حاصل على شهادة الماجستير في الآداب قسم "صحافة".
ماجستير في العلوم(اقتصاديات العلوم والتكنولوجيا).
ترأس تحرير العديد من المجلات العلمية والتكنولوجية في لندن.
رئيس قسم العلوم والتكنولوجيا في صحيفة"الحياة" من (1988-2000).
من عام 2000 وحتى الآن يعمل مستشاراً للمؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا.
"عندما تكذب حبيبتي أصدقها". يقول ذلك الشاعر وليام شكسبير. وكيف لا أصدق حبيبة عراقية عمرها أربعة وأربعون قرناً؟ "إنهدوانا" اقتفيتُ آثار خطواتها في قلوب مُحباتها من "جامعة بركلي" في كاليفورنيا حتى "مقهى الشعر" في لندن؟ وها أنا أكتب اسمها لأول مرة بالعربية، وقد خجلتُ من ارتباكي في لفظه، عندما سألتُ الأديبة الإنجليزية "فران هزلتن"؛
"عندما تكذب حبيبتي أصدقها". يقول ذلك الشاعر وليام شكسبير. وكيف لا أصدق حبيبة عراقية عمرها أربعة وأربعون قرناً؟ "إنهدوانا" اقتفيتُ آثار خطواتها في قلوب مُحباتها من "جامعة بركلي" في كاليفورنيا حتى "مقهى الشعر" في لندن؟ وها أنا أكتب اسمها لأول مرة بالعربية، وقد خجلتُ من ارتباكي في لفظه، عندما سألتُ الأديبة الإنجليزية "فران هزلتن"؛ لماذا تحمل جمعيتها اسم "إنهدوانا"؟ وتمنيت لو أرسم بالكتابة المسمارية اسمها المكون من ثلاثة مقاطع رشيقة كالوشم الناعم في الحرير. "إنْ" يرمز إلى "الكاهنة الكبرى"، و"هيدو" يعني "زينة"، و"آنا" السماء. هذا هو اسمها الأدبي الذي يرمز إلى جمال القمر. وهي كذلك اليوم: "قمرٌ" في سماء نساء العالم. جمعيات، وأطروحات أكاديمية، وكتب، ودواوين شعر، ومواقع على الإنترنت تحمل اسم "إنهدوانا". لماذا؟
هل ذلك لأنها أول شاعرة وكاتبة معروفة في التاريخ؟ أم لأنها أول شاعر وكاتب يعلن اسمه في قصائده، ويروي قصته الذاتية في أناشيد وتراتيل دينية؟ أم لأنها سجلت أقدم وصف لعملية الإبداع في تاريخ الأدب والفن؟ أم لأنها وضعت قبل ألفي عام من الفيلسوف الإغريقي أرسطو تعاليم تربوية للفرد والمجتمع؟ أم لصورتها الشخصية المرسومة بالنحت البارز على قرص طيني، يحمل اسمها ونسبها: "إنهدوانا"... ابنة سرجون، ملك الجميع"؟ هل تعود شهرتها إلى أن أباها سرجون الأكدي مؤسس أول إمبراطورية في التاريخ؟
جميع هذه الأسباب واردة، لكن هناك سبباً واحداً وراءها، أو قبلها، وهو حضور صوت "إنهدوانا" القوي في قصائدها. "ويعرف الكُتّاب أن الصوت يصدر عن شخصية قوية"، تذكر ذلك "روبرتا بنكلي"، أستاذة الأدب الإنجليزي في "جامعة تينسي" بالولايات المتحدة. تكتب بنكلي في مقالة عنوانها "أهمية إنهدوانا" قائلة: "من دون ثقة بالنفس، ومن دون الهوية الذاتية التي تحدد معرفة النفس، والاعتداد بها، لا يمكن للكاتب أن يبدع ذاته، وهي جوهر الروح التي تكمن وراء المقال والكلام". وتذكر أن صوت "إنهدوانا" هو "الصوت الحازم، والقوي الذي تحتاج النساء لسماعه". وتورد وصفها لحظة الإبداع الأدبي في واحد من أقوى المقاطع في التاريخ القديم: "في منتصف الليل كوَّمتُ الفحم في المبخرة وولدت القصيدة".
وتأسر قلوب الباحثات الغربيات شخصية "إنهدوانا" الشاعرة والمقاتلة والعاشقة، وتفتنهم أبيات في قصائدها تتضمن إطراءً محبباً لأكثر المواضيع الأنثوية حميمية. "الآن يحطم صوت إنهدوانا الصمت الذي أحاطت به المرأة الثقافات والعقائد الدينية السائدة في الغرب". تقول ذلك "بتي دي شونغ"، الطبيبة النفسانية والباحثة في "جامعة بركلي" في كتابها "إنانا سيدة أكبر قلب" الذي يضم قصائد "إنهدوانا". وتصف دي شونغ الأبعاد الكاملة للأنوثة في أشعار "إنهدوانا" التي "تشرع النساء الآن في استخدامها لإعادة بناء ماض ثقافي كان وضع المرأة فيه مختلفاً بشكل هائل عمّا هو عليه الآن".
وتُعتبر "إنهدوانا" شكسبير الأدب السومري، وهي مثله محاطة بالغموض، ولا توجد سوى صورة شخصية واحدة لها. وكأشعار شكسبير تداولت نصوصها عبر القرون وعُثر على عشرات النسخ من قصائدها التي يعود تاريخ تدوين بعضها إلى عصور لاحقة. وكان العثور على الألواح الطينية التي تحمل قصائدها في جنوب العراق في عشرينات القرن الماضي معجزة.
تذكر ذلك الباحثة والشاعرة الأميركية "جودي غران" التي تعتبر ظهور الترجمة الإنجليزية لقصائد "إنهدوانا" في ثمانينات القرن الماضي حدثاً مدوياً: "فنحن نصارع قوة الانفعالات التي تتلف علاقاتنا، وقوة الطبيعة التي تدمرنا، على الرغم من خيالاتنا عن الأمن. ونصارع العنف الداخلي والخارجي، ونكافح لأجل البقاء بعد أن فقدنا جدارتنا، وأن نؤمن بشيء خارج إنسانيتنا، فيما تتضاعف القدرة البشرية. وهذه كانت بعض المسائل التي تشغل إنهدوانا أيضاً". وكما تتوقع الشاعرة الأميركية، في حال استمرار "التقهقر إلى الخلف نحو المستقبل"، فإن قصة هذا القرن سيرويها بدرجة كبيرة أدب بلاد ما بين النهرين، وخصوصاً أساطير "إنانا".
و"إنانا" التي تخاطبها "إنهدوانا" في جميع قصائدها هي الرمز السومري المقدس للقمر والحب والخصب. وعندما تروي "إنهدوانا" الأساطير أصدقها. "علم السياسة" نفسه ولد في الأساطير العراقية. يكشف عن ذلك كتاب "الفكر السياسي في العراق القديم" لعبدالرضا الطعان، أستاذ الفكر السياسي في جامعة بغداد. و"الأساطير ملأى بالتاريخ، عكس ما يقال من أن التاريخ مليء بالأساطير"، حسب الباحث العراقي فاضل الربيعي الذي أصدر كتباً عدة حول تأويل الأساطير.
وهل يمكن بدون الأساطير أن تروي "إنهدوانا" تجربتها الشخصية؟ لقد أولاها والدها سرجون الأكدي منصب "الكاهنة الكبرى"، وعهد لها بأصعب مهام بناء الدولة، وهي الجمع بين الحضارتين السومرية والأكدية المختلفتين في اللغة والدين والثقافة، لتأسيس أول دولة مركزية في تاريخ العراق القديم. وها هي "إنهدوانا" تخاطب معبودتها السومرية "إنانا" قائلة: "أستعطفك. أقول لكِ كفى هذا القلب الحقود المرير والحزين. يا سيدتي، في أي يوم ستساورك الرحمة، وكم سيطول عويل صلواتي النائحة. أنا لكِ فلماذا تذبحينني؟".
تلخص هذه الصرخة نصيب "إنهدوانا" من أهوال بناء الدولة: النفي والتعذيب والاغتصاب. تعرضت لكل ذلك، وهي الأميرة الشاعرة، والمفكرة الروحية، والعاشقة المرهفة التي "توجد ما بين البركة واللعنة، الضوء والظلام، الوفرة والإدقاع، الخير والشر، الحياة والموت. ومهما بلغت قسوة واقعها فإنه الواقع الذي ينبغي على كل كائن حيٍّ مواجهته".
و"إنانا" هي الأم الكبرى لرموز الجمال والحب والخصب، التي توالدت عبر القرون والحضارات: "عشتار" الأكدية، و"أفروديت" الإغريقية، و"فينوس" اللاتينية. وهذا ما يفسر الصدمة العالمية التي أحدثتها أخيراً لوحة "إنانا في دمشق" للفنانة العراقية المقيمة في كندا "سندس عبدالهادي". توجع القلب ملامح الجمال الأنثوي السومري في وجه "إنانا" المعقودة الحاجبين، وهي تقف في براءة جسدها في ناد ليلي، فيما يدس رجل يرتدي ملابس عربية تقليدية أصابعه في فمها، وخلفه عسكري بملابس الميدان الأميركية. يعرف الباحثون مغزى هذا المشهد، الذي يرمز لأول اعتداء جنسي مسجل في التاريخ: "مَسَح بفمي كفه المبللة باللعاب". هكذا تصف "إنهدوانا" مهانتها على يدي حاكم تمرد على سلطة أبيها ونفاها من سومر.
وفي حفل "إنهدوانا" الذي يقام شهرياً في "مقهى الشعر" وسط لندن، أسرتني "تارا الجاف"، عازفة "القيثارة السومرية". تذكر "تارا"، وهي من أسرة أمراء قبائل "الجاف" القوية النفوذ في كردستان العراق: "الكردية لغة أبي، والتركمانية لغة أمي، والعربية لغة بلادي... أما أنغام "قيثارة سومر" فهي لغة قلبي وروحي". اكتشفت "تارا" القيثارة خلال رحلة مدرسية إلى "المتحف العراقي"، وتعلمت من أجلها العزف في "مدرسة الموسيقى والباليه" ببغداد، وحملتها معها حول العالم. هذه العراقية الفاتنة المنمنمة تحتضن آلة موسيقية أكبر منها حجماً مرة ونصف، وأقدم عمراً 44 قرناً، وتنشد بالكردية:
"يا حادي القافلة أرجوك، أتوسل إليك،
ويلاتي كثيرة، وأنت تركتني وراءك.
عندما توقف قافلتك للراحة،
ليس عندي لك غير أمنية واحدة، وهي أن تصحب رحلتك السلامة".