قال رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت في اجتماع لمجلس وزرائه (إن فكرة اسرائيل موحدة أو كبرى ماتت، وأضاف: هذه الفكرة لم يعد لها وجود، وكل من يتحدث عنها فهو واهم ولا يخدع إلا نفسه).
استنتاج رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي سيغادر منصبه مضطرا خلال الفترة القريبة القادمة، هو استنتاج
قال رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت في اجتماع لمجلس وزرائه (إن فكرة اسرائيل موحدة أو كبرى ماتت، وأضاف: هذه الفكرة لم يعد لها وجود، وكل من يتحدث عنها فهو واهم ولا يخدع إلا نفسه).
استنتاج رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي سيغادر منصبه مضطرا خلال الفترة القريبة القادمة، هو استنتاج صحيح لكنه لم يعبر عن الحلم الصهيو-اسرائيلي بشكل كامل، الذي هو بمثابة عقيدة ايديولوجية، واستراتيجية سياسية، مازال كثيرون يؤمنون بهما في اسرائيل ويعيشون على أمل تحقيق دولة (إسرائيل الكبرى) في المنطقة.
نقول: عن صوابية الاستنتاج وفي نفس الوقت عدم دقته للأسباب التالية: ان فكرة (إسرائيل الكبرى) تتلخص في الهيمنة الجغرافية على مناطق واسعة اخرى في المنطقة العربية (غير الأراضي الفلسطينية بالطبع) وهذه المسألة ماتت فعلا، لكن مبدأ الهيمنة مازال قائما في الفكر الصهيوني (والاسرائيلي بالضرورة)، ولكن لأسباب موضوعية وذاتية، انتقلت الهيمنة من الحيز الاحتلالي الجغرافي الى الاحتلال الاقتصادي، من خلال سيطرة اسرائيل على اقتصاديات المنطقة العربية، وهو ما عبر عنه صراحة، شيمون بيريز (الرئيس الاسرائيلي) منذ فترة طويلة في كتابه: الشرق الأوسط الجديد، وقد تحدث فيه صراحة عن أهمية المزاوجة بين العقل الاسرائيلي والأموال الطائلة العربية في رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد أو الكبير (لافرق) ووضع الأسس لتقدمه الاقتصادي بالمنحى الاستراتيجي المستقبلي، الذي يضمن بشكل او بآخر: سيطرة مستقبلية إسرائيلية، هذه الفكرة تبنتها الولايات المتحدة استراتيجيا في رؤيتها لمستقبل المنطقة العربية، وقامت (11) وزارة ومعهدا دينيا بحثيا أمريكيا بوضع التصورات لخطوطها العريضة، بالتالي فلا يمكن الحديث عن موت فكرة (إسرائيل الكبرى) في الفكر الاستراتيجي الصهيوني.
اما لماذا تم التحول من شكل الهيمنة الجغرافية الى الاخرى الاقتصادية، فإن ذلك يعود الى الاسباب التالية:
أولا: وجود عقبات فعلية في تطبيق المشروع الصهيوني لأسباب خاصة باليهود أنفسهم، فالخطة الصهيو-اسرائيلية بتهجير كافة يهود العالم الى اسرائيل، واجهت ومازالت تواجه مصاعب كبيرة. بالتالي، فإن أي احتلال اسرائيلي لمناطق جغرافية جديدة، يلزمه بعد ديمغرافي عسكري اسرائيلي، وهو ما لم يتوافر في اسرائيل خلال المرحلة الحالية، ولذلك بكى رابين في عام 1967، حينما احتلت اسرائيل مناطق شاسعة عربية، وكان تساؤله الذاتي (كما عبر عنه) وكيف لنا ان نسيطر على كل هذه المناطق؟
ثانيا: العامل الفلسطيني ذاته الذي عبر عن نفسه اكثر ما عبر بالمقاومة الفلسطينية بكافة أشكالها وبخاصة العسكرية منها، الذي فرمل الحلم الصهيوني من جهة، ومن جهة أخرى عمل على الحد من الهجرة اليهودية الى اسرائيل، كما ساهم في رفع وتيرة الهجرة المعاكسة منها نتيجة لانعدام الأمن الى حد ما فيها، ونتيجة لأن حالة الحرب بين اسرائيل وبين الفلسطينيين والعديد من الدول العربية الاخرى مازالت قائمة مع الأخيرة (ولو في شكلها النظري) وهذه الحالة لها تداعياتها البشرية والعسكرية، والاقتصادية ايضا.
ثالثا: عوامل شعبية عربية بالضرورة، فاصطفاف الجماهير العربية مع القضية الفلسطينية واعتبارها قضيتها الرئيسية وفشل التطبيع معها (تجربة مصر بشكل رئيسي بعد اتفاقيات كامب ديفيد) كما الرفض الرسمي الاسرائيلي لما يسمى بمبادرة السلام العربية، إضافة إلى العدوانية الاسرائيلية الدائمة على الفلسطينيين والعرب (كما العدوان الاسرائيلي في عام 2006 على لبنان، وقصف مواقع في سوريا) كل ذلك وغيره، يعلق الجرس في أذهان العرب على الخطر المستقبلي الاسرائيلي ليس على الفلسطينيين وحدهم، وإنما على كل العرب: أمة وحكومات وشعوبا، فأحد الحلول الاسرائيلية للصراع يتمثل في اقامة دولة للفلسطينيين على الاراضي الاردنية، كما عبر عن ذلك عديدون من السياسيين والعسكريين الاسرائيليين، أي باختصار، فإن الهدف الاسرا-امريكي في الفصل ما بين القضية الفلسطينية وبعدها العربي، لم ينجح بالطريقة التي تتمنى اسرائيل ان ينجح بها.
رابعا: عوامل دولية، فإذا ما استثنينا الاحتلال الأمريكي (وبعض الغربي لكل من العراق وأفغانستان، فإن الاحتلال الوحيد الذي بقي في القرن الواحد والعشرين، هو الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية بمعنى آخر فإن طبيعة التحولات السياسية على الصعيد العالمي، والتفاف شرائح كثيرة دولية حول الحقوق الوطنية الفلسطينية وشرعية المطالبة بها والنضال من أجلها، إضافة إلى قرارات الأمم المتحدة حول الحقوق الفلسطينية، ووجود عالم القطبين (حتى انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية) ووجود دلائل على امكانية احياء هذه الظاهرة، والكره الذي تنظر به غالبية شعوب العالم الى ظاهرة الاستعمار واحتلال اراضي الغير، وارتفاع وتيرة المطالبة بحقوق الانسان، كل ذلك وغيره من العوامل يجعل امكانية احتلال اسرائيل لاراض عربية جديدة، امكانية غير واقعية، وستكون مدانة دوليا فيما لو نفذتها إسرائيل.
من جانب آخر، فإن انتصاري المقاومة الوطنية اللبنانية في عامي 2000 و2006 قد ساهما تماما في ازالة شبح الخوف من البعبع الاسرائيلي، وأثبتا بما لا يقبل مجالا للشك، امكانية هزيمة اسرائيل فيما لو توافرت الارادة، وعلينا ألا ننسى ما قاله رابين في حياته للصحفي الاسرائيلي حاييم بار، الذي نشر منذ عامين مقابلته مع رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق ومفاده: ان اضطراره لتوقيع اتفاقيات اوسلو في احد جوانبه، يتمثل في شك رابين في القدرة القتالية للجيش الاسرائيلي، وبالتالي لكل ذلك ماتت فكرة (إسرائيل الكبرى) جغرافيا، لكن الهيمنة ستظل هدفا اسرائيليا.