Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
عن الإسلام والسياسة (2- 2)
 
يعود اليكم الموقع في حلته الجديدة راجين أن ينال رضاكم علماُ بأن أعمال التطوير قد تستمر لأيام قادمة ويسعدنا تلقي تعليقاتكم وأقتراحاتكم البنائه
 

الصفحة الرئيسية  |  عن الموقع  |  أسرة التحرير  |  الهيئة الإستشارية  |  إتصل بنا  |  مواقع  |  خريطة الموقع

ترسل المواضيع الى البريد الإلكتروني: editor@arabrenewal.com












 

 

 »  الصفحة الرئيسية  »  قضايا ومناقشات  »  عن الإسلام والسياسة (2- 2)
عن الإسلام والسياسة (2- 2)
 عبد الحليم قنديل | نشر  09/21/2008 | قضايا ومناقشات
عن الإسلام والسياسة (2- 2)

وصف الإسلام "بنظام الحياة" و"الشمول" و"الاستيعاب" صحيح إجمالا، لكنه ينطوي على جملة مآزق، لعل أظهرها ذلك التناقض الذي يثار بين العقيدة أو الأيديولوجيا الإسلامية الدينية من جهة، وبين العقائد أو الأيديولوجيات البشرية الوضعية من جهة أخرى، فالأيديولوجيات البشرية توضع أيضا كنظام للحياة مع اختلاف في درجات شمولها واستيعابها.

ومن ثم، وضعت الناصرية - مثلا- كأيديولوجيا وضعية في قفص الاتهام الديني، ووصفت بأنها "جاهلية جديدة". وصفها سيد قطب مفكر "الإخوان" بأنها كذلك، وكان سيد قطب يؤكد في كتابه (معالم على الطريق) أن الحكم لله وحده، وأن عقيدة الإسلام لا تتحقق بمجرد العبادات، وأن طاعة الله مطلوبة في شئون الحياة كافة، وكل ذلك صحيح، لكنه يضيف و"أن أي تشريع أو إيديولوجيا يضعها البشر تعنى الشرك بالله".

وسيد قطب ليس وحده في اتهام الناصرية وغيرها، إنه مجرد رمز متطرف على آراء الحركات الموصوفة بالإسلامية في بلادنا، ويلزم لرد الاتهام بالجاهلية أو كفر الأيديولوجيات الوضعية، أن نرد الأمر إلى أصوله.

نعود أولا إلى "دولة المدينة"، وهي دولة قادها نبي يوحى إليه، وامتزج فيها معنى السلطة الدينية بالسلطة الدنيوية، رغمها نجد استقلالا نسبيا لمعنى السياسة عن معنى الدين، كان الوحي القرآني ينزل على النبي منظما أمور المعاملات وقضايا التشريع المحضة، وتلك ميزة تفرق بين القرآن المدني والقرآن المكي الذي اقتصر على الاعتقاد التعبدي، وفي الوقت نفسه طالب القرآن رسوله أن يشاور شعبه في شئون الحرب والسياسة، إذن وجد مصدر إلهي صاغ جمله من قضايا التشريع الاجتماعي، وقام إلى جواره مصدر بشري "وضعي" حث عليه القرآن، كما في قوله تعالى "وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله" (سورة آل عمران من الآية 159)، وفي كتب السيرة النبوية نقرأ عشرات القصص نزل فيها النبي على أمر أتباعه رغم مخالفتهم لرأيه، أخذ النبي برأي أتباعه في قصة حفر خندق حول المدينة في غزوة الأحزاب، وفي اختيار موقع نزول الجيش في غزوة بدر، وفي تلك المواقف وأشباهها كان الرسول يضع حدودا للتمييز بين ما هو ديني محض وما هو أدخل في باب الدنيا سياسة وحربا، وكان الرسول يقول "ما كان من أمر دينكم فإلى، وما كان في أمر دنياكم فأنتم أعلم به"، ويقول "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، فليس الحكم والقضاء والسياسة دينا وشرعا وبلاغا يجب فيها التآسي والاحتذاء بما في سنة الرسول من وقائع وتطبيقات على إطلاقها، ويختلف الأمر فيما هو دين من سنة الرسول سواء ما تعلق منها بتطبيق الوحي القرآني أو الأحاديث المتواترة قطعية الورود قطعية الدلالة. وبعد دولة المدينة، ونهاية الجمع بين السلطتين الدينية والسياسية في شخص الرسول، أصبحت سلطة الخلافة الراشدة مدنية محضة، وزادت رقعة التمييز في السياسة عن الدين، بل أقدم الخلفاء والصحابة على تصرفات بالسياسة تناقض ما كان يفعله النبي نفسه، فقد اتفق الصحابة على عهدي أبى بكر وعمر على تعديل توزيع "خمس الغنيمة"، كان خمس الغنيمة وقت الغزوات والفتوحات يمثل موردا ماليا هاما للدولة الإسلامية الناشئة، وكان الرسول يقوم بتوزيع خمس الغنيمة على خمسة أسهم: لله وللرسول سهم، ولقرابة الرسول سهم، ولليتامى سهم، ولأبناء السبيل سهم، وللمساكين سهم خامس، وكان التوزيع في عهد النبي يتم على أمر ديني واضح ورد بنص القرآن، ولم يمنع ذلك الصحابة من تعديل نظام التوزيع عملا بتغير الظروف، وتم إلغاء سهمي الرسول وقرابته ووضعا في الخزانة العامة وخصصا لنفقات الحرب والدفاع، واقتصر التوزيع على أسهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل.

وحين حدثت الفتنة الكبرى، وتفرقت جماعة المسلمين شيعا في صراعات المجتمع والسياسة، ظل تقليد التمييز بين ما هو دين وما هو سياسة حاضرا حتى لدى المسلمين الذين رجحت الكفة ضدهم، ويصف الثائر العظيم على بن أبى طالب قتاله مع أنصار معاوية في معركة "صفين" بقوله "لقد التقينا، وربنا واحد ونبينا واحد، ودعوتنا إلى الإسلام واحدة"، ولم يحد عن ذلك الفهم الصافي المميز بين السياسة والدين غير الخوارج، فهم الذين ابتدعوا أسطورة "الفرقة الناجية"، وأضاعوا الحدود بين الدين والسياسة، وجعلوا حروب السياسة بين المسلمين حروبا دينية بين الناجين والهالكين، وقال زعيمهم "الخريت بن راشد الناجى" لعلي بن أبى طالب: "لا أطيع أمرك، ولا أصلي خلفك، وإني غدا لمفارقك لأنك حكمت في الكتاب". حدث ذلك بعد ظهور نتائج التحكيم في معركة "صفين"، وهى قصة سياسية محضة، لكن الخوارج جعلوا من خلافهم السياسي خلافا دينيا، وجعلوا غيرهم من المسلمين "أهل جاهلية"، ومن مجتمعهم مجتمعا جاهليا كافرا، واعتبروا دار أغلب المسلمين دار حرب، ودعوا إلى "مفاصلتهم عند العجز وقتالهم عند القدرة" تماما كما تفعل جماعات المفاصلة "الإسلامية" هذه الأيام.

ولا نريد ان نذهب - كما يذهب البعض- إلى أنه ليست هناك البتة إيديولوجيا إسلامية تلزم المسلم، بل هناك أيديولوجيا وشرع ونظام إسلامي بالفعل، لكن المهم أن نتبين حدودها حتى لا نضل الطريق القويم، فالإسلام عقيدة التوحيد وتنزيه الله عن التشبيه أو التثليث، وهناك العبادات وأركان الإسلام الخمسة التي يتحدد بها إيمان المسلم وجماعة المسلمين، ثم هناك الشريعة التي أتت بها الآيات "المحكمات" في القرآن لا "المتشابهات" القابلات للتأويل، وتكمل الشريعة أحاديث الرسول - شرط أن تكون متواترة قطعية الورود قطعية الدلالة، وبين آيات القرآن الكريم كلها - ستة آلاف آية- مائتي آية فقط تتضمن أحكاما في التشريع المجتمعي، أما السنة النبوية التي توصف بالمتواترة فيلزم فيها قول الفقهاء "نقل الكافة عن الكافة"، وأغلب علماء الأصول ينكرون أن في السنة - عدا ما يتعلق بالعبادات- أحاديث متواترة،، ويقول الراحل الشيخ محمد سعاد جلال: "إن الأحاديث المتواترة، حتى وإن كانت قطعية الثبوت ليست قطعية الدلالة، وربما داخلها الظن من جهة الدلالة، فانتفت قطعيتها من هذه الجهة وهنا تصبح السنة كلها مجالا للاجتهاد وإمكان تطوير الأحكام التشريعية".

وآيا ما كان الأمر، فإن معنى الشريعة الملزمة أو النظام الإسلامي الملزم يدور في نطاق محدد، أنه نطاق ما هو قطعي الدلالة في أحكام القرآن، وقطعي الورود والدلالة من أحاديث الرسول، ولا يدخل في باب الشريعة الملزمة - او باب الشريعة إجمالا- اجتهادات المدارس الفقهية الكبرى لدى السنة أو الشيعة، والفقه كله "وضعي" تداخله اعتبارات المكان والزمان والنوايا والعقول، وقد توقف الاجتهاد الفقهي كله في القرن الرابع الهجري بأمر من الخليفة العباسي المستعصم، وهو ما رتب للفكر الفقهي - بالتقادم- غربة عن أوضاعنا بعد عشرة قرون وتزيد.

جملة القول: إن في الإسلام - شريعة ونظاما- دائرتين متداخلتين: دائرة الشمول التوجيهي ودائرة الشمول الإلزامي، الشمول الإلزامي مقيد بالنص، والشمول التوجيهي مفتوح على متغيرات الزمن والظروف، فالاستقلال - فيما لم يرد فيه نص- هو الصيغة الحاكمة لعلاقات الشريعة بالسياسة، والتفكير الوضعي له سوابقه الممتدة في التاريخ الإسلامي فقها وسياسة، ومن ثم تكون الأيديولوجيات الوضعية "غير جاهلية" ما دامت تتوافق مع كليات وضوابط الإيديولوجيا الإسلامية، ولا غبار على مسلم يعتنق "أيديولوجيا وضعية" لا تتعارض مع نص ديني ملزم.


اضف تعليق
تعليقات


خيارات المقال