كاتب فلسطيني الذي يشاهد دخول سفينتي كسر الحصار عن غزة إلى ميناءها، ويشاهد صورهما فلابد وان تنتابه الكثير من الانفعالات الجارفة التي تتضاعف داخل رأسه لتنفجر عن العديد من الأسئلة الملحة.. مثل.. لماذا لم يفعل العرب شيئا حتى لو كان شيئا رمزيا محدودا جدا، فهم يمتلكون كل مقومات تحطيم الحصار من جميع جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية..
الذي يشاهد دخول سفينتي كسر الحصار عن غزة إلى ميناءها، ويشاهد صورهما فلابد وان تنتابه الكثير من الانفعالات الجارفة التي تتضاعف داخل رأسه لتنفجر عن العديد من الأسئلة الملحة.. مثل.. لماذا لم يفعل العرب شيئا حتى لو كان شيئا رمزيا محدودا جدا، فهم يمتلكون كل مقومات تحطيم الحصار من جميع جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. والعرب لا يفصلهم عن غزة لا بحر ولا صحراء ولا مسافات بعيدة على رأي أخينا معمر القذافي الذي برر عدم مساعدة الفلسطينيين أبان الغزو الصهيوني لبيروت عام 1982، بطول المسافات التي تعيق وصول دعمه إلى المقاتلين هناك..
والعرب يمتلكون جيوشا مدججة بالسلاح ما علم منه وما بقي في عالم السر، يقودون شعوبا ما أسرع أن تهدر.. فقط تنتظر إشارة البدء للزحف نحو فلسطين..
لماذا يفعلها الأجانب ولا يفعلها الأشقاء، هل العرب محكومون بالقرار الأجنبي لدرجة الانصياع التام والموت الزؤام فالمهم ألا يغضب الآمر، وألا يعتب عليهم العدو القريب أو البعيد، فعلها الأجانب.. وليس أي أجانب.. أنهم آتون من الدول التي تحاصر غزة، وآتون تحت بصر ومراقبة حكامهم ومخابراتهم، وآتون بإعلان واضح بأنهم يتحملون ولو جزئيا مسئولية كسر الحصار عن غزة وإبداء الدعم الكامل لأهلها المحاصرين.. أين العرب من ذلك الفعل، وأين شعوبهم الغافية على شواطئ الاستجمام والمتعة في الصيف.. وأين هم من إرادة الفعل ومن نضوج الفكرة ومن نصوع الرؤية.. ألم تكفي الفترة الماضية بكل ما أحدثت من دمار ومن موت ومن صراخ أن تشعل في رؤوسهم ولو شمعة صغيرة تضيء للمحاصرين درب الأمل والحرية، ألا يأكلون ويشربون.. وهل يعتقدون أنهم فقط من يشعر بالجوع ومن يظمأ ومن يموت من المرض.. الفلسطينيون أيضا يجوعون ويعطشون ويمرضون ويموتون.. لكنهم في جميع أحوالهم يعانون ويتحملون كل ذلك بكرامة وأنفة وعزة وشرف الجندي المقاتل في الميدان، وبشرف الفارس النبيل الذي يبارز أعداءه ولا ينحني أمام تهويماتهم السرابية..
الفلسطينيون يتساءلون.. أين يكمن العيب في العرب.. أهو لدى الحكام الظالمين أم لدى الشعوب المستسلمة التي ارتضت الخنوع والذلة أمام الجور والطغيان.. الحكام نعرفهم جميعا لقد باعوا شعوبهم وأوطانهم ومصائرهم.. للعدو.. فما بال الشعوب.. أوافقت هي الأخرى على صفقة البيع.. أم إنها لا تدرك ما يجري عليها من ظلم ومن مؤامرات؟ أمن المعقول ألا يخرج من الشعوب رجالا قادرين على تحريك الشوارع العربية لتنتفض ضد الاستسلام للهزيمة المعنوية التي أوصلهم إليها حكامهم المهزومين..
العرب يعيشون الهزيمة عينها الآن.. بكل ما تحمل من معاني الانكسار والخنوع والمذلة والهوان.. فالرضا بحكم الظالمين هزيمة، والرضا بحكم المارقين هزيمة والرضا بالتبعية هزيمة والرضا بالتخلف هزيمة والرضا بالفرقة والانقسام هزيمة والرضا بحصار الفلسطينيين في غزة وتجويعهم حتى الموت هزيمة..
لماذا يمارس العرب الهزيمة في تنفسهم وأكلهم وشربهم، وعند مضاجعة نسائهم، ألا تحدثهم نفوسهم بوجوب الانفجار، وبضرورة تغيير الواقع الشرير الذي ينتمون إليه إلى واقع خير وأمان، ألا يحلمون بالقوة وبصناعة التاريخ وبالجلوس في قمة الجبل، كيف ترتضي نفس احدهم أن يخرج من جلده ومن قومه ومن جماعته ومن انتماءه، وكيف ترضى بالتبعية والأفول والتغريب والسقوط من فوق قمة الجبل الذي اعتلاه أجدادهم بالعز والشرف وبسواعد القوة والإباء والأخلاق..
سفينتي كسر الحصار عن غزة كسرتا الحصار ودخلتا الميناء ورستا بأمان ولم تستطيع إسرائيل منعهما من الاقتراب.. هي حقا كانت قادرة على ذلك بل على تدميرهما أيضا.. لكنه سلاح الإعلام هذه المرة الذي أدار المعركة ضد العدو بقيادة إرادة ظاهرة وثابتة على وجوب إتمام الأمر أيا كان الثمن، لم يلن ركاب السفينتين ولم تظهر فيهما علامات تردد ولا حيرة ولا خوف.. لقد عرفوا أن أي علامة تبدر منهم تحمل هذه المعاني كانت كفيلة بتحطيم إرادتهم وبتطويعهم لإرادة العدو وهم منذ البداية قد قرروا أن رحلة السفينتين مجرد معركة إرادة وقرروا فيها الانتصار..
فهل يفهم العرب الرسالة، وهل يدرك الحكام مغزاها.. لقد تداعى الأجانب البعيدون جدا عن غزة لإنقاذها في الوقت الذي يقومون هم فيه بدور الحارس الأمين على استمرار الحصار وتشديده بل والمشاركة فيه إلى أبعد مدى..
إنها ليست معضلة.. كسر الحصار ليس مشكلة.. المعضلة في أن القرار العربي غائب، وأن من يتوجب عليه اتخاذ القرار الصحيح مستسلم بالكامل.. فمتى يصحو الشعب العربي ليصدر قراره المتأخر.