تحضرني ذكرى تعود إلى أيام صباي في نهاية الستينات، حين وقعت في يدي، وللمصادفة السعيدة، أعداد من مجلات مصرية قديمة معروفة مثل “المصور” و”آخر ساعة” و”روز اليوسف”، تعود إلى نهاية الخمسينات، حيث رحت أتلقف سطورها وصورها.
كان جمال عبدالناصر هو الموضوع المُهيمن في تلك المجلات بصورهِ التي تُبرز ما في شخصيته المهيبة بقامته الطويلة من كاريزما وجاذبية وقوة حضور. بعض تلك المجلات تعود للفترة التي تعرض فيها جمال عبدالناصر لمحاولة الاغتيال الشهيرة في المنشية، وكانت صفحات كثيرة من تلك الأعداد كرست للحديث عن شخص عبدالناصر وطفولته وشبابه وحسه الوطني العالي وعدائه العميق للاستعمار البريطاني.
القواعد العسكرية البريطانية كانت يومها موزعة على مناطق البحرين، كما الحال في البلدان الخليجية الأخرى، والبلد تضج بالشعور الوطني المعادي للاستعمار، وكان من شأن تلك المقالات أن تُلهب حماسي، وتُعلي الإحساس الوطني في نفسي.
إن بدا هذا المدخل شخصياً بعض الشيء، فذلك لكي أقول إن شخصية عبد الناصر أسهمت في تشكيل الوعي الوطني الجديد لجيلٍ، وربما لأكثر من جيل، من الأجيال العربية، وظلّ هذا الرمز الوطني والقومي الكبير، بالتحولات السياسية والفكرية التي مرّ بها، مُلهما للكثيرين، في حياته، أو حتى بعد مماته المبكر.
ولم يكن من شأن شخصية بهذه الأهمية والتأثير إلا أن تفعل ذلك أيضاً، في بلدان الخليج كما فعلته في البلدان العربية الأخرى، وعلى الدوام نُظر إلى وجوده كدعامة رئيسية من دعامات الأمل والتفاؤل في مستقبل عربي أفضل.
أولت مصر الناصرية كل أسباب التفهم والدعم لتطلعات شعوب هذه المنطقة في الخلاص من الحماية البريطانية وقواعدها العسكرية، وقابل ذلك تعلق من أبناء هذه المنطقة بشخص عبد الناصر، ومن تجليات ذلك العلاقة التي حكمت هيئة الاتحاد الوطني في البحرين بزعامة عبد الرحمن الباكر ومصر في منتصف الخمسينات، فقادة الهيئة كانوا مأخوذين بالناصرية، وهو ما أثار حنق المستشار البريطاني الذي ظل يُكرر أن الهيئة مدعومة من مصر، وتأتمر بتوجيهاتها.
وفي الستينات وافقت مصر عبد الناصر على أن تفتح جبهة التحرير الوطني البحرانية مكتباً لها في القاهرة أداره لسنوات طويلة القائد الوطني الراحل أحمد الذوادي، الذي لم يغادر القاهرة إلا بعد رحيل عبد الناصر ومجيء السادات للسلطة.
drhmadan@hotmail.com