يقول الانطباع الشائع في السياسة العربية إنه منذ اتفاق سايكس بيكو الذي رسم خريطة المنطقة السياسية دأبت دول الغرب الكبرى على حث حكام الدول العربية على الاهتمام بشؤون بلادهم وعلى عدم التدخل في شؤون الدول العربية الأخرى. واكثرت دول الغرب من توجيه هذا النصح، بصورة خاصة، إلى بعض الحكام الذين املوا في توسيع رقعة حكمهم أو نفوذهم عن طريق تنفيذ مشاريع اتحادية أو مشاريع تعاون اقليمي مع الدول العربية المجاورة.
ويعزو بعض المؤرخين هذا الموقف إلى علاقة دول الغرب الكبرى بالاتفاق وبالوضع الراهن (ستاتيس كو) الذي نشأ بموجبه. فالاتفاق تم استجابة إلى مصالح تلك الدول الاستراتيجية. وهذه المصالح لم تتبدل بحيث تبدل هذه الدول موقفها تجاه خريطة المنطقة. وهذه الدول عارضت مشاريع الاندماج القومي والاقليمي العربي، وكان احد اوجه هذه المعارضة السعي إلى تكريس الدول العربية القائمة كدول قومية بحيث يفوق الولاء لها أي ولاء قومي أو ديني أو اممي يتجاوز حدود هذه الدول. اخيرا لا آخرا واضافة إلى هذه العوامل التاريخية والاستراتيجية، فإن البعض ربط بين مواقف دول الغرب هذه، من جهة، وموقفها تجاه النظام الدولي بصورة عامة. فدول الغرب تعتبر نفسها هي المدافع الرئيسي عن النظام الدولي القائم. استطرادا فإن دول الغرب تعتبر ابتعاد الدول، عربية أو غير عربية، عن التدخل في شؤون بعضها بعضاً أمراً تحتمه مبادئ القانون الدولي.
ورغم تبدل الاحوال على النطاقين الدولي والاقليمي، فإن دول الغرب الكبرى لم تبدل سياستها هذه. وفيما كانت دول اوروبا الرئيسية تضطلع بالدور الرئيسي في الدفاع عن نظام سايكس- بيكو في المنطقة العربية، فإن انتقال زعامة الغرب من اوروبا إلى الولايات المتحدة ألقى بهذه المسؤولية على عاتق واشنطن. وهكذا اضطلعت الادارات الامريكية المتعاقبة بهذه المهمة، مهمة حراسة السيادات العربية والضغط على الحكومات العربية للامتناع عن التدخل في شؤون بعضها بعضاً.
ولئن لجأت واشنطن إلى الأقنية الدبلوماسية الخلفية من اجل ايصال هذه الرسالة إلى بعض الحكومات العربية الصديقة إذا ما تخطت حاجز عدم التدخل في شؤون الآخرين، فإنها لا تتردد في استخدام الضغوط المعلنة اذا ما اعتبرت ان حكومة عربية معينة تخطت هذا الحاجز. في هذا السياق الاخير، اعربت ادارة جورج بوش الثاني عن معارضتها القوية للتدخل السوري في لبنان والعراق. وكرر الرئيس الامريكي بوش نفسه هذا الموقف في مناسبات عديدة. فعقب اغتيال مدير العمليات في الجيش اللبناني العميد فرانسوا الحاج، دعا بوش المجتمع الدولي إلى الضغط على سوريا من أجل وقف تدخلها في الشؤون اللبنانية. وعندما انتهت ولاية رئيس الجمهورية اللبناني السابق اميل لحود دون ان يتمكن اللبنانيون من انتخاب رئيس جديد، حمل بوش التدخل السوري مسؤولية الفراغ الرئاسي في لبنان. وكرر الرئيس الامريكي بوش عن السيادات الوطنية العربية إذ ندد مرارا بالتدخل السوري في شؤون العراق، وبالدعم الذي تقدمه دمشق إلى المقاومة العراقية.
وتكرس هذه المواقف المستجدة الانطباعات القديمة حول حرص دول الغرب على سيادة دول المنطقة وعلى ضرورة تقيد حكام الدول العربية بمبادئ الشرعية الدولية القائمة عبر امتناعهم عن القيام باي عمل ينتقص من هذه السيادة أو يتعارض مع استقلال الدول المجاورة. ولكن هل تعكس مواقف دول الغرب الكبرى المعلنة تجاه سيادة واستقلال دول المنطقة بدقة مواقفها تجاه تدخل الدول العربية بشؤون بعضها بعضاً؟
تاريخ دول المنطقة يدل على ان مواقف دول الغرب الكبرى تجاه هذه المسألة خاضعة، إلى حد بعيد، لمصالحها القومية والاستراتيجية. فاذا كان تدخل دولة عربية في الشؤون الداخلية لدولة عربية اخرى يخدم اغراض الولايات المتحدة أو بريطانيا أو غيرهما من الدول المعنية بشؤون المنطقة العربية، فإن هذه الدول لا تسمح بمثل هذه التدخل فحسب، بل تتبناه وتشجعه هذا ان لم تحث عليه في الاساس. هذا ما فعلته بريطانيا تماما عام 1941 عندما وقعت الحرب البريطانية - العراقية. فخلال تلك الحرب، دخلت قوات تابعة للجيش العربي (الاردني) بقيادة الجنرال غلوب الاراضي العراقية واشتركت مع القوات البريطانية في محاربة الجيش العراقي وفي اسقاط حكومة رشيد عالي الكيلاني الوطنية. وبالطبع فإن قوات غلوب باشا كانت تنتهك السيادة العراقية وحق العراقيين في تبديل حكوماتهم وحكامهم، ولكن حكومة تشرشل لم تجد في ذلك أي خطأ بل على العكس شجعت هذا التدخل وتبنته اذ انه كان ينسجم مع اهدافها. فحكومة رشيد عالي الكيلاني كانت تتعاطف مع الفكرة العربية وتؤيد حياد الدول العربية في الحرب العالمية الثانية.
واذا كان هناك من التباس حول فهم الموقف البريطاني آنذاك باعتبار ان بريطانيا تدخلت وشجعت دولاً عربية اخرى على التدخل في الشؤون الداخلية للعراق انطلاقا من ان حكومة الكيلاني كانت تمهد للانحياز إلى دول المحور، فإن الحافز البريطاني على تبديل موقفها تجاه السيادة الوطنية العراقية يبدو بوضوح اكبر في ردة فعلها على موقف الزعيم العراقي نوري السعيد تجاه تطورات الحرب البريطانية - العراقية.
لقد كان نوري السعيد من السياسيين القوميين العرب المخضرمين الذين يدينون بالولاء إلى العرش العراقي والى مشاريعه الاقليمية. على هذه الخلفية، ايد السعيد تدخل الاردن في العراق ولكن على ان يسبقه اعلان وحدة عراقية - اردنية أي في اطار مشروع وحدوي عربي. هذا الاقتراح جوبه برفض بريطاني حازم، وبابعاد نوري السعيد عن مسرح العمليات الحربية أي من عمان إلى القاهرة، ورافق ذلك نقد عنيف وجهه المسؤولون البريطانيون إلى رئيس الحكومة العراقي السابق بسبب مشاريعه العربية. وكان هذا الموقف البريطاني منسجما إلى ابعد حد مع الاستراتيجية البريطانية العامة ومع مصالح النخبة البريطانية السياسية التي كانت تعارض مشاريع الوحدة العربية آنذاك سواء كانت هذه المشاريع ثورية مثلها رشيد عالي الكيلاني، اصلاحية، أم محافظة مثلها السعيد.
لعل هذا الفصل التاريخي يفيدنا في فهم بعض المواقف الغربية تجاه ما يدور في دول المشرق العربي راهناً. وفي ضوء تلك الواقعة التاريخية ووقائع كثيرة مشابهة، يمكن القول ان ادارة بوش لن تمانع في تدخل سوري أو غير سوري في شؤون لبنان والعراق الداخلية، بل على العكس سوف ترحب به وتدعمه اذا ما رمى هذا التدخل إلى مجرد تقديم مساعدة غير مشروطة إلى الولايات المتحدة حتى تحقق مصالحها في البلدين. أما إذا كان الغرض من هذا التدخل الوصول إلى اهداف مباشرة تحققها الدول التي تتدخل في الشؤون الداخلية للعراق أو لبنان، فإن ادارة بوش لن تتورع عندئذ عن اشهار سيف "الدفاع عن السيادات الوطنية" البتار في وجه المتدخلين.