خلال الصيف الحالي، أسفرت جولات جديدة من التنافس بين العولمة والأقلمة، بناء التكتلات الإقليمية، عن نجاحات أخيرة للأخيرة على حساب الأولى. فخلال شهر يوليو/تموز الفائت انتهت مفاوضات منظمة التجارة العالمية في جنيف لاستكمال اتفاق الدوحة بصدد تحرير التجارة الدولية إلى الفشل. بالمقابل، سجلت محاولات بناء تكتلات إقليمية فعالة في العالم تقدماً مهماً. ففي نهاية شهر أغسطس/آب الفائت توصلت رابطة دول جنوب آسيا (آسيان) إلى عقد سلسلة اتفاقات بينها وبين الهند وأستراليا ونيوزيلندة إلى زيادة حجم التجارة مع هذه الدول إلى 70 مليار دولار خلال العام المقبل. هذه الاتفاقيات اعتبرت انتصاراً مهماً لآسيان واستطراداً لمشاريع الأقلمة في العالم، لأن آسيان هي اليوم واحدة من أهم التكتلات الإقليمية في العالم.
هذه التطورات ليست أحداثاً معزولة عن العلاقات الدولية وعن مسار المتغيرات الاقتصادية العالمية. تقارير منظمة التجارة العالمية تقول إنه منذ بدء مفاوضات الدوحة حول تحرير التجارة الدولية، لم تحقق العولمة تقدماً مهماً وحاسماً. بالمقابل تقول هذه التقارير إنه منذ ذلك التاريخ تم توقيع ما يزيد على 100 معاهدة حول التعاون الإقليمي في العالم، وان المنظمة تنظر حاليا في حوالي مائتي معاهدة من هذا النوع، وأنه من المتوقع أن يحمل المستقبل القريب المزيد من المعاهدات والاتفاقيات التي ترمي إلى تطوير العلاقات والتكتلات الإقليمية.
الفشل في جنيف لم يكن، بالضرورة، مقدمة للنجاح الذي سجلته آسيان، والنجاح الذي أحرزته الأخيرة لا يضر حركة العولمة ولا يمنع تقدم مشاريع تحرير التجارة الدولية. هكذا يقول المنطق وهكذا يقول الكثيرون من "العولميين" مثل ريتشارد فولك، استاذ القانون الدولي في جامعة برنستون، الذين يميز بين "عولمة ايجابية" تلتزم طريق العدالة وتحقق التقدم لجميع الدول والشعوب، وبين "عولمة سلبية" تزيد من رفاهية الدول الغنية على حساب الدول الفقيرة. فحسب فولك وصحبه من العولميين الايجابيين فإن مشاريع التعاون الإقليمي الايجابية، أي المشاريع التي تناهض السياسات الإغراقية التي تتبعها الدول الصناعية المتقدمة في الغرب، تعبد الطريق إلى العولمة الايجابية. بهذا المعنى يعتبر العولميون الايجابيون انه فيما تقوم منظمة "آسيان" بتطوير العلاقات التجارية بين دولها، وفيما تطور التجارة بينها وبين التكتلات والدول الأخرى، فإنها تلعب دوراً إيجابياً في الوصول إلى العولمة.
هل يمكن للمرء في المنطقة العربية أن يتحدث باللغة نفسها عن ثنائية العولمة والأقلمة في المنطقة العربية؟ هل يمكن القول إن نمو مشاريع التعاون الإقليمي في المنطقة يساعد على تحقيق التعاون على الصعيد الدولي؟ أم هل يمكن القول إن التوقف المؤقت لمشاريع العولمة، خاصة السلبية، يمنح العرب فرصة لالتقاط الانفاس وللنهوض بمشاريع التعاون الإقليمي قبل أن تسد العولمة الطريق أمام مشاريع التعاون الإقليمي العربي؟
في بعض مراحل القرن العشرين، وعندما كانت الفكرة العربية تؤثر تأثيراً كبيراً في الرأي العام والنخب الحاكمة، كان من المستطاع الإجابة بالإيجاب عن مثل هذه الاسئلة. ذلك أن ثنائية العولمة والأقلمة كانت وقتها تلخص بمشاريع عولمة سلبية، ومشاريع للتعاون الإقليمي العربي "الايجابي" من جهة أخرى. مشاريع الهيمنة الامبريالية كانت تقف بقوة ووضوح ضد النوع الثاني من المشاريع وتدعم بقوة "السيادة الوطنية" للدولة العربية ضد مشاريع التعاون الإقليمي. هذا الموقف الصارم انسحب حتى على مشاريع التعاون الإقليمي التي بدأتها دول غربية مثل "مركز تموين الشرق الاوسط" البريطاني المنشأ.
في أيامنا هذه، الإجابة عن الأسئلة المطروحة اعلاه لم تعد بديهية. فبعد التراجع الكبير الذي أصاب الفكرة العربية، وبعد تحول النظام العالمي إلى الاحادية القطبية، وبعد ازدياد اتكال الدول الصناعية في الغرب على النفط العربي، تمكنت هذه الدول من مصادرة فكرة التعاون الإقليمي في المنطقة ومن تحويلها إلى مشاريع تخدم "العولمة السلبية" التي حذر منها فولك. في هذا السياق تحولت هذه الدول من مدافع عن سيادة الدول الوطنية في وجه مشاريع الاندماج "المغامرة" و"غير الواقعية"، إلى مبشر بمزايا التعاون الإقليمي وحسنات التنسيق والتكامل بين دول المنطقة، حتى ولو أدى هذا التكامل إلى الانتقاص من السيادة الوطنية. وبينما كانت هذه الدول تقف موقفاً صارماً، مع انصارها وحلفائها الإقليميين والمحليين، ضد مشاريع التعاون التي دعا اليها متبنو الفكرة العربية، إذا بها اليوم تتبنى تقريبا نفس الفكرة التي دعا إليها الاخيرون. نقول تقريباً لأنه هناك فرق "طفيف" تجلى في اسقاط الصفة العربية والانكار التام لها في المشاريع التي رعتها الإدارات الأمريكية بصورة خاصة. هذا التحول وضع المعنيين بالاستقلال الحقيقي لدول المنطقة والمعنيين فعلاً بتحقيق التنمية فيها أمام ما يشبه الطريق المسدود. فبدلاً من أن يكون التعاون الإقليمي طريقاً إلى حماية ثروات المنطقة المادية والطبيعية وتوظيفيها في خدمة أبناء المنطقة ووسيلة إلى بناء عالم أكثر عدلاً ومساواة، إذ بمشاريع الاقلمة تتحول إلى أداة مختارة من اجل تثبيت الهيمنة على المنطقة. وبدلاً من ان تكون مشاريع التعاون الإقليمي وسيلة إلى تحقيق السلام والأمن الإقليميين بين الدول العربية، إذ بهذه المشاريع تتحول إلى أداة لتعميق وتأبيد الخلافات بين هذه الدول. هل يعني ذلك ان يتراجع المعنيون بالتعاون الإقليمي العربي عن مشاريعهم؟ هل يعني أن هذه المشاريع سوف تتحول بالضرورة إلى ملحق بمشاريع العولمة السلبية؟
كلا. فهناك فرق كبير بين مشاريع للتعاون الإقليمي تهدف إلى خدمة مصالح شعوب ودول المنطقة، ومشاريع اخرى ترمي إلى خدمة مصالح الدول الكبرى فقط. هناك فرق كبير بين مشروع مثل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى والسوق العربية المشتركة وهي مشاريع نابعة من المنطقة وتستجيب إلى حاجاتها التنموية، وبين مشاريع الشرق الأوسط الكبير والجديد والاوسع واتحاد المتوسط. المعنيون بالأقلمة العربية يستطيعون أن يقلبوا الطاولة على دعاة المشاريع الأخيرة. يستطيعون الإشارة إلى هذه المشاريع كدليل ساطع على هشاشة موقف دول العولمة السلبية تجاه الإقليمية، فهي معها إذا كانت تخدم مصالحها وهي ضدها، ضد الإقليمية العربية، إذا كانت تخدم مصالح دول المنطقة وتحمي ثرواتها وسيادتها من التسلط الدولي. الأهم من ذلك، أن المعنيين بالأقلمة العربية يستطيعون الإفادة من الحبر الذي يسيله دعاة الشرق أوسطية والمتوسطية في الترويج لمشاريعهم للتأكيد على أهمية التعاون الإقليمي، ومن ثم للتأكيد على أن مشاريع التعاون الإقليمي العربي هي التي تحمل إلى المنطقة النتائج الإيجابية فحسب.