حاصل على شهادة الماجستير في الآداب قسم "صحافة".
ماجستير في العلوم(اقتصاديات العلوم والتكنولوجيا).
ترأس تحرير العديد من المجلات العلمية والتكنولوجية في لندن.
رئيس قسم العلوم والتكنولوجيا في صحيفة"الحياة" من (1988-2000).
من عام 2000 وحتى الآن يعمل مستشاراً للمؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا.
"شيِّدْ مدائنك الغداة
بالقرب من فيزوف
لا ترض بما دون النجوم".
"فيزوف" هو البركان المشهور في إيطاليا، وبيت الشعر للشاعر المشهور عبد الوهاب البياتي، وهو يتردد في ذهني بشكل مُمضٍ منذ اطلعت على بحث سمير ريحاني،
"شيِّدْ مدائنك الغداة
بالقرب من فيزوف
لا ترض بما دون النجوم".
"فيزوف" هو البركان المشهور في إيطاليا، وبيت الشعر للشاعر المشهور عبد الوهاب البياتي، وهو يتردد في ذهني بشكل مُمضٍ منذ اطلعت على بحث سمير ريحاني، المهندس المدني العراقي المختص باقتصاديات التنمية. قدم ريحاني بحثه بالإنجليزية في مؤتمر "الاتحاد الدولي للدراسات العراقية المعاصرة"، والذي عقد أخيراً في جامعة لندن. ويتكون البحث، وعنوانه "العراق: طريق إلى الأمام"، من 36 "شريحة" عرضها برنامج الكومبيتر power point على شاشة قاعة المؤتمر. تستدعي "الشرائح" تركيزاً ذهنياً عالياً من الباحث والقارئ على حد سواء، فهي بمثابة "لافتات" توجز في بضعة سطور مسؤولية العراقيين عما حدث وعما سيحدث، وفيما يلي مقتطفات منها:
"لا صيغة سحرية لإنعاش حظوظ العراق. الأفعال ستستغرق وقتاً طويلاً لتحقق نتائج ملموسة. الحاجة إلى التحرك على جبهة واسعة. (المطلوب) تغير جذري في توجهات العراقيين ("المنظومة الثقافية"). وحملة متواصلة يقودها المفكرون العراقيون. وقد بدأت فعلاً. وتشكل مصدر تفاؤل حقيقي". وفي شريحة أخرى: "لا صيغة سحرية: دع العراقيين يكونوا منفتحين. ويوضحوا بشكل باتٍ أن أولئك الذين يشيعون الانقسامات (الإثنية، والدينية، أو أي شيء آخر) يعملون بنشاط مع أعداء العراق (لكن من دون قصد ربما). وينطبق الأمر نفسه على الذين يشاركون في الإرهاب ضد المدنيين الأبرياء، والأكاديميين وغيرهم. إنهم ليسوا وطنيين ويساعدون في تقديم مبررات لإطالة أمد الاحتلال".
ويتوقع ريحاني، وهو زميل باحث في "جامعة ليفربول"، ألا تسرّ استنتاجاته القراء، فهي تحمل العراقيين اللوم، و"خصوصاً بعض قادتهم منذ ثورة 1958 الذين يتحملون قسطاً كبيراً من اللوم إلى جانب (المتهمين المعتادين) كالولايات المتحدة وغيرها". ويطرح باختصار مسائل وأجوبة أساسية: "هل كان غزو عام 2003 مغامرة فاشلة (للولايات المتحدة)؟.. لا، كان جزءاً من عملية متعمدة طويلة. كيف تدهور العراق إلى وضعه الرهيب الحالي؟.. عداوات منظمة ولخبطات العراقيين. لِمَ أصبح العراقيون هدفاً؟.. النفط والموقع. لكن زعماءه سهّلوا المهمة كثيراً. الماضي يقدم دروساً ينبغي تعلمها"، وهذه الدروس هي باختصار: "المرونة والبراغماتية... وسأقترح التالي على أسس علمية: الشعب مهندس مصائره. الاعتماد على أي نوع من الدكتاتورية مضر. الاعتماد على قوة أجنبية أكثر ضرراً. النجاح يتطلب التركيز على الأمور الأساسية الجارية. ما يحدث لاحقاً يتوقف على العراقيين. الأعداء سيعرقلون، لكن هذا هو واقع العالم".
وفي رسائل تبادلتها بالإنترنت مع سمير ريحاني أشرتُ إلى مخاطر يتعرض لها من يتصدى لبحث الأحداث الجارية. استشهدتُ بقول الشاعر الإنجليزي والتر رالي: "كل من يكتب التاريخ الحديث سيتابع الحقيقة قريباً جداً من كعب حذائه، والذي قد يلطم أسنانه". ولعل ريحاني أراد تجنب اللطمة عندما استهل بحثه بالقول: "رجاءً، لا تسيئوا فهم وجهات نظري. كنت دائماً ضد التدخل الأجنبي في العراق قبل وبعد 2003. مواضيع سيادة واستقلال ونفط العراق، لها الأولوية. لكن في هذا الوضع هناك مسائل مهمة تستدعي انكباب العراقيين عليها. العراق لم ينته. إنه ببساطة، بحاجة إلى إعادة تجميع".
والمفارقة أن الأكاديميين والمثقفين الوطنيين الذين ناهضوا الاحتلال منذ البداية، وبرهنوا على صحة توقعاتهم حول الخراب الذي سينزله بالبلد، يشقون اليوم بحثاً عن مخرج لوطنهم من الخراب. وريحاني ناهض الحرب والاحتلال على أساس علمي مستمد من نظرية التعقيد complexity. ونشر قبل أيام من غزو العراق مقالة تسخر من اعتداد الزعيمين البريطاني والأميركي وثقتهما بنتيجة الحرب، وذكر أن العراق "منظومة معقدة ومتكيفة". ويعني "التعقيد" المستقى من علوم "فيزياء الكم" أن العراق يتكون من عدد كبير من عناصر داخلية متنوعة تتفاعل فيما بينها بشكل عشوائي على المستوى المحلي، فيما يعني التكيّف (adaptive) المُستقى من علوم البيولوجيا أن العراق تطوّر على مَدَيات بعيدة، وعبر ممرات متنوعة لا يمكن تحديدها مسبقاً، أو التحكم بها. والعراق نموذج لما يسميه عالم "فيزياء الكم" وارنر هايزنبرغ "نسيج معقد من الأحداث، حيث تتناوب، أو تتقاطع، أو تتراكب علاقات مختلفة النوع لتحدد المنسوج الكلي".
ويرصد ريحاني في بحثه الجديد كيف أنزل الاحتلال أكبر ضرر بالمنظومة المعقدة للعراق، مستهدفاً: "أعلى الشجرة والجذور: نهب الأرشيفات والمتاحف. التدمير المنظم للبنى التحتية. القضاء على الجيش وكبار موظفي الدولة. اختطاف وقتل الأكاديميين والأطباء. وحسب مصادر عراقية رسمية: أكثر من 2200 طبيب وممرضة قتلوا، واختطف أكثر من 250 منذ عام 2003. ومن أصل 34 ألف طبيب مسجلين عام 1990 غادر البلد 20 ألفاً على الأقل".
والرهان هنا على العراقيين "لإعادة تشغيل المنظومة العراقية المعقدة: تمكين المواطنين من القيام بوظيفتهم. نشر قواعد التفاعل المتبادل التي تفرض القبول العام (القوانين، القيم، التقاليد...). عيّن فقط اتجاهاً عاماً براغماتياً ومرناً. وتجنب الدكتاتورية (بأي شكل كان) ومهما يكن الثمن. كل ما عدا ذلك ثانوي". و"اتفاقيات النفط والأمن مسائل بالغة الأهمية... إنها معارك. (التصدي) للاتفاقات (والقواعد) مسائل مهمة. لكن ينبغي أن لا تحول التركيز عن الحرب الحقيقية. التربية والصحة والمياه والمجاري والكهرباء، والانقسامات الاجتماعية، وانعدام الأمن، وعدم وجود مجتمع مدني، والفساد... هذه هي الحرب الحقيقية للعراق. هذه كانت الأسلحة التي استخدمت ضد العراق".
ويشدد الباحث العراقي على أن "الانسحاب المبكر جداً لجميع القوات الأجنبية والمليشيات ضروري ومطلوب. لكن هذه الإجراءات بحد ذاتها لن تفعل الكثير لتحسين الظروف بشكل مستديم. من أجل ذلك ينبغي على العراقيين اتخاذ خطوات لإنهاض الاقتصاد على أسس العون الذاتي. فعلت ذلك شعوب أخرى مكروبة، وما من سبب للاعتقاد بأن العراق لن يقدر على ذلك، وهو الذي يملك موارد بشرية وطبيعية ممتازة تفتقر لها كثير من البلدان". كما أن "العراق لم ينته. إنه ببساطة، يحتاج إلى إعادة تجميع".
وتفاؤل ريحاني من النوع الذي يقول عنه الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي "تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة". وهو يستبشر بالمثقفين العراقيين: "عدد من الكتاب ومواقع الكومبيتر التي تنشر آراء ممتازة أكثر من أي وقت مضى. هذه خطوة كبيرة إلى الأمام". ويرصد ظهور "مجتمع مدني أفضل: الجماعات الأكاديمية والفنية والرياضية وغيرها... والتي تمثل نماذج للمجتمع المدني النشط، كثير منها انبثق في السنوات القليلة الماضية، ولا تزال ثمة حاجة إلى مزيد منها بالطبع. وهذا داعٍ آخر للتفاؤل. سيقدمون شبكة من الناس الذين يعملون كصوت لا يمكن تجاهله من قبل الحكومات في العراق والآخرون في الخارج".
وتنص آخر شريحة في البحث على أن "العراق منظومة معقدة: يحتاج إلى وسائل للإدارة مختلفة عما في الماضي. هناك ترتيب للأولويات في معالجة مشاكل العراق الملحة. العراق بحاجة إلى أن يربح الحرب وليس مجرد معركة هنا ومعركة هناك. أكثر المهام إلحاحاً هي إعادة بناء قدرة معظم العراقيين على التفاعل. ينبغي أن تكون للعراقيين مواطنة فعّالة. ليس ذلك أمراً سهلاً لكن البشائر مشجعة".