Notice: Undefined index: plus_unique in /var/www/vhosts/arabrenewal.org/httpdocs/counter_plus.php on line 20
التجديد العربي - http://www.arabrenewal.org
الملهاة المأساوية للاتفاقية العراقية الأميركية
http://www.arabrenewal.org/articles/18354/1/CaaaaCE-CaaAOCaeiE-aaCEYCPiE-CaUNCPiE-CaAaiNBiE/OYIE1.html
محمد عارف

حاصل على شهادة الماجستير في الآداب قسم "صحافة".

ماجستير في العلوم(اقتصاديات العلوم والتكنولوجيا).

ترأس تحرير العديد من المجلات العلمية والتكنولوجية في لندن.

رئيس قسم العلوم والتكنولوجيا في صحيفة"الحياة" من (1988-2000).

من عام 2000 وحتى الآن يعمل مستشاراً للمؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا.

 
 محمد عارف
نشر في 09/3/2008
 

سطا لص على منزل فأمسكته ربة المنزل البدينة. طرحته أرضاً وقعدت فوقه بعجيزتها الضخمة، وزعقت بزوجها النائم تطلب منه الاتصال بالشرطة. قفز الزوج فزعاً، وسألها عن رقم هاتف الشرطة، فصرخ اللص من تحت الزوجة: الرقم واحد واحد واحد... بسرعة أرجوك!


الملهاة المأساوية للاتفاقية العراقية الأميركية

سطا لص على منزل فأمسكته ربة المنزل البدينة. طرحته أرضاً وقعدت فوقه بعجيزتها الضخمة، وزعقت بزوجها النائم تطلب منه الاتصال بالشرطة. قفز الزوج فزعاً، وسألها عن رقم هاتف الشرطة، فصرخ اللص من تحت الزوجة: الرقم واحد واحد واحد... بسرعة أرجوك!

هذا هو حال حكومة "المنطقة الخضراء" التي تقطعت أنفاسها تحت وطأة ما يُسمى "الاتفاقية بين حكومتي الولايات المتحدة وجمهورية العراق بشأن وضع القوات". بعد مرور شهرين على الموعد النهائي لتوقيع الاتفاقية أعلن أخيراً عن حل الفريق العراقي المفاوض، والذي يرأسه وكيل وزارة الخارجية محمد الحاج حمود، وتشكيل فريق جديد يرأسه مستشار الأمن القومي موفق الربيعي، وعضوية شخصين مقربين لرئيس الوزراء المالكي. وذُكر أن "الفريق الجديد يملك صلاحية أكبر لإنهاء المفاوضات بسرعة".

دخول الربيعي في الصورة يؤكد أن احتمالات تمرير الاتفاقية تراوح ما بين صفر ومائة. صفر يعني أن الاتفاقية لن توقع، ومائة تعني أن التوقيع عليها تم فعلاً ولم يبق سوى الإعلان عنه. والاحتمال كبير في أن يؤكد الربيعي الاحتمالين في آن، كما حدث في مرّات سابقة، منها على سبيل المثال تأكيده ونفيه تدخل حكومة طهران في شؤون العراق! وللربيعي العذر في قول الشيء ونقيضه في آن. ففي الأسبوع الماضي أعلن المالكي في اجتماع مع شيوخ عشائر عراقية أن على جميع القوات الأميركية المغادرة في نهاية عام 2011، وهذا يعني، حسب تأكيده عدم بقاء قطعات للتدريب، أو للحركات، أو مقيمة، أي "لن تبقى أي قوات أجنبية على أرض العراق".

أثارت تصريحات المالكي ردود أفعال في الولايات المتحدة، حيث اعتبرت مؤشراً على "نهاية اللعبة في العراق"، حسب صحيفة "يو. إس. أي. توداي". وأفردت لها "نيويورك تايمز" تقريراً رئيسياً عنوانه: "المالكي يضغط لأجل تحديد مواعيد نهائية للانسحاب"، وذكرت أنه واقع تحت الضغط الشعبي، وأن شعارات ساخرة ظهرت "حتى على جدران الأحياء الشيعية، مكتوب عليها: العراق للبيع: راجع المالكي"! وصرّحت للصحيفة "مريم الريس"، وهي مستشارة سابقة للمالكي، أنه قلق من دروس تاريخ "المعاهدة البريطانية العراقية" التي أسقطها العراقيون عام 1948. ونقلت عن أكاديميين مختصين بتاريخ العراق أن تلك المعاهدة أطاحت برئيس الوزراء آنذاك صالح جبر، والذي كان حسب تقديرهم "زعيماً سياسياً من الطائفة الشيعية".

وهذا اللغو جزء من الدردشة اليومية بين مراسلين ومحررين خنقتهم شؤون العراق، وسياسيين وموظفين محاصرين في "المنطقة الخضراء". ويجهل هؤلاء أن الشاعر محمد مهدي الجواهري، أشهر معارضي معاهدة عام 1948، ينتمي إلى واحدة من أهم الأسر الدينية في النجف. كذلك ينتمي إلى أسر شيعية مرموقة أبرز الأكاديميين والباحثين المناهضين للاتفاقية الحالية. وهل هناك كلام ينبض اليوم بقلوب العراقيين كرثاء الجواهري في قصيدته "أخي جعفر" شقيقه، الذي استشهد في المظاهرات ضد "معاهدة 1948":

"أتعلمُ أم أنت لا تعلمُ، بأن جراح الضحايا فمُ".

"فمٌ ليس كالمدّعي قولة، وليس كآخر يسترحم"ُ؟

هذه الحقائق لا تخفى عن كتاب ومعلقين أميركيين مناهضين للاحتلال. "روبرت دريفوس"، محرر شؤون العراق في مجلة "نيشن"، تساءل بسخرية في افتتاحية عنوانها: "هل المالكي وطني"؟ وذكر نقلاً عن مساعد للمالكي لم يصرح باسمه، أن تواريخ الانسحاب المذكورة في الاتفاقية مجرد مؤشرات، يستخدمها المسؤولون العراقيون لبيع الاتفاقية للجمهور. وأكد الأمر نفسه "توني فراتو"، الناطق في "البيت الأبيض"، والذي كرر ما سبق قوله دائماً، وهو أن "أي سحب للقوات من العراق يتوقف على الظروف القائمة على الأرض". وذكر أنها "مزايدات في المفاوضات الجارية حول توفير أسس قانونية لبقاء القوات الأميركية بعد انتهاء فترة تفويض الأمم المتحدة في شهر ديسمبر المقبل.

وقدرة حكام "المنطقة الخضراء" على خوض هذه المزايدات، كقدرة الشخص الذي توفي والده، وقصد المقبرة يسأل الدفان عن سعر القبر. قال الدفان: "بالميِّت سبعين ألف دينار". سأل ابن المتوفي: "زين... وإذا الميت من عندنا؟". وهذه نكتة تحطم القلب. فعدد الموتى "من عندنا" بلغ نحو مائة ألف شخص، حسب آخر نشرة أصدرتها منظمة "إحصاء أجساد العراقيين"Iraq Body Count. وهذا الرقم أقل عشر مرات عن رقم المليون الذي حدَّده بحث ميداني مشترك لمجلة "لانسيت" الطبية البريطانية، و"جامعة هوبكنز" الأميركية. مع ذلك نضيف رقم المائة ألف عراقي قتيل إلى مليارات الدولارات من موارد النفط العراقية المودعة في "بنك الاحتياطي الفيدرالي" في نيويورك، ونتساءل: أي شريك للولايات المتحدة في المنطقة، أو العالم، بما في ذلك حليفها الاستراتيجي إسرائيل، دفع ثمن الشراكة التي دفعها العراقيون، ثم ما الذي يحصلون عليه بالمقابل؟

تجيب عن السؤال نصوص الاتفاقية التي تسربت من بغداد، وهي مرآة تعرض ما أدى إليه خنوع المتعاونين مع الاحتلال، والذين أعلنوا يوم غزو بغداد عيداً وطنياً! فلينظر من أغلق عينيه آنذاك عن النظر في مواد الاتفاقية، والتي عرضها بشكل مستفيض الدكتور كامل العضَّاض، الباحث الاقتصادي العراقي ومستشار "منظمة الخليج للاستشارات الصناعية في الدوحة". يكشف بحث العضاض عن أن الشيطان لا يكمن فقط في التفاصيل، حسب التعبير الشائع، بل يطلع لسانه من كل مواد الاتفاقية وعناوينها.

المادة الخامسة على سبيل المثال تنص على "بقاء الممتلكات، كالمنشآت والأراضي، تحت التصرف الكامل لقوات الولايات المتحدة، لكنها تؤول بالنهاية إلى العراق... وأية أضرار تنشأ عن عمليات أو أفعال القوات الأميركية والأفراد التابعين لها، لا تعوّض إلاّ إذا كانت عمدية"، أي غير قتالية، وتجيز تسوية التعويضات مباشرة مع الأفراد المتضررين، بدون محاكم أو تدخل الحكومة العراقية، أي استفراد المواطنين العراقيين "وربما التوظيف السياسي".

مواد أخرى تجعل أراضي البلد مفتوحة للاستخدام المجاني من قبل القوات الأميركية لإدخال وإخراج أشخاص بدون جوازات، وأموال ومعدات، من دون رقابة أو تفتيش أو ضرائب، ولا قيود على إدخال العملات الأجنبية وشرائها وبيعها وتوزيعها، ولا بدلات إيجار عن الأراضي المستخدمة للقواعد العسكرية. وهذا ما لم تجرؤ واشنطن على فعله قبل مائة عام عند استئجار قاعدة غوانتانامو من جمهورية القمار والمتاجرة بأجساد النساء القائمة آنذاك في كوبا.

المادة 12 من الاتفاقية تحصر بالولايات المتحدة حق المقاضاة عن جرائم ضد العراقيين يرتكبها أفراد القوات العسكرية الأميركية والمتعاقدين (أي المرتزقة) من حملة الجنسية الأميركية أو غيرها. والمادة 9 تمنح القوات الأميركية حرية الحركة والاستخدام الكامل للسيارات والزوارق والطائرات، ومن دون دفع أجور أو رسوم، باستثناء رسوم تسجيل المركبات، وتعفيها من دفع أي تعويضات عن مخالفات أو أضرار تنزلها بالبنية التحتية أو البيئة. ولا يتمتع بهذه الإعفاءات الأميركيون وحدهم، بل الأطراف الأخرى من دول التحالف المشمولة تلقائياً بالاتفاقية. مقابل ذلك غير مسموح للعراق بإدخال طرف ثالث في الاتفاقية، بما في ذلك "الأمم المتحدة" التي شرعنت الوضع القائم.