اعتذرت ايطاليا من خلال رئيس وزرائها بيرليسكوني عن استعمارها لليبيا، ووافقت على تعويض الأخيرة بقيمة "4" مليارات دولار، وبغض النظر عن تواضع هذا المبلغ مقارنة مع آلاف الشهداء الليبيين، وعلى رأسهم القائد عمر المختار، الذي تم إعدامه بأعصاب باردة، فلا شيء مادياً مطلقاً يستطيع التعويض عن
اعتذرت ايطاليا من خلال رئيس وزرائها بيرليسكوني عن استعمارها لليبيا، ووافقت على تعويض الأخيرة بقيمة "4" مليارات دولار، وبغض النظر عن تواضع هذا المبلغ مقارنة مع آلاف الشهداء الليبيين، وعلى رأسهم القائد عمر المختار، الذي تم إعدامه بأعصاب باردة، فلا شيء مادياً مطلقاً يستطيع التعويض عن هؤلاء،ولا عن الظلم والمعاناة التي عاشها إخوتنا الليبيون، وبغض النظر عن أن الاعتذار هو في قيمته الأساسية ورمزيته مسألة معنوية في الأساس، إلا أن الاعتذار والمبلغ نقطتان مهمتان تسجلان لإيطاليا ولبيرليسكوني شخصياً، كما تسجلان لليبيا التي استطاعت بإصرارها أن تحصل على المبلغ وبشكل رئيسي على الاعتذار من إيطاليا.
نقول حول أهمية الاعتذار بشكل رئيسي والتعويض المادي لقيمتيهما الرمزية وبخاصة أن دولة مثل فرنسا ورغم تعدد رؤسائها منذ استقلال الجزائر، ترفض تقديم الاعتذار لبلد المليون ونصف المليون من الشهداء، الذين قضوا في سبيل استقلال بلادهم ووطنهم ترفض فرنسا الاعتذار عن الظلم والقتل والتعذيب والاعدامات التي مارستها ضد الجزائريين، وعن مصادرة ثروات الجزائر ومصادرة حرية البشر لما يزيد على قرن زمني، وعن السياسة العنصرية التي مارستها في الجزائر، من خلال تذويب الهوية العربية للجزائريين بكافة الوسائل والسبل، وعلى كافة الأصعدة: التاريخية، والثقافية، واللغوية، والاجتماعية في سبيل تحقيق أهدافها آنذاك بفرنسة الجزائريين والجزائر باعتبارها قطعة من فرنسا.
كذلك لم نسمع اعتذاراً فرنسياً عن استعمار سوريا ولبنان لسنوات طويلة، ولم نسمع أيضاً اعتذاراً بريطانيا لدول عربية عديدة جرى استعمارها لزمن طويل، من قبل الامبراطورية التي لم تكن الشمس لتغيب عن ممتلكاتها.
لم تعتذر بريطانيا للشعوب العربية التي استعمرتها، وعلى الأخص للشعب الفلسطيني عن سنوات الانتداب البريطاني لفلسطين "والتي لم تكن سوى استعمار حقيقي" ولا عن وعد بلفور الذي أعطته للحركة الصهيونية من أجل إقامة دولتها الإسرائيلية في فلسطين ظلماً وعدواناً، ولا عن مسؤوليتها في تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين وتسليحهم والتغاضي عن المذابح التي اقترفتها الحركة الصهيونية ضد الفلسطينيين على مسمع ومرأى من القوات البريطانية، التي كانت تعدم الفلسطيني لحيازته مسدساً، ولا عن تنسيقها مع العصابات الصهيونية لإقامة دولة إسرائيل في 15 مايو من عام 1948 يوم انسحاب القوات البريطانية من فلسطين، أما عن الممارسات الإسرائيلية منذ إنشاء دولة الكيان الصهيوني وحتى اللحظة، ضد الفلسطينيين بشكل خاص، وضد العرب بشكل عام، بدءاً من اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم ومن أراضيهم وبلدانهم وتهجيرهم قسرياً، وإقامة دولة مصطنعة على انقاض دولة أخرى وشعبها، مروراً بكل المجازر التي اقترفتها إسرائيل بحق الفلسطينيين والعرب، وصولاً إلى احتلال كل فلسطين وأراض من دول عربية أخرى، وصولاً الى السياسات الإسرائيلية، قديمها وحديثها المتمثلة في مجازر وموبقات وقتل وتدمير وإعدامات وسرقة للأراضي وتهديم للبيوت واقتلاع للأشجار، واعتقال ونفي للفلسطينيين.. فهذه لن يعادلها كل اعتذارات وأموال الدنيا قاطبة، ولن يشفي غليل الفلسطينيين سوى تفكيك دولة الاغتصاب والإرهاب والعنصرية البغيضة، وعودة اللاجئين إلى ديارهم ووطنهم وتعويضهم عن كل سنوات المعاناة والحرمان والغربة، وإقامة دولة فلسطين الكاملة السيادة على الأرض الفلسطينية، ومحاسبة القتلة والمجرمين "قديمهم وحديثهم" ومعاقبتهم على كل جرائمهم، وفي الوقت الذي تنحو فيه بعض دول العالم "كندا وايطاليا" إلى الاعتذار للدول والشعوب التي جرى استعمارها من قبل هذا البعض، وفي الوقت الذي فيه سمة العصر، هي التحرر وارتفاع وتيرة المطالبة بحقوق الإنسان، قامت الولايات المتحدة وبمساندة دول غربية أخرى باحتلال العراق وأفغانستان وممارسة أبشع الجرائم فيهما وفي غيرهما من الدول.
وبالعودة إلى الحقبة الاستعمارية الايطالية لليبيا، والاعتذار والتعويض عنها، نقول تحية للموقف الايطالي الشجاع، ولتحذو كافة الدول الاستعمارية حذو ايطاليا.