الناظرُ إلى خريطة العالم العربي المأخوذة بالأقمار الصناعية سيلاحظ أن الصحراء تُغطي الجزء الأكبر من بلداننا، فتبدو المدن العربية أشبه ما تكون بالجزر وسط محيط من الرمال.
فضلاً عن ذلك، فإن المناطق الخضراء أو المزروعة هي إلى اضمحلال بفعل ما يُعرف بالتصحر، ورغم ذلك فإن من يقرأ الأدب السردي العربي: الرواية والقصة يلاحظ أن الصحراء، من حيث هي عالم مثير للفضول والسؤال، ومملوء بما هو غامض ومُحير ومُدهش، تكاد تكون غائبة.
أحداث جُل ما نقرأه من الأدب العربي تدور إما في المدينة، خاصةً في قاعها، أو بين صفوف فئاتها الوسطى، أو في الريف حيث العلاقات الملتبسة والصراع على الأرض، أو في البحر، هذا العالم الذي استحوذ، هو الآخر، على قدرٍ كبير من اهتمام وملاحظة ووصف المبدعين في الأدب العربي الحديث.
ورغم أن الصحراء كانت، بامتياز، عالم الشاعر الجاهلي وفضاءه، منها استمدّ مناخات القصيدة ومفرداته وتراكيبه اللغوية، وتشبيهاته وصوره الشعرية، إلا أن هذه الصحراء كفت عن أن تكون كذلك بالنسبة لشعراء اليوم.
تتداعى هذه التأملات حين نقرأ أعمال الروائي الليبي إبراهيم الكوني التي ولج فيها عالم الصحراء، بصورةٍ لا نظن أن أحداً من الروائيين والكتاب العرب يُضاهيه فيها، إلا إذا استثنينا ما فعله عبد الرحمن منيف في “مُدن الملح”.
“الصحراء تُعلمنا أن نتيقظ للإشارات”، هذا ما يقوله الكوني في أحد مواضع رواية “التبر”، وهذا بالضبط ما يفعله في مجمل إنتاجه الروائي المتصل بالصحراء: اليقظة الشديدة إزاء الإشارة التي تنم عن فضاء فسيح من المعاني إن نحن ذهبنا بها إلى نهاياتها.
يغوص إبراهيم الكوني في نفس رجل الصحراء، لنكتشف أن في هذه النفس تعتمل كل التفاعلات الإنسانية، في علاقته بنفسه، وبالمرأة، وبالآخر، وبالسلطة، وبكائنات الصحراء الأخرى في تصاعدٍ درامي يحبس الأنفاس، مُعتمداً في ذلك على شحذ ذاكرةٍ تبدو ثرية المعرفة بهذا العالم، وعلى حسٍ إبداعي مُرهف يلتقط أبسط العناصر ويدمجها في نسيج عالمه الروائي.
الصحراء التي تلفنا من كل الجهات، ويتوغل غبارها في ثنايانا، هي الإقنيم الغائب، الذي يكاد يكون مجهولاً منا، رغم أننا كثيرو القول إننا قدمنا من الصحراء.
لكي نعرف أنفسنا بصورةٍ أدق علينا معرفة الصحراء.
drhmadan@hotmail.com