هل تستعد أمريكا للهروب الكبير؟
* هكذا يحاولون تبرئة الاحتلال من جرائم تفجير الصراع الطائفي
* تيار في أمريكا يدعو إلى الانسحاب نهائيا من الشرق الأوسط
* محلل أمريكي: إذا لم ننسحب بإرادتنا سنخرج مهزومين
* يجب ان تكون لنا رؤيتنا العربية ونستعد لكل الاحتمالات
في مقال الأسبوع الماضي، أشرت إلى الجدل الفكري والسياسي الواسع الذي تشهده الساحة الأمريكية حول نتائج وتبعات ما يعتبره كثير من المحللين هزيمة أو نكسة منيت بها الولايات المتحدة في العراق. وعرضت لأول القضايا الكبرى التي يدور حولها الجدل، وهي قضية "عقدة العراق" وتأثيراتها وكيفية التعامل معها.
غير هذه القضية، فجر الحديث عن النكسة الأمريكية في العراق جدلا واسعا حول قضايا أخرى كثيرة. في مقدمة هذه القضايا على الاطلاق قضية مستقبل السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الاوسط.
وبشكل اكثر تحديدا، ثار جدل واسع حول سؤال محدد: هل يجب ان تنسحب الولايات المتحدة من منطقة الشرق الاوسط نهائيا؟ ام يجب ان تواصل نفس السياسات التي اتبعتها ادارة بوش؟ ام ماذا يجب ان تفعل بالضبط؟.
سنعرض في هذا المقال للابعاد الرئيسية لهذا الجدل الذي يهمنا بطبيعة الحال.
لكن قبل هذا، من المهم ان نشير الى ان هذا الجدل امتد في جانب مهم منه الى قضية اخرى تتعلق بالكوارث والمآسي التي خلفتها سياسات ادارة بوش في العراق وفي كل المنطقة. وهنا ظهر تيار فكري في أمريكا يحاول تبرئة الادارة الأمريكية من تحمل مسئولية هذه الجرائم.
***
تبرئة المجرمين
كان طبيعيا ان يعتبر كثير من المحللين الأمريكيين، وفي العالم، ان من اكبر ابعاد الهزيمة الأمريكية في العراق، هو ما انتهى اليه الامر من تفجير صراعات طائفية دموية لم تقتصر تأثيراتها عند حدود العراق وانما امتدت الى كل المنطقة. وارتبط بهذا اتضاح فشل وزيف كل الدعاوى الأمريكية التي تحدثت عن اقامة نظام ديمقراطي في العراق، ومن ثم يمتد الى باقي دول المنطقة.
بطبيعة الحال، الصراعات الطائفية التي تفجرت بين الشيعة والسنة في العراق تعتبر من اكبر الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الأمريكي. كما يندرج في عداد هذه الجرائم وفي نفس السياق اقامة الاحتلال لنظام طائفي دموي لا علاقة له من قريب او بعيد بالديمقراطية.
هنا، كما ذكرت قبل قليل، ظهر تيار في اوساط المحللين الأمريكيين يحاول تبرئة الاحتلال وادارة بوش من المسئولية عن هذه الجرائم.
ولانني سبق وان تعرضت لهذه القضية في مقالات ومحاضرات، اكتفي هنا يالاشارة الى محاولة هؤلاء المحللين تبرئة ساحة الاحتلال واخلاء مسئوليته عن هذه الجرائم يقوم على جانبين كبيرين:
الاول: هو القول بأن الصراع الشيعي السني الدموي الذي تفجر في العراق لم يكن بسبب الاحتلال، ولا تتحمل الادارة الأمريكية مسئوليته، فهو صراع تاريخي متأصل وكان لا بد ان يأتي يوم ويتفجر في كل الاحوال.
هناك سيل من التحليلات الأمريكية تطرح وجهة النظر هذه. وكما أشرت في مرة سابقة، يكفي ان نتأمل الموضوع المطول الذي نشرته مجلة "تايم" الأمريكية الشهيرة وجعلته موضوع غلاف عدد 12 مارس 2007 عن الصراع بين السنة والشيعة. على الغلاف كتبت المجلة "السنة في مواجهة الشيعة.. لماذا يكرهون بعضهم البعض.. ما الذي يحرك حقا الحرب الاهلية التي تمزق الشرق الاوسط اربا". والرسالة من وراء هذا الكلام واضحة.
بل ان بعض المحللين الأمريكيين ذهب بالقضية ابعد من هذا عندما اعتبروا ان هذا الصراع السني الشيعي ليس امرا طبيعيا وحسب لا علاقلة لأمريكا به، بل انه قد يكون مطلوبا لحسم الصراع و"اصلاح" الإسلام" ذاته.
ثانيا: القول بأن أمريكا فشلت في اقامة ديمقراطية حقيقية في العراق ليس بسبب اخفاق الاحتلال او تعمده اقامة نظام طائفي، ولكن لان الشعوب العربية اصلا ليست مؤهلة لاقامة الديمقراطية.
وعلى اية حال، لسنا بحاجة الى القول يأن كل هذه الفذلكات الفكرية الأمريكية هي محاولات يائسة لتبرئة الاحتلال وادارة بوش من جرائم مؤكدة، وهي على الرغم من بلاغتها الظاهرة لا يمكن ان تجمل وجها شديد القبح للاحتلال.
***
دعوة إلى الهروب
كما ذكرت، أثارت نكسة أمريكا في العراق جدلا واسعا جدا حول مستقبل سياسات أمريكا ودورها في منطقة الشرق الاوسط.
اول ما يلفت النظر هنا انه ظهر تيار قوى في اوساط المحللين الأمريكيين يدعو ببساطة الى ان تغادر أمريكا ساحة الشرق الاوسط برمتها. كثيرون طرحوا هذه الفكرة من زوايا ولاسباب مختلفة.
اول من طرح هذه الفكرة بشكل واضح ومتماسك، كان الكاتب الأمريكي المعروف ادوارد لوتواك في مقال شهير نشرته مجلة "بروسبيكت" الأمريكية في عدد مايو 2007
الفكرة الجوهرية التي يطرحها تتلخص في ان المحللين الغربيين، وبالذات المختصين في شيءون منطقة الشرق الاوسط، يبالغون كثيرا في اهمية هذه المنطقة بالنسبة الى الولايات المتحدة والغرب عموما. وحقيقة الامر في رأيه ان المنطقة ليست أبدا بتلك الأهمية، وان افضل شيء تفعله الولايات المتحدة هو ان تتجاهلها تماما وتنسحب منها.
في التفاصيل ن يحدد لوتواك اربعة جوانب كبرى للمبالغة في اهمية الشرق الاوسط:
الجانب الاول: يتعلق بالمبالغة الشديدة في اهمية الصراع العربي الإسرائيلي وبالزعم بان استمراره وعدم حله تترتب عليه نتائج كارثية.
ويتطرق هنا خصوصا الى القول بتأثير الصراع على اسعار النفط وعلى احتمالات استخدام النفط كسلاح. في رأيه ان استخدام النفط كسلاح في حرب اكتوبر عام 1973، كانت هي المرة الوحيدة والاخيرة. فقد ادركت الدول العربية المنتجة الكبرى للنفط منذ ذلك الوقت ان فرض أي مقاطعة نفطية اخرى سوف تكون كارثة على اقتصادياتها. ولهذا السبب تحديدا فهي تحرص على التأكيد باستمرار انه ليس من الوارد استخدام النفط كسلاح.
وبالاضافة الى هذا، يعتبر انه سوف يكون امرا جيدا لو توصل الإسرائيليون والفلسطينيون الى تسوية خلافاتهم، لكن حتى مثل هذه التسوية لن يكون لها أي تأثير في تهدئة الصراعات الاخرى في الشرق الاوسط من الجزائر الى العراق، او في وقف العنف الإسلامي الهندوسي في كشمير، او العنف الإسلامي المسيحي في اندونيسيا، او العنف في السودان او الصراع بين السنة والشيعة.
كما نرى، هو يريد ان يقول ان المقولة الشائعة بأن حل الصراع العربي الإسرائيلي هو ضرورة لتسوية الصراعات الاخرى هي مقولة خاطئة.
والجانب الثاني: يتمثل في المبالغة الشديدة في رأيه في تقدير القوة العسكرية لبعض القوى في الشرق الاوسط وما يمكن ان تحققه.
وهو هنا يتوقف مطولا بصفة خاصة عند الحديث عن القوة العسكرية لايران. يعتبر باختصار ان هذا حديث ينطوي على تقديرات مبالغ فيها جدا، وان ما يمكن ان تفعله ايران لايذاء أمريكا او المنطقة محدود جدا
ويفند ايضا القول بان هناك اجماع قومي ايراني على البرنامج النووي، وان الشعب يقف موحدا في هذا المجال. يقول: عدد سكان ايران نحو 70 مليون. 51% من هؤلاء فقط فرس، و42% اذريون، والربع الباقي قوميات اخرى. الكثيرون من سكان ايران الاذريون هم في حالة ثورة ضد الامبريالية والثقافية الفارسية، والاكراد يقودون حركات تمرد، وكذلك الاقلية العربية في الاهواز، والبلوش يهاجمون قوات البولس والحرس الثوري". ويخلص من هذا الى القول بأن القومية الفارسية هو موقف اقلية في بلد نحو نصف سكانه ليس اصلا من الفرس. ولهذا، فان الحديث عن تماسك قومي ايراني هو مسألة مبالغ فيها.
الجانب الثالث: يتعلق بما يقوله خبراء الشرق الاوسط مرارا من ان دول وشعوب هذه المنطقة من الممكن تطويعها والسيطرة عليها. وفي هذا الاطار ما يراه المحافظون من ان العرب لا يفهمون الا لغة القوة لاخضاعهم.
في رأي لوتواك ان الذي يحدث في كل مرة تحدث فيها مواجهة وحتى انزال هزيمة بالعرب، لا يتم تطويع شعوب المنطقة بل تزداد المقاومة. ويقول: ليس من الصعب هزيمة العرب، ولكن هذا لا جدوى منه ولا قيمة له، فالعنف يمكن ان يدمر اسلحة، لكنه لا يمكن ان يغير طبائع وسلوك الشعوب.
الجانب الرابع: ان هذا الشرق الاوسط هو منطقة راكدة متخلفة دورها هامشي جدا في الاقتصاد العالمي وفي حركة العلم والتقدم. وشعوب المنطقة هي شعوب غير منتجة. والصادرات الصناعية مثلا لا تمثل الا نسبة 17% مقارنة بمعدل 78% على مستوى العالم.
هذه هي الجوانب التي ساقها لوتواك كي يدلل على عدم اهمية المنطقة برمتها.
والنتيجة النهائية التي وصل اليها هي: ما لم نكن مجبرين على مواجهة خطر داهم عاجل، فاننا يجب ان نركز على مناطق العالم الاخرى في اوروبا وأمريكا والهند وشرق آسيا، حيث تتطلع الشعوب التي تعمل بجد الى الامام، بدلا من الحلم بالماضي".
***
اتركوهم لحالهم
الكاتب جاري كاميا. كتب مقالا بعنوان "اتركوا العالم الإسلامي لحاله"
يطرح نفس فكرة لوتواك بالانسحاب من المنطقة ولكن من وجهة نظر اخرى.
يعتبر ان الحرب التي شنتها أمريكا في المنطقة ضد "الجهاديين" والمتطرفين الإسلاميين لم تفشل فقط، وانما اتت بنتائج عكسية تماما اذ زادت من قوتهم ومن شعبيتهم ايضا. ويقول ان هذه الحرب خلقت اعداء لأمريكا اكثر بكثير من الاعداء الذين قضت عليهم. ولهذا فانه الان الاوان لما يسميه انسحاب تكتيكي من المنطقة. وان البعض قد يعتبر هذا تراجعا بل وهزيمة، لكنها سوف تعتبر نصرا على المدى البعيد. فهذا الانسحاب في رأيه سوفف يؤدي الى عزل هؤلاء "الجهاديين" والمتطرفين
ويعتبر انه ان لم تفعل أمريكا ذلك، فسوف تواجه بأوضاع اكثر كارثية مما حل بها في العراق.
ويلخص ما يريد ان يذهب اليه بالقول: "حتى القوة العظمى، هناك مجالات لا يمكنها ان تفرض ارادتها فيها. ولقد ظهرت حدود القوة الأمريكية للعيان في الشرق الاوسط. ولقد آن الاوان للخروج من المنطقة، وحماية حدودنا نحن، وان نكتفي ببعض الجهود الدبلوماسية والعمل البوليسي، ونترك الامور تهدأ. ولسوف تهدأ. ومثلما الحال مع النيران المشتعلة افضل شيء نفعله هو ان نمنع عنها الاوكسجين. وهذا ما يجب ان نفعله مع الجهاديين. وباختصار، هذا اوان الانسحاب التكتيكي. والانسحابات التكتيكية ليست امرا جيدا بالنسبة لسجل الرئيس وارثه، ولا تلهم اصحاب الاغاني الوطنية الحماسية. لكنها يمكن ان تنقذ جيوشا وتنقذ امما".
***
كي لا نخرج مهزومين
الكاتب ليونهادار. مقال بعنوان "هل آن الاوان لتجاهل الشرق الاوسط؟"
يطرح نفس الفكرة ولكن من زاوية ثالثة عما طرحه الكاتبان السابقان.
في رأيه ان أمريكا على الارجح سوف تترك الشرق الاوسط ليس باختيارها، ولكن مجبرة. أي بعد دفع اثمان باهظة وسلسلة من الكوارث تحل بها وتجبرها على الانسحاب. أي سوف تجبر على الانسحاب وهي مهزومة. وفي رأيه ان هذا هو بالضبط ما يحدث. يقصد بعد ما جرى في العراق.
وهو يقترح للتقليل من وطأة هذا "الانسحاب المدمر" كما يسميه، خطوطا عامة لسياسة خارجية جديدة تجاه المنطقة يدعو الرئيس الأمريكي القادم الى التفكير فيها. تحديدا يقترح هنا، اربعة ابعاد لهذه التوجه الجديد والسياسة الجديدة:
اولا: ادراك ان الولايات المتحدة فشلت بقوتها المنفردة في الهيمنة على المنطقة والتعامل مع قضاياها. ويقترح ان تتخلى أمريكا عن التفكير في الهيمنة في المنطقة، وان تسعى الى تشكيل شكل من اشكال التحالف الدولي يضم الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين والهند بحيث يتولى هذا التحالف المساعدة على احتواء عدم الاستقرار والارهاب في المنطقة.
ثانيا: ان تشجع أمريكا الدول الاوروبية او بالاحرى تدفعها دفعا الى ان تلعب دورا فعليا نشطا في المنطقة التي لهم مصالح استراتيجية كبيرة فيها.
ثالثا: تشكيل نظام توازن جديد للقوى في المنطقة يضم تركيا وإسرائيل والدول العربية الكبرى وايران، وان تعترف هنا خصوصا بالدور المحوري لايران.
رابعا: ان تبتعد أمريكا ولا تتدخل في الصراعات الاثنية والدينية والقبلية في المنطقة يجب ان تفهم أمريكا انها لا تستطيع ان تفعل أي شيء ازاء هذه الصراعات، وعليها ان تدرك ان الاصرار على فرض القيم والافكار الأمريكية على شعوب المنطقة فانها لن تفقد نفوذها وقوتها فقط، ولكنها ايضا سوف تعمق العداء لها في المنطقة.
***
بل أكثر عدوانية
كما نرى، هذه الافكار التي يطرحها محللون أمريكيون وعرضت نماذج لها، تدور كلها حول فكرة واحدة هي دعوة أمريكا الى الاستعداد للهروب الكبير من منطقة الشرق الاوسط برمتها، أي الانسحاب منها.
لكن بالطبع، ليس هذا سوى تيار واحد من تيارات كثيرة فيما يتعلق بالجدل حول مستقبل سياسات أمريكا ودورها في المنطقة بعد نكسة العراق.
هناك بالطبع تيار كبير يطرح افكارا هي على النقيض من هذا تماما. أي يطالبون ليس فقط ببقاء أمريكا في المنطقة، بل بالمضي قدما في نفس السياسات التي اتبعتها ادارة بوش على الرغم مما جرى في العراق، وان تصبح أكثر عدوانية حفاظا على مصالحها وهيبتها.
من يسمون ﺒ"المحافظين الجدد" الذين صاغوا سياسات ادارة بوش في السنوات الماضية يقودون هذا التيار. وهم اليوم يعتبرون ان أي حديث عن تراجع أمريكي او انحسار للدور الأمريكي سوف يجر على الولايات المتحدة نتائج وتبعات كارثية استراتيجية في المنطقة وفي العالم كله. وهم يركزون بصفة خاصة على اطماع ايران وسعيها للهيمنة على مقدرات المنطقة ويعتبرون ان أي انحسار للدور الأمريكي سوف يقود الى هذه الهيمنة فعلا الامر الذي سوف يدمر أي مصلحة أمريكية. ولهذا نجد ان هؤلاء يواصلون حملتهم الضارية الداعية الى ضرورة التصدي بحزم لايران فيما يتعلق ببرنامجها النووي، حتى لو تطلب الامر القيام بعمل عسكري.
هناك ايضا تيار آخر في اوساط المحللين الأمريكيين يرفض بدوره أي دعوة للانسحاب من المنطقة او لانحسار الدور الأمريكي، لكنهم يطالبون بتعديل السياسات المتبعة، وذلك بالتخلي عن المغامرات العسكرية والتهديد باستخدام القوة والتركيز على العمل الدبلوماسي النشط.
من هؤلاء مثلا، الكاتب المعروف نيال فيرجسون. كتب مقالا في "لوس انجيليس تايمز" عنوانه "نعم.. الشرق الاوسط يهم"
يعتبر ببساطة ان افكار مثل تلك التي عبر عنها لوتواك ويقلل فيها من اهمية الشرق الاوسط بالنسبة الى أمريكا، هي افكار "من اسخف ما يكون" بتعبيره.
في رأيه ان ما يدعون إليه من انسحاب أمريكي كامل من المنطقة سوف تترتب عليه أعمال عنف مروعة ونتائج كارثية في المنطقة.
والاهم من هذا، يسخر من الذين يقولون ان الشرق الأوسط ليس مهما من الناحية الاقتصادية لأمريكا ويقللون من اهمية نفط المنطقة. ويتساءل: اذا كان نفط المنطقة غير مهم، فلماذا إذن ارتفعت الاسعار بهذا الشكل الكبير ولماذا فزعت الدول الغربية من هذا الارتفاع؟
والخلاصة في رأيه ان أمريكا لا يمكن ان تنسحب من المنطقة، لكنها بدلا من استخدام القوة او التهديد بها، يجب ان تكثف تدخلها بالطرق والوسائل الدبلوماسية.
***
ما الذي يمكن ان نخلص اليه من هذا الجدل؟
هل يمكن فعلا ان تنسحب أمريكا نهائيا من المنطقة كما يطالب هذا التيار؟ ام ان الغلبة ستكون للداعين الى عكس ذلك؟ وماذا يعني هذا الجدل عموما؟
ثلاث ملاحظات أساسية يمكن ان نبديها بهذا الخصوص باختصار شديد:
اولا: ان فكرة ان تنسحب أمريكا نهائيا من المنطقة وتهرب منها هي فكرة مستبعدة تماما من الناحية الاستراتيجية.
منطقة الشرق الاوسط منطقة شديدة الاهمية للمصالح الاستراتيجية الأمريكية في العالم كله. ورغم كل ما جرى في العراق وما اعتبره كثير من المحللين الأمريكيين كوارث قادت اليها سياسات ادارة بوش، الا ان ادارة أمريكية قادمة لا يمكن ان تفكر على هذا النحو الذي يطالب به هؤلاء. فهذا يعني ببساطة ليس فقط دمارا لمصالح أمريكا في المنطقة وانما في العالم كله.
ثانيا: لكن هذا لا يعني ان هذا التيار هو بلا تأثير او ان ما يطرحه من افكار لن يكون له أي تأثير.
على الاقل من الوارد ان هذا الجدل سوف يقود ليس الى الانسحاب او الهروب من المنطقة، ولكن الى حدوث تغيير كبير في التوجهات والسياسات الأمريكية تجاه قضايا المنطقة. من الوارد مثلا ان يكون هناك توجه جدي للحوار مع ايران مع كل ما يترتب على هذا الحوار بالضرورة من تغير في السياسات والوضع في المنطقة لا احد يتكهن بالمدى الذي يمكن ان يذهب اليه.
ثالثا: في كل الاحوال، هذا الجدل يحمل بالنسبة لنا في الوطن العربي درسا مهما يجب ان نتنبه اليه، ولطالما اشرنا اليه في مقالاتنا.
نعنى الاهمية الحاسمة لان تكون لنا نحن العرب رؤية واستراتيجية عربية مستقلة للتعامل مع قضايا المنطقة تأخذ في الحسبان كل الاحتمالات المطروحة والمحتملة.
بدون هذا سوف نبقى دوما تحت رحمة تحولات في السياسات الأمريكية والتطورات الاقليمية التي لن تكون بالضرورة في صالحنا وانما على حسابنا.