كاتب مصري
أذكر ونحن ندرس في الجامعة أننا كنا نجيب على أسئلة الامتحانات وفقاً لتوجه الأستاذ الأيديولوجي. فمن الأمور الشائعة في الجامعة أن نجد طالباً يذكر زميله بميول الأستاذ الأيديولوجية، فهذا ماركسي وهذا ليبرالي وهذا راديكالي وهذا محافظ إلى آخره من قائمة التوجهات الأيديولوجية المختلفة التي يحملها أساتذة
أذكر ونحن ندرس في الجامعة أننا كنا نجيب على أسئلة الامتحانات وفقاً لتوجه الأستاذ الأيديولوجي. فمن الأمور الشائعة في الجامعة أن نجد طالباً يذكر زميله بميول الأستاذ الأيديولوجية، فهذا ماركسي وهذا ليبرالي وهذا راديكالي وهذا محافظ إلى آخره من قائمة التوجهات الأيديولوجية المختلفة التي يحملها أساتذة الجامعة.
ومن اللافت للنظر أن بعض الأساتذة يقومون بتصحيح أوراق الإجابة وفقاً لمدى اتفاقها مع أهوائهم وتوجهاتهم الأيديولوجية، بغض النظر عن محتوى الإجابة وعما قدمه الطالب من عرض وتحليل.
ويصل الأمر بإجابات الطلبة إلى أن تتحول إلى فاصل من المدح والذم، فالطالب يقوم بمدح أيديولوجية الأستاذ مشيداً بمآثرها وقدرتها على تغيير الواقع والإعلاء من شأنه، مقابل قصيدة الذم التي يوجهها للاتجاه المناوئ والمخاطر الهائلة التي تصيبنا من تحت رأس هذا التوجه.
وتصل الأمور في بعض الأحيان بالطالب إلى تمجيد أستاذه باعتباره أحد المدافعين عن هذا الاتجاه والحامي لعراه والمتصدي لمن يهاجمه. وفي الكثير من الأحيان يحصل الطالب على درجة جيدة ترضيه، ويغلق ملف الأيديولوجيات وتلك الصراعات إلى الأبد ويحصل على شهادته الجامعية ليواجه صراعات لقمة العيش حيث لا أيديولوجيات ولا يحزنون، وحيث يطالعه الواقع بعوالم أخرى جديدة ومختلفة كلية عن صراعات هؤلاء الأساتذة وأيديولوجياتهم المتناحرة.
بالطبع لا يمكن التعميم هنا على مجمل أساتذة الجامعات في عالمنا العربي، فهناك أيضاً الجانب الآخر المخالف لهذه النوعية الدوجماطيقية من الأساتذة والتي تقبل بالحوار وتعدد الآراء والأيديولوجيات، هذا إذا قبلنا من البداية بأهمية وضرورة تسييس الجامعة، على الأقل في الكليات النظرية المرتبطة بصناعة التوجهات والأيديولوجيات المختلفة. كما أن وجود بعض الحالات في الجامعة مهما كثر عددها لا يجب أن يجعل من موضوع التسييس آفة المجتمعات العربية، وكأن عالمنا العربي ينقصه المزيد من الآفات.
وما يحدث في الجامعة يحدث في كل مؤسسات الدولة، وهو الأمر الذي تظهر تجلياته واضحة في التماهي مع كل ما تدعو له الدولة ومؤسساتها المختلفة. وتظهر هذه الظاهرة واضحة في هذا الكم الهائل من الصحافيين والكتاب الذين لا عمل لهم إلا التهليل لخطاب الدولة وتوجهاتها المختلفة.
إن الحديث عن تسييس الحياة في العالم العربي، وبشكل خاص الجامعة حديث يتسم بالتسطيح البالغ، كما أنه حديث يقع من حيث يدري أو لا يدري في مخاطر التعميم من ناحية والتحزب الأيديولوجي من ناحية أخرى. فهو حديث سطحي لأنه لا يلم بتاريخ التحولات التي انتابت العالم العربي منذ عقود طويلة وحتى الآن. وهذا التسطيح هو ما يؤدي به إلى الوقوع في مخاطر التعميم ومثالبها المبتذلة.
فالحديث عن الجامعة كمكان لتلقي العلم فقط حديث مبتور يفصل فصلاً حاداً بين الجامعة والمجتمع، كما يتعامل مع أستاذ الجامعة بوصفه موظفاً ليس له من عمل إلا التلقين ونقل المعرفة. كما أن هذا الحديث يفترض في أستاذ الجامعة نوعاً من الآلية التي تتيح له الوقوف مسافة ما من كل رأي ومن كل فكرة ومن كل أيديولوجيا.
ربما يمكن تحقيق ذلك في العلوم الطبيعية، لكن الأمر بالغ الصعوبة في العلوم الاجتماعية وحتى الإنسانية. كما أن هذه الحديث يتسم أيضا بالدوجماطيقية التي يحذر منها، من حيث إنه يلقي اتهاماته يميناً وشمالاً ولا يرى في الواقع الفعلي إلا ما يدعو ويهلل له.
يتحدث البعض عن تسييس الواقع العربي ويلقون على عاتق هذا التسييس كل السلبيات التي نراها الآن، كما لا نجد في تناولهم هذا أي تناول لواقع الأنظمة العربية سواء في الماضي أو الحاضر.
ويطلقون اتهاماتهم ذات الشمال واليمين لكل الاتجاهات الفكرية يسارية وقومية ودينية، بحيث لا يدري المرء في النهاية ما هي الاتجاهات التي يتبنوها ويدعون لها. كما يلاحظ على هذه الآراء موقفها الحاد جداً من الاتجاهات والحركات الإسلامية، بشكل يضعها جميعها في سلة واحدة، وبشكل يتماهى مع الاتهامات الغربية المبتذلة لهذه الحركات والاتجاهات والإسلام ذاته.
لا يمكن لأي كان أن يفصل الجامعة عن محيطها العام. وفي هذه اللحظة التاريخية الحاسمة من الضعف العربي الراهن لا يمكن أن تدعي الجامعة أن مهمتها الأساسية هي التعليم والبحث العلمي فقط، ورغم ذلك فإن التعليم والبحث العلمي مسألتان تقعان في صلب التسييس والتوجهات الأيديولوجية المختلفة. فهل نقصد التعليم الخاص أو الحكومي؟
وهل نقصد التعليم الذي يتأسس في ضوء مطالبنا الوطنية والقومية أم ذلك التعليم الذي يحدده الخبراء الأجانب؟ وهل نقصد البحث العلمي الذي يلبي مطالب التنمية وإشباع حاجات القاعدة العريضة من المواطنين، أم ذلك البحث الذي يصب في إشباع شريحة ضيقة ومستفيدة من البشر؟
لا تقف الجامعة عند مستوى المعرفة والتعليم والبحث العلمي، لكنها إضافة إلى ذلك، مطالبة باتخاذ مواقف واضحة وفارقة مما يحدث في المجتمع.
وهنا يظل السؤال قائماً هل يحق لأستاذ الجامعة أن يلقن طلبته توجهاته السياسية ومعتقداته الأيديولوجية المختلفة؟ وإذا كان يحق له ذلك، يبرز السؤال الأهم: هل يتعارض ذلك مع دور الجامعة التعليمي والبحثي؟ وهو ما يستدعي حديثاً آخر حول أستاذ الجامعة والملابسات المرتبطة به.
salehabdelazim@hotmail.com