خلال فترة لا تزيد عن الاسبوعين تفرغ لجنة الادارة والعدل في مجلس النواب اللبناني، كما هو مقرر ومتوقع، من دراسة واعداد مشروع قانون الانتخاب الجديد تمهيدا لاحالته الى المجلس النيابي بقصد مناقشته. ومن المفروض ان يتضمن القانون بعض البنود الاصلاحية الرامية الى تطوير الحياة البرلمانية والسياسية في لبنان، وقد جاء العديد منها في مشروع القانون الذي اعدته الهيئة الوطنية لقانون الانتخابات النيابية (لجنة بطرس).
وتسعى هذه المقترحات الى معالجة بعض الظواهر التي تكمن وراء العجز الديموقراطي الذي نعاني منه في لبنان ومن اهمها، وابرزها تدني مستوى المشاركة الشعبية في الحياة السياسية. وتتجلى هذه الظاهرة بداهة في انخفاض نسبة المقترعين في الانتخابات العامة. ففي الانتخابات النيابية التي جرت خلال عام 1992 لم تتجاوز نسبة المقترعين والمقترعات 30 في المئة من مجموع المواطنين والمواطنات المسجلين على لوائح الشطب. وخلال الانتخابات العامة الاخيرة التي جرت عام 2005 لم تتجاوز نسبة المقترعين في العاصمة اللبنانية بيروت 31 في المئة من مجمل الناخبين. وتتجلى ظاهرة انخفاض نسبة المقترعين بصورة اقوى وأمر في الانتخابات البلدية ففي الانتخابات التي جرت عام 2000 لاختيار المجلس البلدي لبيروت لم تتجاوز نسبة المقترعين العشرين في المئة من مجموع الناخبين.
هذه النتائج تدل على عجز ديموقراطي كبير خاصة اذا ما قارنا ارقام المقترعين في الانتخابات العامة في لبنان بارقام المقترعين في الديموقراطيات المتقدمة. ففي بريطانيا مثلا بلغت نسبة المقترعين خلال الانتخابات العامة عام 2005 ما يفوق 72 في المئة من مجموع الناخبين. ولئن وجد البعض خطأ في مقارنة الممارسة الديموقراطية والانتخابية في لبنان بالممارسة الانتخابية في بريطانيا ذات التجربة البرلمانية العريقة، فان مقارنة لبنان بماليزيا، البلد الذي تعرف على الديموقراطية بعد زمن من دخولها لبنان تفضي الى نفس النتائج. ففي الانتخابات الماليزية التي جرت خلال هذا العام بلغت نسبة المقترعين 70 في المئة من مجموع الناخبين اي ما يزيد عن ضعف نسبة المقترعين في الانتخابات النيابية اللبنانية الاخيرة.
يرتبط الانخفاض الكبير في نسبة المقترعين في الانتخابات النيابية في لبنان بسلسلة من الظواهر الفرعية التي تسبب اضرارا كبيرة للديموقراطية اللبنانية. فتدني نسبة المقترعين يعكس استحواذ تحالف اقلوي يضم فريقين من المواطنين: من جهة، يضم لفيفا من رجال السلطة والمال ومن «البلطجية» وفي كثير من الاحيان من قوى منظمة ولكن غير ديموقراطية. ومن جهة اخرى، يضم هذا التحالف فريقا من الناخبين «المحترفين» الذين يجدون في الانتخابات سوقا فحسب. واذا كان البعض يساهم في العملية الانتخابية بفعل ولاء عقيدي او طائفي او شخصي او حتى زبائني لهذا المرشح او ذاك، فان الناخب المحترف الذي بات يشكل معلما مهما من معالم العملية الانتخابية اللبنانية يختلف عن هؤلاء اختلافا مهما. فبينما تبقى خيارات الاولين الانتخابية ثابتة، حقيقية ووجدانية حتى ولو كانت خاطئة، يبقى الناخب المحترف الذي يلعب دورا مهما في تقرير النتائج الانتخابية مستعدا لتغيير موقفه من المتنافسين حسب قوانين العرض والطلب، وحتى اللحظات الاخيرة من عملية الاقتراع.
ويعرض ايليا ايليا، الباحث اللبناني في بحث تضمنه كتاب «الانتخابات النيابية في لبنان 2005 في خضم التحولات المحلية والاقليمية» الصادر عن المركز اللبناني للدراسات، مشاهد واقعية عن الدور الذي تضطلع به «الماكينات الانتخابية» بالاضافة الى شركات متخصصة في احكام عرى التحالف بين الاطراف المشار اليها اعلاه ومن ثم في التأثير على الانتخابات العامة. ويبين ايليا في دراسته ان هذه الماكينات الانتخابية لا تساعد اللبنانيين على المساهمة في العملية الانتخابية والديموقراطية، بل على العكس تحد من اقبالهم على هذه العملية. ففي الاطباق المحكم لهذه الماكينات ومن يقف وراءها من قوى المال والسلطة على العملية الانتخابية تجد نسبة عالية من المواطنين والمواطنات ان نتائج الانتخابات هي مقررة سلفا وان القيام بالاقتراع لن يغير شيئا من هذه النتائج.
يحاول مشروع قانون بطرس معالجة ظاهرة انخفاض نسبة المقترعين عن طريق اقتراح تطبيق التمثيل النسبي في الانتخابات و تخفيض سن الاقتراع واعطاء المغتربين حق الانتخاب هذا فضلا عن تقديم مقترحات اخرى ترمي الى نفس الغرض. بيد ان هذه المقترحات، على اهميتها، تغفل اقتراح خطوة مهمة من شأنها ان ترفع نسبة المقترعين في الانتخابات العامة، وان تعزز دور المقترعات والمقترعين الذين يتحلون بالوعي السياسي والانتخابي، وان تساهم، بالتالي، في تطوير النخبة السياسية في البلاد. تتمثل تلك الخطوة في الانتخاب الالزامي الذي يجري تطبيقه بصورة جزئية او كلية في عدد متزايد من الدول يفوق 32 دولة في العالم مثل اوستراليا، بلجيكا، البرازيل، لوكسمبورغ، هولندا، وسويسرا.
ان الانتخاب الالزامي يقتضي، بالطبع، فرض عقوبات على المتخلفين عن الاقتراع. من هذه العقوبات ما هو مادي كما هو الامر في تركيا اذ تفرض عليه غرامة مالية، او في بوليفيا حيث يحرم من حقه في الحصول على راتبه او من حقه في سحب اي مبلغ من المصارف لمدة معينة. ومن هذه العقوبات ما يؤدي الى حرمان المواطن المتخلف عن الاقتراع عن بعض حقوقه المواطن المدنية مثل الحصول على خدمات ومساعدات من المؤسسات العامة لامد معين كما هو الامر في بيرو واليونان. واذا تكرر تخلف الناخب عن الاقتراع في بلجيكا فانه قد يتعرض الى حرمانه من الحق في الاقتراع او لحرمانه من الحق في الترشيح كما يحصل في بوليفيا.
يوجه البعض الى الانتخاب الالزامي انتقادات كثيرة. من هذه الانتقادات ان الانتخاب «حق» وليس «واجباً». ويعارض ناقدون الانتخاب الالزامي على اساس انه يجبر المواطن على ممارسات سياسية قد لا يؤيدها، ويشار هنا الى شهود يهوه الذين يعتبرون ان معتقداتهم تمنعهم من اتخاذ موقف سياسي. ويرى ناقدون آخرون ان الانتخاب الالزامي، على عكس المطلوب منه، يدفع الى صناديق الاقتراع بمواطنين لا يتمتعون بالوعي السياسي الكافي للمشاركة في العملية الانتخابية، او لا يجدون حافزا كافيا لتأيدد اي طرف من اطراف الصراع السياسي.
يرد المدافعون عن الانتخاب الالزامي على هذه الانتقادات، بان الانتخاب هو مسئولية مدنية تتساوى مع دفع الضرائب وغيرها من الالتزامات والمسئوليات العامة. ويميز هؤلاء ممارسة الاقتراع عن اتخاذ موقف حيال الاطراف المتنافسة. فبامكان المرء الذي يرفض تأييد ايا من المرشحين ان يدلي بورقة بيضاء فيقوم بواجبه الاقتراعي ولكن دون ان يأتي عملا يخالف قناعاته. اما عن نقص الوعي لدى الذين يتخلفون عن الانتخاب، فان دعاة الانتخاب الالزامي يعتقدون ان هذا العامل جدير بان يكون حافزا اضافيا الى تطبيق الالزام الانتخابي حيث انه سيحث المواطن اياه على بذل بعض الجهد للتفكير في المشاغل الوطنية وفي التعرف على الناخبين وللمفاضلة بينهم. اي بتعبير آخر، سوف يكون حافزا على تنمية الوعي الوطني بين المواطنين.
ويضيف متبنو الانتخاب الالزامي الى هذه المزايا التي يذكرونها في معرض الرد على الناقدين مزايا اخرى تضيف الى حسنات وفوائد هذا النوع من الانتخاب. ان نظام الانتخاب الطوعي يشجع المرشح على التوجه بنشاطه الانتخابي الى بيئة انتخابية محدودة العدد ومعروفة الولاءات بقصد الحصول على تأييد اكبر عدد من افرادها وناخبيها. بالمقارنة فان الانتخاب الالزامي يضطر المرشح الى التوجه الى جمهور اوسع نطاقا واكثر تنوعا مما يحد من فاعلية العوامل الفئوية في الانتخابات وينمي الاهتمامات الوطنية. فضلا عن ذلك فان الانتخاب الالزامي يزيد من مصداقية النخبة الحاكمة ومن مشروعيتها-هذا اذا كانت الانتخابات حرة ونزيهة وعادلة فعلا- العملية الانتخابية سوف تكون في هذه الحالة نتاج مساهمة الاكثرية من المواطنين لا قلة ضئيلة فحسب. ولئن كان الالزام عاملا مهما في ارتفاع نسبة المقترعين، فان تطبيق الانتخاب الالزامي لسنوات عديدة، كما حصل في اوستراليا وبلجيكا يحول الاقتراع الى تقليد سياسي طوعي والى حافز لكل تسعة من اصل عشرة مواطنين في البلدين للمساهمة في العملية الانتخابية كما لاحظت دراسة اعدتها مؤسسة «بحوث السياسة العامة البريطانية».
هذه الميزات الاخيرة تطابق حاجات الحياة السياسية اللبنانية. فما يمكن اعتباره في عداد الفوائد المستحبة في الدول الديموقراطية المتقدمة هو حاجة ملحة عندنا. نحن في امس الحاجة الى نظام انتخابي يعزز الانتماء الوطني ويحد من تأثير العصبيات الفئوية. نحن في امس الحاجة الى تعزيز ثقة المواطن والمواطنة اللبنانية المهمشين بقدرتهم على التأثير على مصير وطنهم ومستقبل بلدهم. نحن في امس الحاجة الى انسنة العملية الانتخابية والحد تأثير مكنات انتخابية تفسد العملية الانتخابية وتعلبها وتحولها الى ضمانة من ضمانات تخلف حياتنا السياسية. الانتخاب الالزامي لا يحقق كل هذه الاهداف ولكنه خطوة مهمة وضرورية على طريق تحقيقها.