكون أكثر استقراراً وتماسكاً مما كان في مراحل سابقة.
في المراحل السابقة، كثيراً ما جرى اختيار نواب الطائفة ووزرائها وزعمائها وممثليها في السلطة والإدارة لا يمثلون بدقة خيارات هذه الطائفة أو الجماعة الدينية. وفي المراحل السابقة، كثيراً ما أدى هذا الاختيار إلى إثارة نقمة هذه الطوائف وإلى شعورها بالغربة عن النظام وعن الكيان اللبنانيين وصولاً احيانا إلى الكيد لهما. بالمقارنة، يقول التوافقيون، إنه إذا اتيح للطوائف وللجماعات الدينية أن تختار ممثليها في السلطة، وإذا امكن لها أن تساهم بواسطتهم من المساهمة الحقيقية في تحديد أولويات الحكم وسياساته، فإنها سوف تتحول الى قوى تدافع عن النظام وعن الدولة وتسعى الى تحقيق الازدهار والاستقرار.
إن هذه النظرة مليئة بالثغرات وهي لا تستطيع الإجابة عن أسئلة كثيرة متعلقة بمصير لبنان وغير لبنان من المجتمعات التعددية. فلماذا الافتراض بأن زعماء الطوائف قادرون على تنظيم الحياة السياسية فيما بينهم؟ وهل هناك من سبب جديّ يحول دون شطط هؤلاء الزعماء وإسرافهم في المطالب إلى حد النيل من حقوق الطوائف أو الجماعات الدينية الأخرى. إن العامل الذي يعصم هؤلاء الزعماء والقيادات عن سلوك طريق التعصب سواء كان دفاعاً عن مصالح الجماعات التي يمثلونها أو دفاعاً عن مصالحهم الشخصية - وهذا الأرجح - هو الولاء الوطني. هذا العامل لا يحل محل الولاءات الأخرى، ولكنه يلطف منها ويروضها على نحو يسمح باستمرار وحدة الكيان السياسي والنظام الديمقراطي. وهذا الولاء يقوى ويترسخ مع وجود ورسوخ القوى الوطنية العابرة للطوائف، وهذا ما يحتاج إليه لبنان اليوم حاجة ماسة وما يفتقده كحاجز يحول دون انقسام لبنان وتشتته وانحسار نظامه الديمقراطي.