خلال الأشهر المقبلة سوف يحتاج القادة العالميون الى بذل جهود كبيرة من أجل تنظيف المجتمع الدولي من بقايا المرحلة البوشية ومن آثار الخراب الذي ألحقه جورج بوش به. ومن أجل تحقيق هذه الغاية هناك عدة مشاريع ومبادرات مطروحة على نطاق البحث في العديد من العواصم العالمية. ومن بين القيادات العالمية المعنية بهذه المسألة تبدو القيادة الروسية شديدة الاهتمام بعالم ما بعد جورج بوش، بل ب "عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية" كما دعاه لافروف وزير خارجية روسيا.
عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية، كما يراه لافروف والقيادة الروسية يختلف عن عالم اليوم، ولكن ليس اختلافاً كبيراً. هذا ما برز في المشروع الذي تقدم به ديمتري روغوزين، سفير روسيا الى حلف الناتو، باسم بلاده الى الحلف. في هذا المشروع اعتبرت موسكو أن الاوضاع الأوروبية والدولية هي استمرار لحال الحرب الباردة، وأن هذه الأوضاع تنذر بأخطار وتحديات كثيرة مثل تهريب المخدرات، الهجرة غير الشرعية، الإرهاب.
ولقد بدا المشروع الذي قدم قبل أيام قليلة من انفجار الأزمة الجورجية، وكأنه يتنبأ بها ويحذر منها عندما اعتبر خطر مشاريع الحلف الأطلسي مساوياً إن لم يكن يفوق من حيث أهميته الأخطار المشار إليها أعلاه. ولقد أشار المشروع الى مثل هذه الأخطار عندما قال إن روسيا لا تستطيع تجاهل تبعاتها ومضاعفاتها على أمنها واستقرارها، وإن روسيا بعد أن استعادت عافيتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية لا تستطيع التخلي عن عمقها الأوروبي. وفي ذلك إشارة صريحة الى الترابط بين الأمنين الروسي والأوروبي.
انطلاقاً من هذا الترابط، دعا المشروع الروسي الى قيام منظومة أوروبية جديدة وإلى توقيع معاهدة تأخذ في الاعتبار المتغيرات، وخاصة الروسية، التي طرأت على الوضع القاري. إن هذه الفكرة مطروحة على الأوروبيين بالدرجة الأولى، ولكنه طرح أوروبي بمقدار ما لأوروبا- ومنها في القلب روسيا- من أهمية على النطاق الدولي. استطراداً فقد اعتبرت موسكو أن هذا المشروع لن يقتصر على القارة الأوروبية فحسب، بل إنه سوف يتخذ طابعاً "أوراسيا" نسبة على آسيا وأوروبا- ودولياً عبر إشراك الحلف الأطلسي والهند والصين، فيلعب دوراً حاسماً في ضمان السلم والأمن العالميين.
مقابل هذا المشروع الذي طرحته موسكو، يعد الرئيس الفرنسي ساركوزي مشروعا لتعزيز القوات المسلحة الأوروبية العاملة في إطار الاتحاد الأوروبي. مشروع ساركوزي يختلف عن المشاريع التي قدمت خلال العهود الفرنسية السابقة، فتلك المشاريع قدمت إبان فترات اتسمت بالتباعد بين شطري الأطلسي الأمريكي والأوروبي، لذلك بدت تلك المشاريع وكأنها تسعى الى إقامة منظومة عسكرية اتحادية أوروبية تنمو وتقوى على حساب الحلف الأطلسي، وتتحرك في إطار استراتيجية أوروبية متباعدة أو مغايرة للاستراتيجيات الأمريكية. مشروع ساركوزي يختلف من هذه الناحية اختلافاً رئيسياً عن المشاريع الفرنسية أو الأوروبية السابقة، فهو يأتي في ظروف التقارب والتنسيق المستمرين بين الولايات المتحدة وشركائها الأطلسيين، والمشروع يهدف الى تعزيز الجناح الأوروبي للحلف الأطلسي وليس الى تقوية القوات العاملة في إطار الاتحاد الأوروبي على حساب الحلف.
اختار ساركوزي موعداً مناسباً لطرح هذا المشروع. فهو سوف يعلن قبيل مرحلة ما بعد جورج بوش، وهي مرحلة سوف تقود، سواء فاز ماكين أو أوباما بالرئاسة الأمريكية، الى تعزيز التعاون بين جناحي الأطلسي، فضلاً عن ذلك، فإن طرح المشروع الفرنسي يعقب الإعلان عن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي سوف يعتمدها البنتاغون لمواجهة التحديات الأمنية التي تواجه الولايات المتحدة. الاستراتيجية الجديدة بعيدة عن النظريات الأحادية التي طبقها رامسفيلد عندما كان سكرتيراً لنظارة الدفاع الأمريكية، فهي تؤكد أن التشريعات الدولية لا تشكل قيداً مكبلاً للمجهود العسكري الأمريكي، كما تؤكد أن واشنطن تنظر الى الحلفاء كرصيد لما يملكونه من القدرات والخبرات والمعرفة "غير المتوفرة في الولايات المتحدة".
وإذ توفر هذه المتغيرات الأمريكية فرصة مناسبة لنجاح المقترحات التي سوف يتقدم بها ساركوزي الى دول الاتحاد الأوروبي، فإن المهم هنا هو أن هذه المقترحات تهدف الى تعزيز أمن الأطلسي وليس الى تعزيز الأمن الدولي. بالطبع، الأطلسيون يعتقدون أن العكس صحيح، شأنهم في ذلك شأن مسؤولي شركة جنرال موتورز الذين كانوا يقولون "ما ينفع جنرال موتورز ينفع أمريكا". على هذا النسق يعتبر زعماء الأطلسي، مثل الرئيس الفرنسي، أن تعظيم قدرة الحلف سوف يخدم الاستقرار والأمن الدوليين. من المؤكد أن الزعماء الروس يخالفون الزعماء الأطلسيين هذا الرأي. إلا أن مشروعهم لتعزيز الأمن الدولي، يقف على نفس الأرضية التي تقف عليها المشاريع الأطلسية. فالمشترك بين مشروعي ساركوزي وروغوزين هو أن مسؤولية صيانة الأمن والسلام العالمي تقع على عاتق تحالف يضم مجموعات معينة من الدول. هذه النظرة تدير ظهرها للمجتمع الدولي ولمؤسساته.
تهدف هذه المشاريع، في نهاية المطاف، الى تعزيز الدور الدولي الذي تضطلع به الدول التي تتقدم بها وليس الى تعزيز الأمن الدولي. الباب الأفضل لتحقيق هذا الهدف الأخير موجود في نيويورك ويتمثل في هيئة الأمم المتحدة. هذه الهيئة على قصورها، فإنها توفر الإطار الأفضل لبحث قضايا الأمن والسلم في العالم. لا ريب أن الأمم المتحدة تصانع الأقوياء وتراعي مصالحهم على نحو يصطدم أغلب الأحيان بالشرعية الدولية، ولكنها تبقى أفضل من أي مشروع آخر يبنى خارج هذه المنظمة. أما الذين يسعون فعلاً الى الحد من النزاعات الملتهبة والى تطبيق العدالة في العلاقات الدولية، فأمامهم العديد من المشاريع لتطوير المنظمة الدولية مثل مشروع "خطة السلام" التي طرحها بطرس بطرس غالي الأمين العام الأسبق لهيئة الأمم المتحدة. فعبر تطبيق مثل هذه المشاريع يمكن الوصول الى عالم أكثر أماناً من العالم الذي نعيش فيه.