كاتب مصري
فاجأنا المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع المصري الأسبق ورحل في هدوء لا يتناسب مع اسمه وتاريخه. ورغم أن الموت في حد ذاته يأتي على قائمة المفاجآت التي نواجهها، إلا أن حدوثه يتفاوت في تأثيره وتداعياته من فرد لآخر، ومن حالة لأخرى، ومن مجتمع لآخر. فالمصريون على سبيل المثال يتعاملون مع كوارث الموت
فاجأنا المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع المصري الأسبق ورحل في هدوء لا يتناسب مع اسمه وتاريخه. ورغم أن الموت في حد ذاته يأتي على قائمة المفاجآت التي نواجهها، إلا أن حدوثه يتفاوت في تأثيره وتداعياته من فرد لآخر، ومن حالة لأخرى، ومن مجتمع لآخر. فالمصريون على سبيل المثال يتعاملون مع كوارث الموت التي تواجههم برا وبحرا وجوا بنوع من التعود واللامبالاة، وكأنها جزء من الحياة اليومية.
علينا أن نتذكر هنا بعض الأمثلة لهذه الكوارث: الموت بحرا في كارثة العبارة، والموت جوا في كارثة الطائرة المصرية القادمة من أميركا، والموت برا في كارثة القطار وغيرها من حوادث السيارات شبه اليومية، وأخيرا وليس آخر الموت جوا وبرا في كارثة الدويقة الأخيرة!
لقد جاء رحيل المشير أبوغزالة متوافقا مع أحداث الدويقة الأخيرة التي مازالت رائحة جثث المصريين الغلابة تنبعث من بين شقوق صخورها التي دهست وفتت وهرست وطمرت أجسادهم.
وهى كارثة بكل المقاييس كانت تستدعي سقوط حكومات وتغيير أنظمة في أية دولة حقيقية تبتغي الأمن والأمان لمواطنيها، لكن حالة الثبات والجمود التي عهدتها مصر منذ عقود طويلة قد فاقت حجم الكوارث التي يواجهها المصريون ليل نهار. وهو ما يجعلنا نتحسر أشد الحسرات على رحيل بطل وطني عسكري مثل المشير أبوغزالة.
ولا تنبع أهمية الفقيد من كونه أحد العسكريين القلائل الذين خاضوا العديد من الحروب، وعلى رأسها حرب السادس من أكتوبر، ولا للأوسمة والنياشين التي حصل عليها، لكن أهميته تنبع من إحساسه بقيمة مصر وأهميتها في المنطقة، والأعباء الملقاة على عاتقها في مجال الأمن القومي في زمن عز فيه الإحساس، وتبلدت فيه المشاعر الوطنية.
وهو الأمر الذي جعله يصطدم اصطداما مباشرا في تعليقاته وكتاباته المختلفة مع العدو الإسرائيلي الذي رآه يمثل تهديدا مباشرا وحقيقيا بالنسبة لأمن مصر وأمن المنطقة. وربما كان أبوغزالة دقيقا جدا في فهمه وتصوره للأمن القومي المصري والعربي، حينما ربطه ربطا مباشرا ومحكما بوضع إسرائيل في المنطقة والتهديدات المرتبطة بها.
وفي زمن لا يتحدث فيه الكثيرون إلا عن ذلك السلام الباهت الخائن، حتى في ظل التهديدات الإسرائيلية المتواصلة، كان سعي أبوغزالة الدءؤوب من أجل تسليح مصر، والعمل على إنتاج وتطوير السلاح المصري من أجل مواجهة العدو الإسرائيلي في أي لحظة تحين فيها المواجهات العسكرية المحتملة والقائمة والآتية إن آجلا أو عاجلا.
وفي لحظة من اللحظات كان أبوغزالة حديث الناس في الشارع المصري وخطابهم اليومي. لقد كان بالنسبة لهم الضمير الغائب الذي يحلمون به، العادل المنتظر، صاحب الكبرياء الذي يستطيع أن يواجه إسرائيل ويرد لمصر كرامتها ووضعها في المنطقة. من الممكن أن يتحمل المصريون الفقر الذي يعايشونه ليل نهار، لكنهم بجانب ذلك يحلمون بالبطل المنتظر الذي ينقلهم من الضعف إلى القوة ومن الخواء إلى الامتلاء.
لم يكن أبوغزالة حديث الناس في الشارع المصري فقط، لكنه، ومن خلال امتلاكه لتلك الشخصية الكارزمية، كان محبوبا في الأوساط العسكرية سواء من القادة العسكريين الكبار أو من الضباط الصغار. ومشكلة المصريين تكمن في ارتباطهم الهائل بالشخصيات الكارزمية التي تقودهم في محبة وعزة إلى الأمام.
وهي مشكلة كبيرة لأنهم يتكلون علي هذه النوعية من الشخصيات وينتظرون منها صنع المعجزات. ألم تظهر مأساتهم هذه واضحة مع جمال عبدالناصر الذي انتظروا منه صناعة كل شيء وتغيير العالم كله من حولهم. ورغم ذلك فإن مصر تتخبط وتنهار حينما تغيب عنها الكاريزما وينخر عظامها الجمود.
من عجب أن تفقد مصر أبطال السادس من أكتوبر الحقيقيين واحدا بعد الآخر، يرحلون في صمت وهدوء بعيدا عن صخب السياسة وضجيج الإعلام. ومن المفارقات التاريخية أن يرحل أبوغزالة في ظل هذا الصخب الحاد المرتبط بكارثة الدويقة، وكأنه يرحل مشفوعا بابتهالات الفقراء، أبناء مصر الغلابة، أن يرحمه الله، ويرزقهم في هذا الشهر الكريم بأمثاله الأوفياء الأطهار.
من المفارقات المحزنة أن يرحل أبناء مصر العظام ممن يمتلكون رؤية التغيير والرغبة في حدوثه وحماية الأمن القومي المصري والعربي على السواء، ولا يبقي لنا سوى تلك الوجوه الجامدة التي تطبق على أنفاسنا ليل نهار منذ عقود طويلة. رحم الله المشير أبوغزالة ورحم الجثث التي مازالت مطمورة تحت سنون الصخور وحرارة شمس الدويقة الملتهبة وقاطنيها المعدمين.
cdbcd