محمود الزهار، القيادي المعروف في حركة حماس، دعا في تصريحات منذ يومين، الدول والشعوب العربية والاسلامية الى ان تستعد لزوال اسرائيل. ففي تقديره ان «كل الشواهد تدل على قرب زوال ما يسمى بدولة اسرائيل«. وعدّد بعضا من هذه الشواهد في تقديره، منها «انتهاء اكذوبة الدولة اليهودية على فلسطين كل فلسطين«. ومنها «فشل اسرائيل في تمرير اكذوبة الدولة الكبرى من الفرات الى النيل«. ومنها ايضا «فشل المشاريع الدولية الكبرى الممثلة في امريكا والغرب عموما في تحقيق أي من اهدافها«. ومثل هذا الحديث عن قرب زوال اسرائيل بحاجة الى وقفة. السؤال بداية: هل يمكن الحديث عن زوال اسرائيل؟ وفي أي اطار بالضبط يجب ان يكون هذا الحديث؟
الجواب: نعم.. يمكن الحديث عن زوال اسرائيل في الاطار التاريخي والحضاري الممتد. وقد سبق لي ان ناقشت هذه المسألة في مقال مطول تحت عنوان «متى ستزول اسرائيل«. القضية هنا باختصار شديد ان الكيان الاسرائيلي لا حق له في الوجود، ومن المنظور التاريخي البعيد هناك مقومات كثيرة تقود الى القول بزواله. لكن هذا أمر يتعلق بالتاريخ البعيد، وليس مطروحا اليوم. اما القول بأن اسرائيل هي اليوم على وشك الزوال ويجب ان نستعد لذلك، كما يقول الزهار، وهو ايضا نفس الخطاب الذي يتبناه الرئيس الايراني احمدي نجاد.. هذا الكلام، بالاضافة الى انه غير صائب، فإنه يقود الى نتائج خاطئة لا يمكن ان تخدم القضية الفلسطينية ولا المصالح العربية في الصراع في شيء. بداية، هذا توصيف خاطئ للصراع اليوم، وقراءة خاطئة لموازين القوى الاقليمية والدولية وتأثيرها على الصراع. الحادث اليوم كما نعلم جميعا ان العدو الاسرائيلي يحتل الاراضي العربية، ويمضي قدما في بناء آلاف المستوطنات في الاراضي المحتلة، ويشن اعتداءاته الاجرامية بلا رادع. والحادث اليوم ان العدو في احتلاله وفي اعتداءاته وفي مخططاته التوسعية يحظى بحماية القوى الدولية الكبرى، وايضا بصمت المنظمات الدولية وعلى رأسها الامم المتحدة. والحادث بالمقابل ان الصف الفلسطيني ممزق، والدول العربية عاجزة عن مواجهة العدو أو ردعه. على ضوء هذا، ليس من المصلحة في شيء التهوين من شأن قدرات العدو او المبالغة في قدراتنا الفلسطينية والعربية بتصور ان اسرائيل هي على وشك الزوال. وببساطة، اذا كنا عاجزين عن فك حصار غزة، أو وقف نزيف الدم الفلسطيني وانهاء الانقسام الداخلي، أو عن مجرد وقف الاستيطان السرطاني الاسرائيلي، أو تحرير اكثر من عشرة آلاف اسير في سجون العدو، او عن اقناع العالم بتطبيق القرارات الدولية المتعلقة بقضية فلسطين.. اذا كنا عاجزين عن كل هذا، فكيف لنا ان نكتفي ببساطة بالجلوس انتظارا للزوال الوشيك لاسرائيل؟ والقول بقرب زوال اسرائيل بهذا المعنى الذي تحدث عنه الزهار، يرتب اولويات خاطئة في العمل الفلسطيني والعربي. فاذا كانت اسرائيل هي على وشك الزوال وما علينا الا ان نستعد لذلك، فان الانقسام المدمر الذي يشق الساحة الفلسطينية ويشل العمل الوطني الفلسطيني قد لا يصبح امرا له اهمية كبيرة. وايضا، فإن الضغوط العربية على القوى الكبرى في سبيل استعادة الحقوق الفلسطينية قد لا تصبح مسألة هامة كثيرا. وقس على هذا. في الحقيقة، هذا الكلام عن قرب زوال اسرائيل والاستعداد له هو في جانب اساسي منه تهرب من تحمل المسئولية الجسيمة التي يجب ان يتحملها الكل في مواجهة العدو الاسرائيلي. بدلا من ان تكون الاولوية المطروحة اليوم هي انهاء انقسام الساحة الفلسطينية وحشد كل القوى والامكانيات من اجل انهاء حصار غزة ووقف الاعتداءات الاسرائيلية واجبار العدو على اعادة الحقوق المشروعة، ما علينا بحسب هذا المفهوم سوى ان نرضى بالوضع القائم، وما علينا سوى ان ننتظر زوال اسرائيل القريب. حقيقة الامر هي انه مع ان زوال اسرائيل يمكن الحديث عنه كمسألة تاريخية قد تتحقق بعد زمن بعيد، الا ان صراعنا مع هذا العدو هو صراع مرير وطويل وضار. وما لم نتصرف على هذا الاساس ونسعى لمعالجة كل اوجه قصورنا ونحشد كل امكانياتنا ونجندها في هذا الصراع، فإن العدو سوف يحقق المكاسب تلو المكاسب ويرسخ احتلاله للاراضي العربية، وسيبتعد اكثر واكثر هدف استعادة الحقوق المشروعة.