ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد
هناك تسربات ضئيلة ومتضاربة بشأن مسار الاتفاقية الأمنية الأمريكية العراقية. فعلى السطح يظهر أن المفاوضين العراقيين والأمريكان، وكأنهم يُحاولون قطع الطفل نصفياً، يوزعون التباين بين الجدول الزمني لـ باراك اوباما المحدد بـ 16 شهراً لسحب القوات الميدانية الأمريكية لغاية العام 2010 وبين الجدول الزمني لـ مكين بسحب هذه القوات لغاية العام 2013. إذا ما كانت التقارير الصادرة مؤخراً صحيحة، فإن القوات الميدانية الأمريكية ستبقى لغاية العام 2011، منتصف المسافة بين "خطة اوباما" و"خطة مكين." يُضاف إلى ذلك أن الصورة القاتمة في كلتا الخطتين هي أن عشرات الآلاف من القوات الأمريكية ستبقى في العراق بدعوى تدريب وتجهيز القوات العراقية، محاربة "الإرهابيين"، حراسة محمية السفارة الأمريكية، والمساعدة على حماية الحدود العراقية. وفي هذا السياق، ليس هناك ما يُثير الابتهاج.. السطور التالية محاولة لكشف ما يدور خلف الكواليس..
من المُغري رؤية المحادثات الأمريكية- العراقية وكأنها مرتبطة، بشكل ما، بالضرورات السياسية للحملة الانتخابية الأمريكية هذا العام (2008)، لكن هذه الرؤية قصيرة النظر. فالأصل هو وجود ستراتيجية أمريكية فاعلة، وهي ستراتيجية محل موافقة أغلبية مستشاري اوباما والعديد من مستشاري مكين.
الهدف المحوري هو حماية حلفاء أمريكا حكام جبهة طائفة (الأغلبية) والإثنية الكردية في بغداد.. مهمة تزداد صعوبتها أكثر فأكثر ويوماً بعد يوم. وأيضاً الحاجة إلى ضمان قواعد عسكرية للقوات الأمريكية للبقاء في العراق لما بعد 31 ديسمبر - موعد نفاد تفويض الأمم المتحدة- وبذلك فالولايات المتحدة بحاجة مُلحّة يائسة للاتفاقية.
ولكن لنيل مثل هذه الاتفاقية عليها تحوير لغة craft language الاتفاقية ليتمكن رئيس حكومة الاحتلال في بغداد البقاء في ظلها. ففي فترة مبكرة من هذا العام، ظهر وكأن الولايات المتحدة على شفا انتزاع الاتفاقية من الطرف العراقي في ظروف اعتماد فئة الحكم في بغداد، وبدرجة ثقيلة، على القوات الأمريكية، والدعم السياسي الأمريكي. لكن الالتماسات المتكررة من رئيس حكومة الاحتلال في بغداد دفعت الرؤس الكبيرة في واشنطن إقناع بوش التكيف مع بغداد في إطار استخدام لغة ملفقة للاتفاقية.
ضغوط القوى الوطنية العراقية قوية جداً إلى درجة أن أية اتفاقية تُمدد للتفويض الأمريكي بدون تحديد جدول زمني وضوابط على نشاط الشركات الأمنية الخاصة الأجنبية، ستكون لها آثاراً قاتلة على رئيس حكومة بغداد. عليه يُحاول المفاوضون بناء اتفاقية بلغة مُخادعة مقبولة لدى رئيس الحكومة، وتوفر للقوات الأمريكية استقلالها.
من السابق لأوانه الحكم على بلوغ أي من الطرفين أهدافه من هذه الاتفاقية، رغم أن الجوهر سيبقى واحداً لصالح بقاء المحتل. فحتى "البرلمان العراقي"، وتحت ضغط القوى الوطنية المعادية للاحتلال، ستضطر إلى فحص وتدقيق الاتفاقية إلى حدود قد تحظى بالموافقة، تعديلها، أو رفضها.
وفي ظروف الطبيعة البطيئة لحركة النظام السياسي العراقي، فإن الموافقة على الاتفاقية قد تطول لغاية وقت متأخر من ديسمبر القادم. وهذا يفترض أن الولايات المتحدة يمكن أن تبتلع بعضاً من التعديلات العراقية. كما ولا زال هناك احتمال من إنهيار هذا المشروع برمته، وأن يتحرك الطرفان نحو الوراء ومن ثم تمديد التفويض الأممي ستة أشهر. وهذا سيصيب الرئيس الأمريكي القادم بالصداع.
يعتمد هذا الأمر في جوهره على ما سيحدث على الأرض في العراق، وفي المقدمة المقاومة الوطنية. وعلى أي حال هناك أعداد من الأزمات جاهزة للغليان والانفجار دون تبرئة فعل المحتل، وكأنها لا علاقة لها مع نجاح أو فشل الوصول للاتفاقية الأمريكية العراقية.
أولاً هناك المسألة المُلحّة- كركوك. لا أحد يملك مفتاحاً جاهزاً لحل هذه المعضلة. تُحاول الأمم المتحدة الوصول إلى خطة لتحييد المشروع الطَموح الكردي بضم كركوك إلى كردستان. وهذه المشكلة خلقت العقبات أمام "البرلمان العراقي" للوصول إلى قانون لانتخابات المحافظات. وليس هناك مؤشر لإيجاد حل قريب للقانون كما حصل العام 2003. إن انفجار مشكلة كركوك يمكن أن تنشر شرارتها حالاً باتجاه حرب أهلية.
ثانياً هناك هجوم مستمر للحكومة الطائفية ضد طائفة (الأقلية). ففي وقت مبكر من هذا الأسبوع، هاجمت قوات الأمن الحكومية القيادة السياسية للطائفة الأخرى في محافظة ديالى- شمال شرق بغداد. الأكثر خطورة أن عشرات من قيادات ما يُسمى بـ حركة أبناء العراق (الصحوة) تم اغتيالهم أو واجهوا معاملة مرعبة على أيدي وحدات من الجيش والشرطة الحكومية وفرق الموت التابعة لها.
في التايمز هذا اليوم عنوان رئيس "العراق يستهدف المجموعات المسلّحة لطائفة (الأقلية) المرتبطة بالولايات المتحدة،" وحسب تصريح أحد قادة حزب المجلس الأعلى الذي يُشكل جزءً من ائتلاف الحكومة الطائفية المؤيدة بقوة للطائفة الحاكمة في إيران... قال: إن الحكومة لا تستطيع قبول الصحوة.. إن أيامهم باتت معدودة.. لقد تحدث عن مائة ألف مسلّح "مدعم أمريكياً"!! فهل يكون بالإمكان تصفيتهم بسهولة؟
ثالثاً هناك وضع غير مؤكد، غامض، وصامت فيما يخص جيش المهدي. فمنذ أغسطس الماضي، أصبح هذا الجيش في حالة تقهقهر، وتمت السيطرة على معاقله في البصرة، العمارة، وبغداد من قبل ما يُسمى بقوات الجيش العراقي. لكن المصادر الأمريكية تقول أن جيش المهدي يحتفظ بجاهزيته وسلاحه، وأن العديد من مقاتليه وقادته انتقلوا إلى إيران بغية التدريب وإعادة التجهيز. وليس من الواضح تماماً أن حزبي الدعوة والمجلس الأعلى قد كسبا المعركة ضد هذا الجيش.
cdabcd
* ترجمة موجزة بتصرف.
* (Watch video: U.S. and Iraq set a pullout date).
Iraq on tenterhooks, By Robert Dreyfuss,Aljazeera.com, 27/08/2008.
-- Robert Dreyfuss is a contributing editor of The Nation magazine, and the author of Devil's Game: How the United States Helped Unleash Fundamentalist Islam (Metropolitan).
Source: Middle East Online