خمسة عشر عاماً مضت على توقيع اتفاقيات اوسلو في الحديقة الخلفية للبيت الأبيض بحضور الرئيس كلينتون آنذاك، خمسة عشر عاماً مضت من المعاناة المضاعفة الفلسطينية نتيجة توقيع تلك الاتفاقيات التي قال عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، اسحاق رابين عندما ناقشها الكنيست الإسرائيلي، بأنها لا تعني
خمسة عشر عاماً مضت على توقيع اتفاقيات اوسلو في الحديقة الخلفية للبيت الأبيض بحضور الرئيس كلينتون آنذاك، خمسة عشر عاماً مضت من المعاناة المضاعفة الفلسطينية نتيجة توقيع تلك الاتفاقيات التي قال عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، اسحاق رابين عندما ناقشها الكنيست الإسرائيلي، بأنها لا تعني مطلقاً التخلي عن أي حق إسرائيلي تاريخي، ذلك بأن القدس ستظل العاصمة الموحدة والأبدية لإسرائيل، ولن ننسحب من كل مناطق 1967، والتجمعات الاستيطانية الكبرى، ستظل في الضفة الغربية وستلحق بإسرائيل، وقد أجاب عندما سأل عضو في الكنيست عن خطر تجميع الفلسطينيين بالقرب من إسرائيل، أجاب قائلا: (بأن الاشراف الإسرائيلي عليهم سيكون أسهل مما هم عليه موزعين في دول كثيرة في العالم).
خمسة عشر عاماً مضت على تلك الاتفاقيات التي قال عنها إيهود باراك، وقد كان يومها رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي: (إذا اختلفنا مع الفلسطينيين حول أي من البنود، فتفسيرنا الإسرائيلي له، هو الذي سيجري تطبيقه على الأرض، لأننا الأقوى).
لقد حققت اتفاقيات أوسلو لإسرائيل ما كانت تحلم به، من اعتراف رسمي فلسطيني بشرعية وجود دولة إسرائيل، واعطت انطباعاً على الصعيد الدولي، بأن الصراع الفلسطيني العربي- الإسرائيلي قد تم حله، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تمارس احتلالها للأرض على الصعيد الفعلي.
وإضافة إلى أن غالبية بنود أوسلو كانت مبهمة، ويمكن تفسيرها على أكثر من صعيد، فإنها ابقت قضايا الوضع النهائي، حول القدس واللاجئين، والانسحاب من كافة مناطق 67، والمستوطنات، والتفاصيل المتعلقة بالدولة الفلسطينية كاملة السيادة، إلى مراحل لاحقة، في ظل وضوح تام وكامل لوجهة النظر الإسرائيلية منها، الأمر الذي جعل منها عملياً، اتفاقيات تحقق للفلسطينيين حكما ذاتياً وإشرافاً على القضايا الحياتية للفلسطينيين، من دون تحقيق أي مظهر من مظاهر السيادة، كما اسست للانقسام الفلسطيني-الفلسطيني، فيما بعد.
وبالرغم من المكاسب الإسرائيلية الكثيرة الأخرى من هذه الاتفاقيات، كتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني في عام 96، أثناء انعقاد المجلس الوطني في غزة وبحضور الرئيس كلينتون شخصياً، من كل ما يتعلق بالكفاح المسلح، الذي ضمنته قوانين الأمم المتحدة للشعوب التي يجري احتلال اراضيها، ومن كل ما يمس من سيادة دولة إسرائيل، فإن الكيان الصهيوني فهم هذه الاتفاقيات بالشكل الذي يخدم مصالحه، فيميتها وقتما يشاء (عندما قام شارون بإعادة احتلال المناطق الفلسطينية ودخلتها القوات الإسرائيلية) ويحييها متى يشاء!
لقد عنى توقيع اتفاقيات اوسلو، فكاً للقضية الفلسطينية من بعدها العربي، كما فتح لدول عربية أخرى لتوقيع ما يسمى باتفاقيات سلام مع إسرائيل، في ظل تنكرها للحقوق الوطنية الفلسطينية والحقوق العربية الأخرى، كما فتح الباب لدول عربية بإقامة اشكال أخرى متعددة (تجارية وغيرها) مع إسرائيل.
ورغم مضي عقد ونصف العقد على الاتفاقيات المشؤومة، التي قزمت الحقوق الوطنية الفلسطينية، ورغم التنكر التعنتي الإسرائيلي لهذه الحقوق، فإن السلطة الفلسطينية مازالت للأسف متمسكة بها، حتى إنها لم تُجرِ قراءة نقدية لهذه الاتفاقيات، ولم تُجرِ مراجعة شاملة لأسلوب ونهج التفاوض مع إسرائيل، ومازالت تنتهج هذا الأسلوب التفاوضي، سواء أكان من خلال لقاءات مع رؤساء الوزراء الإسرائيليين، أم اللقاءات التفاوضية المتعددة الأشكال (قريع- ليفني) وغيرها، وغيرها.
ما أحرى بالساحة الفلسطينية في الذكرى الخامسة عشرة لتوقيع اتفاقيات اوسلو، أن تعود إلى الحوار الوطني الفلسطيني، وأن تجري مراجعة شاملة لهذه الاتفاقيات وتداعياتها السلبية الكثيرة على المشروع الوطني الفلسطيني، وعموم القضية الفلسطينية.
ما أحرى بالساحة الفلسطينية في هذه الذكرى، أن تعود إلى اللحمة وإلى الوحدة الوطنية الفلسطينية على الثوابت الفلسطينية، وأن تعيد النظر في النهج التفاوضي مع العدو الصهيوني، هذا النهج، الذي إن لم يستند إلى المقاومة بكافة أشكالها، وخاصة الكفاح المسلح، فإنه سيلحق أفدح الأضرار بالقضية الوطنية الفلسطينية، وسيجلب المزيد من المآسي والويلات على الفلسطينيين، ليس في الأراضي المحتلة فحسب، وإنما في كافة أماكن وجودهم.