أحداث جورجيا وحرب القوقاز كانت بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير" فالبداية الفعلية لسباق التسلح العالمي الجديد، كانت مع تسلم بوتين للسلطة في روسيا، وبعد انهائه الإصلاحات الداخلية في البلد الذي يعتبر الوريث الرئيسي للاتحاد السوفييتي.
أحداث جورجيا ما زالت تتفاعل على الصعيد العالمي، ومن الصعب التكهن بأن تداعياتها ستنتهي على المدى القريب المنظور، فالرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف وفي الكلمة التي ألقاها في الاجتماع السنوي لنادي (فالداي) الذي يضم صحافيين وخبراء في الشؤون الآسيوية، قال وبصريح العبارة إنه "لن يتردد ثانية في مهاجمة جورجيا، حتى لو كانت في طريقها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، في حالة إذا ما قامت باستفزاز روسيا - الجمعة 12/9/2008"، كما حذر رئيس الوزراء بوتين بولندا والتشيك من استضافة الدرع الصاروخية الأمريكية.
على الجانب الآخر، تتصاعد وتيرة التوتر في أمريكا اللاتينية، والتي كانت تعتبر حتى وقت قريب "الحديقة الخلفية" لواشنطن بعد الطرد المتبادل للسفراء بين الولايات المتحدة من جهة، وكل من بوليفيا وفنزويلا من جهة أخرى، كما يضيف التواجد العسكري الروسي في أمريكا اللاتينية بعداً جديداً للتوتر القائم بين واشنطن وموسكو إثر الحرب القوقازية، واصرار الولايات المتحدة، على نشر الدرع الصاروخية في بولندا والتشيك، كما أعلنت اوكرانيا وجورجيا استعدادهما المطلق للمشاركة في نشر الدرع، الأمر الذي يعني بالفعل إحاطة روسيا تماماً بالصواريخ الأمريكية، وبالتأكيد فإن موسكو لن تقف مكتوفة الأيدي والحالة هذه، ما يعني وجود أحداث اضافية أخرى تعمل على زيادة التوتر على الصعيد العالمي.
يتضح مسار العلاقات الروسية من جهة، والأمريكية - الغربية من جهة أخرى، أنه يتخذ مسار التأزم المتدرج للعلاقات إذ ليس من الصعب على موسكو إيجاد الحلول العسكرية للصواريخ الاعتراضية الأمريكية، فحليفها الرئيسي لوكاشينكو، رئيس جمهورية بيلوروسيا وفي ختام مباحثاته الأخيرة مع ميدفيديف أعلن بصريح العبارة أن روسيا البيضاء ستكون جزءاً من خطة عسكرية روسية للرد على الخطوات الأمريكية، كما أن أوكرانيا التي يعيش فيها ما يقارب نصف عدد سكانها من الروس، لن تكون من السهولة بمكان كلقمة سائغة للولايات المتحدة والناتو.
لقد سبق لروسيا إبان الحقبة السوفييتية أن وجدت حلولاً لمواجهة "حرب النجوم" الأمريكية في عهد الرئيس ريغان، لكن ذلك كلفها غالياً، وهو انهيار الاتحاد السوفييتي، بالطبع إضافة للعديد من العوامل الأخرى، ولكن هذه المرة، فإن الخزينة الروسية تحوي فائضاً كبيراً من الأموال، بفعل ارتفاع أسعار النفط، والحجم الكبير لارتفاع الصادرات العسكرية الروسية إلى مختلف دول العالم، الأمر الذي لن يؤدي إلى ارهاق كاهل الخزينة الروسية.
الحرب الباردة شقت طريقها إلى غير رجعة، وهذا ما سينهي عالماً أحادي القطب ويحوله إلى ثنائي القطبية.