للإجابة على هذا السؤال، لابد في البداية من تعريف وتحديد مفهوم السعادة. هناك العديد من التعاريف، حتى أنه يصعب حصرها. والقاسم المشترك والعام لها هو: السعادة لشخص محدد هي تحقيق أهدافه القريبة والبعيدة. طبعاً، هذه الأهداف تختلف من شخص لآخر، ومن هنا تختلف السعادة من شخص لآخر حسب أهدافه وسلم الأوليات لديه. تبدأ السعادة بتنظيم أفكارك وأهدافك وماتريد تحقيقه في الحياة. إذاً منبع السعادة هو في داخلك، هو عقلك وأفكارك. إن عدم فهم هذه الحقيقة يؤدي بالعديد من الناس إلى البحث عن السعادة خارج ذاته وأسرته ومحيطه!
وحالياً أصبح من المعروف أن الإنسان يستغل فقط من 10% إلى 15% من مقدرات عقله، الذي سميته في مقال سابق الكومبيوتر الشخصي. فكيف تستطيع أن تستفيد من عظمة مقدرات هذا الكومبيوتر البيولوجي، دون الدخول في فهم آلية عمله الداخلي؟تماماً، مثل إستخدام الكومبيوتر دون معرفة البرمجة. تستطيع وضع أصابعك على بعض الحروف والإشارات والأرقام، وبسرعة البرق يعطيك النتائج من نصٍ وحسابات معقدة! وفي علم النفس توصل العلم إلى بعض النتائج المذهلة للإستفادة من عظمة الفكر. وهنا، يلعب دوراً أساسياً فهم العلاقة بين الطبقات الثلاثة: الوعي – ماتحت الوعي - مافوق الوعي.
من المعروف للإنسان بشكل جيد هو طبقة الوعي، وهو كل ما تتذكره وماتدركه من أفكار ونشاطات. إن الوعي لدى الإنسان يقوم بدور مُشابه لقبطان السفينة الذي يعطي الأوامر، وماعلى أعضاء الجسم سوى التنفيذ دون أي اعتراض. من هنا، تنبع أهمية التفكير الإيجابي، لأن طبقة ماتحت الوعي – لاتفكر – بل تنفذ دون أي اعتراض. ومن أهم شروط تنفيذ طبقة ماتحت الوعي،لما تريده على مستوى الوعي هو:
1. التكرار: عليك تكرار ماتريد تحقيقه يومياَ عدة مرات. مع استعمال الزمن الحاضر، لأن ماتحت الوعي تنفذ ماتقوله، ويبقى المستقبل للمستقبل البعيد. ولايجوز تكرار مالاتريده! من خصائص ماتحت الوعي، بأنها لاتستقبل ألفاظ "النفي"، مثل: لا، ليس، أبداً... إلخ. ومعروف هو مثال: لاتفكر في الفيل الأزرق! بماذا تفكر؟ طبعاً، في الفيل الأزرق. لماذا يحدث ذلك؟ لأنه على الفور يتم إلغاء – لا- وتبقى صورة الفيل مع صفته.
2. الصورة: أي أن تشاهد في مخيلتك صورة الهدف الذي تريده. فعلى سبيل المثال: إذا كنت تطمح لشراء سيارة جديدة من الصالون، عليك زيارة هذا الصالون ومشاهدة السيارة وحتى ركوبها، وتلمُس المقود والفرش وليحدثك البائع مطولاً عن ميزاتها ولاتترد في توجيه العديد من الأسئلة، لأنه بكل سرور مستعد للإجابة. ولاتنسى أن تأخذ الصور والكتيبات الدعائية عن هذه السيارة معك، مع الشكر والوعد بالعودة لعنده بعد التفكير بالموضوع. وفي البيت عليك يومياً مشاهدة سيارتك في الصور، وأن تتخيل نفسك وأنت تقودها باستمتاع.
3. الإيمان: إن إيمانك المطلق بالوصول إلى الهدف مع التكرار والصورة، شرط أساسي لتنفيذ ماتحت الوعي لما تريده. أما إذا كنت تردد وغير مقتنع بالنتائج، فلا تتوقع أن تحصل على ماتريد. وهذا يذكرنا بمثال الطالب في كلية الطب، وهوغير مقتنع بعد بأنه سيكون طبيباً في المستقبل! وتوقعاته ستكون حقيقة.
5. الرغبة الجامحة: وهي تختلف عن الرغبة العادية، كاختلاف الرغبة في التنفس لدى الشخص على اليابسة ولدى الشخص تحت الماء بعد بضع دقائق. أي عليك أن تكون لديك التعطش والرغبة الجامحة للحصول على هدفك مهما كانت الصعوبات.
وهي حالة من المشاعر التواقة التي تحركها في داخلك.
إن طبقة ما تحت الوعي لها تأثير مباشر على حياتك اليومية وعلى مستقبلك وعلى محيطك. فهي تؤثر على أفكارك وعلى تصرفاتك، بحيث تتحول الرغبة الجامحة إلى حالة مادية أي إلى حقيقة. وكم من الأشخاص، يكرر على سبيل المثال بأنه مريض رغم فحص الأطباء له، وقولهم بأنه: سليم ومعافى. وبعد فترة من الزمن مع تكراره وإيمانه وثقته بأنه مريض، يتحول في الواقع إلى إنسان مريض. وعندها، يؤكد بأنه هو كان على حق، وكل الأطباء على خطأ. ولكن من الممكن عكس الصورة.
لإنسان مريض حقيقة، ولكنه يكرر لنفسه بأنه مُعافى، وفي كل يوم يردد: إن صحتي تتحسن يومياً، وفي كل يوم هي أفضل من اليوم السابق. وبعد فترة من الزمن سيكون بالتأكيد معافى. وهذا لايعني بالطبع، عدم مراجعة الأطباء وتناول الأدوية المناسبة.
ولن أدخل هنا في مجال طبقة ما فوق الوعي، فهي مفهوم نفسي وفلسفي معقد، ولايوجد اتفاق بين العلماء حوله. وبعض العلماء يصفه بالفكر العام للكون، وبأن فكر الإنسان هو جزء منه. وبأن من خلال صلة ماتحت الوعي بما فوق الوعي يتم تغيير الأفكار إلى مادة. وبغض النظر عن هذه المفاهيم النفسية والفلسفية، نستطيع الجزم بعظمة الفكر الذي يحمله الإنسان، وبأنه عليه أن يعمل بشكلٍ مستمر للإستفادة من هذه الطاقات الخلاقة التي يحملها بين أذنتيه.
عزيزي القارىء ..إنك تحمل مفتاح سعادتك، وماعليك سوى أن تستفيد من هذا المفتاح، ولا تبحث عنه خارج ذاتك.
وتأكد بأنك تستطيع تغيير حياتك إذا غيرت أفكارك.