في يوليو 2006 وحتى توقف الحرب، كلنا كنا نرى سقوط كل النظريات التي أسست لفكرة أن الارهاب إسلام ومسلمون وعرب، حيث العالم كله كان يرى معنا حجم الارهاب الاسرائيلي/ الأمريكي على الأطفال والنساء والمجازر التي كان يتم ارتكابها في حق البشر والحجر وبعبثية وهمجية، في حين كان (النموذج الأخلاقي) حتى في الحرب، يتجلى في المقاومة ونهجها، وتركيز ضرباتها في الجنود المعتدين، وفي دبابات «الميركافا« وطائرات التجسس والبوارج العسكرية، مثلما كانت تركز صواريخها في ضرب المعسكرات والمستوطنات الشمالية، حتى ان المعمل الكيماوي في «حيفا« رغم وجوده آنذاك تحت مرمى صواريخ المقاومة، فإن «نصرالله« قرر عدم ضربه، تجنبا للمآسي الكبرى، فيما إسرائيل وأخلاقيات الحرب الصهيونية الهمجية ضربت المعامل والمصانع والمطار ومراكز الكهرباء والاعلام، ودمرت كل ما يقع تحت يديها، بل استهدفت باصات الاسعاف والنازحين، وسوت مناطق بأكملها بالأرض، لمجرد التنفيس عن أحقاد واستباحة لا تنتهيان، ليقف (بولتون) آنذاك ليقول بكل عنصرية وهمجية: «إننا لا يمكن أن نساوي أخلاقيا بين الضحايا العرب والضحايا الاسرائيليين«. فأيهما الارهاب؟! ومن هم الارهابيون؟! ومن هم الهمج؟! المدرسة الأمريكية كدولة إرهاب في العالم، واللاأخلاقية الاسرائيلية أم المسلمون المتمثلون في جند الـمقاومة أو جند الله كما تمت تسميتهم وهم يدافعون عن الوطن والأمة؟! وفي هذا يتضح أن (النموذج الأخلاقي) الذي أعطته المقاومة في هذه الحرب هو أيضا انتصار لها. { كلنا كنا نرى كيف مثلت المقاومة روح الوطنية الحقة في الدفاع عن الوطن وكشفت عن حرصها على الوحدة الوطنية في عز استفزاز قوى 14 شباط لها أثناء ضراوة المعركة، وهي القوى التي لاتزال مستمرة حتى اليوم في استفزازاتها حول المقاومة وسلاحها وعلى الرغم من اتفاق الدوحة وتشكيل الحكومة الوطنية في لبنان. وكلنا كنا نرى كيف مثلت المقاومة (البعد القومي)، وهي ببسالتها تعيد الكرامة إلى الانسان العربي أينما كان وكيف مثلت (الدين الواحد) من دون عقد المذهبية أوالطائفية أو العرقية، وكيف مثلت (المصداقية السياسية والاعلامية والعسكرية)، وكيف حافظت على نظافتها الفكرية، ورباطة الجأش في خضم أشرس الاستهدافات العسكرية الهمجية لها، وهي التي كانت تواجه في ذات الوقت طعن بعض الأنظمة العربية لها، مثلما تواجه بعض الفتاوى التحريضية ضدها، وطعون بعض النخب العربية وكيف كشفت عن صبرها وتواضعها وقلة كلامها، مثلما كشفت عن استعداداتها المفاجئة للعدو وللعالم كله في المعركة الصعبة التي كانت تتوقع حدوثها ولم تتوقع توقيتها، وكيف تمكنت هذه المقاومة من دراسة العدو (عسكريا وسيكولوجيا) دراسة عميقة ولافتة، فلم تحد قط عن التركيز في أنه العدو الأخطر والوجودي للبنان وللأمة كلها، فهزمت برؤيتها الواضحة، بعقلها وبروحها وبايمانها وإرادتها، ما لم يكن في حسبان ومقدرة أحد هزيمته، حتى ان بعض المراكز الاستراتيجية الامريكية اعتبرت أن ما قامت به المقاومة، أو حزب الله، هزيمة تاريخية واستراتيجية لاسرائيل وامريكا معا، مرددة ما قاله (نصرالله) نفسه في ذلك، وإن لم تكن حينها قد تكشفت أبعاد تلك الهزيمة كما هي منكشفة اليوم. فاذا نظرنا الى كل ذلك معا وجدنا حجم ونوع الانتصار الذي سجلته المقاومة في تلك الحرب، وهي المقاومة التي غيرت الصورة النمطية عن العرب والمسلمين، حين أثبتت الكفاءة والاستعداد والإلمام بالعدو والمعرفة العلمية والعسكرية، التي أدهشت العالم رغم أنها مجرد حزب محاصر. *** { هذا الحزب المحاصر الذي تعتبره القوى الصهيونية في العالم (إرهابا)، وتحاصره وتشكك فيه قوى من الداخل اللبناني، ومن الأنظمة العربية، ومن بعض الأقلام والأصوات الموبوءة بتوهان البوصلة أو بالعمالة المباشرة لأعداء هذه الأمة، هو الحزب نفسه الذي حقق أول مرة للعرب (إعادة في توازن القوى) وسجل ضربة قوية لأجندة الهيمنة العسكرية الأمريكية/الاسرائيلية في المنطقة، لصالح توازن قوى جديد فرضه لاحقا واتضح اليوم على محور حزب الله/سوريا/إيران، وعلى المقاومة الفلسطينية حتى على أحداث القوقاز الأخيرة، حيث كانت إسرائيل المنهزمة في لبنان تدعم (جورجيا) التي انهزمت بدورها أمام روسيا، كما فرضت هذه المقاومة على تصاعد وتيرة الصوت الشعبي في العالم كله سواء تجاه دعم (حزب الله) أو دعم القضية الفلسطينية، وما نموذج السفينتين اللتين كسرتا الحصار على غزة في 23 أغسطس هذا العام، الا بداية ارتفاع ذلك الصوت، وهذا كله جزء من تداعيات الهزيمة الاسرائيلية أمام قوة المقاومة العربية، وهو مما يعني انتصارا للمقاومة. { من جانب آخر ورغم حمى التطبيع العربي الرسمي (سرا وعلنا) مع إسرائيل، فإن العديد من المراقبين يؤكدون ازدياد الموجة الشعبية العربية الجديدة ضد عمليات التطبيع، تلك الموجة الشعبية التي اشتعلت في يوليو 2006 بصمود المقاومة وانكسار إسرائيل، خاصة إذا لم تتحقق عملية سلام حقيقية، شاملة وعادلة، وهو ما لم تستطع الوساطات الغربية أو العربية أو التركية أن تحققه، لأن إسرائيل لا تريد سلاما حقيقيا في النهاية، وحيث برهنت المقاومة أيضا (ان ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بقوة) وحيث برهنت الى جانب ذلك أن القوة العسكرية الاسرائيلية، مهما بلغت، فلن تهزم الشعوب، إذا كانت هناك مقاومة كحزب الله، قابلة للتعميم عربيا، وهذا انتصار للمقاومة. { يقول المراقبون أيضا: ان الشعوب العربية، وإذا لم يتم تفريغ انتصار المقاومة من محتواه، وحيث تمت المحاولة في ذلك حتى الآن ولم تنجح، تلك الشعوب ستكتسب جرأة أكبر في مواجهة حكامها المتخاذلين أو المتواطئين، بعد اتضاح صورتهم الحقيقية وموقعهم من العدوان على الأمة، كما أن الأقلام العربية (المناهضة) للتيار الأمريكي/الصهيوني ستقوى يوما بعد يوم، مع ميزان القوى الجديد الذي فرض نفسه على إسرائيل في لبنان، وعلى أمريكا في العراق، في بث الوعيين (الوطني والقومي) ووعي ثقافة المقاومة، مقابل انكشاف الأقلام المأجورة، وانكشاف دور وماهية الأصوات البوقية المتماهية مع المشاريع والمخططات الأمريكية، حيث أثبتت التطورات من زاوية رؤية اليوم، أن ما حدث هو مفصل تاريخي قادر على التأثير في كل المشاريع والمخططات التي تستهدف دولنا وشعوبنا، إذا أحسنت الشعوب العربية استثمار تداعيات هذا الانتصار، وإذا تشبعت بثقافة المقاومة، فإن المنطقة ستدخل مرحلة تاريخية جديدة، تمثل فيها نهضة الروح الجديدة، قدرة إضعاف القدرات الاسرائيلية والأمريكية في (استسهال) القيام بمغامرات عسكرية جديدة، وهو ما ثبت تجاه الحالة السورية والحالة الايرانية، حتى الآن، فحيث وجدت مقاومة شعبية عربية، وممانعة من سوريا وإيران، ستوجد وضع الاعتبار تجاه قيام إسرائيل أو أمريكا بأي حرب جديدة، بل على العكس أصبحت سوريا اليوم، بعد كل ذلك الحصار الاعلامي والسياسي، ملفى الأنظار الأوروبية، وخاصة تزايد الصوت الاعلامي ضد الاستفراد الأمريكي بالعالم. وللحديث صلة